فلسطين بين موجتَي الربيع: نقطتان وخلاصة ..!!
نبذة مختصرة: 

لماذا بقيت فلسطين على هامش موجتي الربيع العربي، في سنة 2011، وفي سنة 2019. وأين هو موقعها في هذين الربيعين، وكيف تتعامل إسرائيل مع هذه التطورات، ولماذا تقف مباشرة أو مداورة ضد انتفاضة الشعوب العربية، ومع الأنظمة العربية؟ أسئلة لا بد من طرحها للتأسيس لمرحلة جديدة من الصراع.

النص الكامل: 

ينفتح السؤال عن فلسطين بين موجتَي الربيع العربي على مروحة واسعة من الأسئلة ومنها: كيف أثّر الربيع العربي، وخصوصاً في موجته الأولى، سواء بالسلب أو الإيجاب، في فلسطين، شعباً وقضية، في الإقليم والعالم؟ وهل ثمة إمكان لوصول موجة الربيع إلى فلسطين؟ ولماذا لم يحدث أمر كهذا حتى الآن؟ وكم حضر من فلسطين في موجتَي الربيع، أو غاب عنهما؟

والواقع أن أسئلة كهذه طُرحت منذ اندلاع الموجة الأولى في سنة 2011 حتى الآن، وقد ظهرت في معرض الرد عليها إجابات متنوعة لا يتسع المجال، هنا، للخوض فيها بشكل موسع، ومع ذلك يمكن اختزالها بعناوين عريضة.

من تلك العناوين العريضة، أن المجابهة التي اندلعت بين "جماهير" الربيع، إذا جازت التسمية، أو قواه الحية في الشارع من ناحية، وقوى الثورة المضادة من ناحية ثانية، وأدت إلى حروب أهلية، وانهيار دول، ونجاح أنظمة شمولية في إعادة إنتاج نفسها، قد أضعفت مكانة فلسطين في الإقليم والعالم في المدى القريب.

يتم التدليل على ذلك بالانهيار غير المسبوق في العالم العربي، وبما يتجلى من هرولة تتاخم حد الفضيحة من جانب أنظمة عربية في اتجاه إسرائيل لتطبيع العلاقات معها في السر والعلن، فضلاً عن محاولة سافرة من جانب الأميركيين والإسرائيليين لإنهاء المسألة الفلسطينية، مثلما تجلى في "صفقة القرن"، في ظل ممانعة شكلية من جانب البعض، وموافقة ضمنية أو صريحة من جانب البعض الآخر.

وفيما يتعلق بتأخر وصول موجة الربيع إلى فلسطين، فإن ثمة أكثر من تفسير: البعض يُرجع تأخر الموجة إلى وجود الاحتلال، وهي حالة فريدة مقارنة ببقية الدول في العالم العربي، بينما يعتبر البعض الآخر أن السبب هو استنزاف الطاقات في الانتفاضة الثانية ذات الكلفة السياسية والمعنوية والمادية الباهظة. وهناك مَنْ يتوقف أمام تفتت الحقل السياسي الفلسطيني، وما أصابه من جراح بنيوية بعد انقلاب "حماس" وسيطرتها على قطاع غزة قبل 13 عاماً. وأخيراً، هناك مَن يفسر تأخر الموجة بتصدي القوى الأمنية الفلسطينية، بالقوة، سواء في غزة أو الضفة الغربية، لأشكال مختلفة من الحراك والاحتجاج الشعبيين على مدار العقد الماضي. ولا يندر أن يجتمع أكثر من سبب ممّا تقدّم في جواب واحد.

وعلى الرغم من حقيقة أن حضور فلسطين، أو غيابها، في موجتَي الربيع، لم ينالا قدراً موازياً من الاهتمام مقارنة بما تقدّم، فإن الباحث عن تجليات حضورها في الموجتين الأولى والثانية لن يشكو ندرة الشواهد، سواء في الموجة الأولى التي عصفت بمصر وتونس، أو في الموجة الثانية في الجزائر والسودان والعراق ولبنان. هذا على صعيد الشواهد المادية من نوع الشعارات، ورفع الأعلام الفلسطينية في التظاهرات، والتي وصلت في حالات بعينها، كما في ثورة كانون الثاني / يناير المصرية، إلى حد تطويق المتظاهرين للسفارة الإسرائيلية في القاهرة، وإجلاء العاملين فيها.

بَيد أن ما غاب من فلسطين في موجتَي الربيع أثار ويثير تداعيات بعيدة المدى ولم ينل ما يستحق من الاهتمام - وهذا موضوع هذه المقالة - ويتمثل في تحوّل الموقف من فلسطين إلى نقطة تقاطع، ولقاء مصالح، بين قوى الثورة المضادة، أنظمة وقوى رجعية ومحافظة، في العالم العربي من ناحية، وإسرائيل من ناحية ثانية. الأمر الذي لم يكن واضحاً بهذا القدر كله من الشواهد، أو قابلاً للقراءة والتحليل لاستنباط خلاصات فكرية وسياسية، من دون اندلاع موجة الربيع العربي أو قبله.

وإذا شئنا اختزال لقاء المصالح هذا بين الجانبين فيمكن القول إنه يتمثل في "سحب" قوى الثورة المضادة من رصيد الفلسطينيين، شعباً وقضية، كعربون لتطبيع العلاقة مع إسرائيل، والقبول بموقفها من الفلسطينيين كمسألة إسرائيلية داخلية، في مقابل تعهّد إسرائيل بتقديم خدمات أمنية، وتقنية، وممارسة دور الوسيط الفاعل في العلاقة مع الأميركيين.

نجم لقاء المصالح هذا عن تحولات جوفية عميقة في الإقليم والعالم منذ نهاية الحرب الباردة، قبل ثلاثة عقود. ومن التحولات: تناقص القيمة الاستراتيجية للشرق الأوسط؛ تراجع الوجود الأميركي في المنطقة، بعد حربين فاشلتين في أفغانستان والعراق؛ صعود ثلاث قوى، هي إسرائيل وتركيا وإيران، وتنافسها على دور القوة الإقليمية في الشرق الأوسط.

وقد تسارعت وتيرة هذه التحولات، وتعددت تجلياتها، في سياق مجابهة الثورة المضادة لموجة الربيع العربي، حين اكتشفت النخب العربية الحاكمة والسائدة، أنها من دون سند خارجي لا تستطيع صدّ موجة الربيع، ومكافحة الإرهاب الأصولي الذي أنجبته شروخ اجتماعية عميقة، ووفرت المجابهة نفسها بيئته المثالية. وبهذا المعنى وجدت الرهانات الإسرائيلية والتركية والإيرانية على دور القوة الإقليمية، بيئة صالحة أيضاً.

إن التفكير في مبررات رسو عطاء البعض في العالم العربي على إسرائيل من دون غيرها، طلباً للحماية، يقع خارج نطاق هذه المعالجة. فالمهم - بعدما أوضحنا أن لقاء المصالح لم يكن واضحاً وملحّاً من دون موجة الربيع العربي وقبلها – هو تسليط الضوء على ما يثيره لقاء المصالح وتقاطعها بين إسرائيل ونخب حاكمة وسائدة في العالم العربي من تداعيات أيديولوجية وسياسية بعيدة المدى بالنسبة إلى إسرائيل نفسها، فكرة ودولة. وهذا يتمثل في نقطتين أساسيتين وخلاصة.

 نقطتان أساسيتان

النقطة الأولى هي تفسيرات وتأويلات إسرائيلية متنوعة للصراع الفلسطيني والعربي - الإسرائيلي. ولعل أبرزها، في هذا الصدد، أن العالم العربي محكوم بأنظمة شمولية لا تحظى بمصادر كافية للشرعية، وهي قمعية يُحرم مواطنوها من حقوق الإنسان، والتعددية السياسية، ويُحكمون بقوانين الطوارىء والأحكام العرفية.

لذا، غالباً ما تكلم الإسرائيليون على كونهم الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، وفسروا سلسلة الحروب العربية - الإسرائيلية المتلاحقة، منذ نشوء الدولة، كحروب عدوانية من جانب حكّام يستمدون من العداء لإسرائيل مصدراً للشرعية، ويبررون مصادرة الحريات الفردية والجمعية، وقوانين الطوارىء، وتغوّل أجهزة الأمن، وتفشي الفساد، بدوافع أمنية لأنهم في حالة حرب مع إسرائيل.

وقد كان هذا الخطاب مفيداً، في نظر الإسرائيليين، في أكثر من جانب، لأنه يجرد المسألة الفلسطينية من دلالتها القومية في العالم العربي، ويُعفي "مشكلة" الدولة الإسرائيلية مع "جيرانها" العرب من شبهة الترابط العضوي بين كفاح العالم العربي ضد الكولونيالية الغربية، وحقيقة أن مشروع الدولة الإسرائيلية نفسها، مع جميع سماتها الكولونيالية، وثيق الصلة بهذا الكفاح.

والواقع أن خطاب الإسرائيليين في هذا الشأن لم يكن يشكو ندرة الأنصار في أوروبا الغربية والولايات المتحدة. وقد تناسلت من الخطاب نفسه تأويلات أيديولوجية وسياسية متعددة لعل أبرزها أن "السلام" لن يكون ممكناً بين إسرائيل و"جيرانها" العرب من دون سيادة الديمقراطية والتعددية السياسية في الدول العربية، وأن الديمقراطية نفسها ليست أفضل مدخل يؤدي إلى السلام فحسب، بل إنها من أفضل ضماناته، أيضاً.

ولا ضرورة، هنا، للخوض في تفصيلات كثيرة، فكل ما في الأمر أن في لقاء المصالح وتقاطعها بين أنظمة شمولية ونخب رجعية ومحافظة سائدة وحاكمة في العالم العربي، وبين إسرائيل، في لحظة الربيع العربي، وما تلاها، ما لا يبرهن، بالملموس، لا على فساد المرافعة الرئيسية في خطاب الإسرائيليين التقليدي عن مبررات الصراع مع "جيرانها" العرب فحسب، بل ما يكفي لقلب المرافعة نفسها رأسها على عقب أيضاً، أي الخروج بخلاصة من نوع أن إسرائيل تخشى صعود أنظمة ديمقراطية حقيقية في العالم العربي، وتعمل موضوعياً، الآن وهنا، كضامن لبقاء وديمومة أنظمة شمولية رجعية ومحافظة معادية للديمقراطية.

أمّا النقطة الثانية، وهي وثيقة الصلة بالأولى، فتعيد التذكير بمرافعة أساسية في خطاب الصهيونية الكلاسيكية عن ضرورة وجود دولة يهودية تكون حائطاً للصدّ في آسيا الغربية كي تحمي حضارة أوروبا من البربرية الآسيوية. وهذه المرافعة كانت "مقنعة"، بالمعنى الأيديولوجي والسياسي في طورين أساسيين من عمر الدولة الإسرائيلية، ولا ضرورة، هنا، للعودة إلى تفصيلات كثيرة بشأن مشروع الدولة وعلاقته بالقوى الكولونيالية الغربية.

ففي الطور الأول، الذي استمر أعواماً قليلة قبل قيام إسرائيل وبعده، أثّرت أيديولوجيا الجناح العمالي للحركة الصهيونية، وتجربة الكيبوتس والقرى التعاونية، في موقف الاتحاد السوفياتي، ودول الكتلة الاشتراكية، بالمعنى الإيجابي، علاوة على اعتراف السوفيات بالدولة الإسرائيلية بعيد الإعلان عنها، وأداء صفقة الأسلحة التشيكية دوراً حاسماً في حرب 1948.

غير أن هذا الطور لم يُعمّر طويلاً، فقد حسم الإسرائيليون موقفهم في الحرب الباردة بالوقوف مع المعسكر الغربي. وما يعنينا، في هذا الشأن، يتمثل في الغطاء الأيديولوجي للمعسكر المذكور الذي تصدّرته قيم الديمقراطية الليبرالية، وحرية السوق وأولوية الملكية الفردية، فضلاً عن العداء لحركات التحرر القومي، ومشاريع بناء الدولة الحديثة في المستعمرات السابقة. وبدت إسرائيل، وخصوصاً في زمن الحرب الباردة، ومشروع إعادة هندسة الشرق الأوسط على يد المحافظين الجدد في الولايات المتحدة، كأنها التجسيد المثالي لنموذج حائط الصد، والموقع الأمامي المتقدم.

ومع ذلك، أطاح بفكرة حائط الصد أمران: الأول لحظة التقاطع ولقاء المصالح بين إسرائيل وقوى شمولية رجعية ومحافظة، وهي اللحظة التي ترشح إسرائيل موضوعياً لدور الحامي لأنظمة وقوى تحول دون "انتصار" قيم الليبرالية الغربية نفسها في هذا الجزء من العالم.

أمّا الأمر الثاني فيتمثل في حقيقة أن إسرائيل كتجسيد لمرافعة حائط الصد، والموقع المتقدم للغرب، حضارةً وديمقراطيات ليبرالية، تبدو في لحظة صعودها كقوة إقليمية مرشحة لكفالة وضمان أمن أنظمة شمولية في العالم العربي، كمصدر تهديد لمنجزات عصر التنوير، وأنظمة الديمقراطيات الليبرالية في الغرب.

ولا ينبثق التهديد من ممارسة دور الكفيل والحامي لنخب حاكمة وسائدة شمولية ورجعية ومحافظة، بصورة مباشرة، فهذا ما مارسته الديمقراطيات الليبرالية نفسها على مدار عقود طويلة، في الشرق الأوسط، في تحالفها مع، ودفاعها عن، أكثر الأنظمة عداء للديمقراطية والتعددية السياسية وحقوق الإنسان في العالم العربي، بل عن صعود معسكر اليمين القومي - الديني في إسرائيل، في الدولة والمجتمع، مع ما ينطوي عليه أمر كهذا من انزياح أيديولوجي وسياسي، وتحالف مع قوى وحركات شعبوية وقومية متطرفة في العالم، بما في ذلك أوروبا والولايات المتحدة.

وربما لا يبدو من السابق لأوانه أن نرى في هذا الصعود، وخياراته السياسية والأيديولوجية في الإقليم والعالم، ما يوحي بانتقال إسرائيل، الدولة والمجتمع، إلى طور ثالث وجديد عنوانه الرئيسي هو التحالف مع شعبويات وقوى يمينية عنصرية ومتطرفة في أوروبا والولايات المتحدة تمثل تهديداً جدياً لأنظمة الديمقراطية الليبرالية، وتسعى لتقويضها، علاوة على التحالف مع قوى يمينية صاعدة في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية.

وبهذا المعنى، يمثل الطور الثالث الجديد انقلاباً على المضمون التقليدي لفكرة حائط الصد، المرافعة الرئيسية في مشروع إنشاء الدولة الإسرائيلية. فالموقع الأمامي، في آخر تحولاته، أصبح مصدر تهديد لكل ما برر وجوده بتمثيله وضرورة حمايته والدفاع عنه. ولا يغيب، أمر كهذا، بالتأكيد، عن أعين وأذهان كثير من القلقين إزاء مستقبل الديمقراطيات الليبرالية في أوروبا والولايات المتحدة، وفي مناطق مختلفة من العالم.

 خلاصة

إذا كان ثمة خلاصة، على ضوء النقطتين السابقتين، فيمكن اختزالها بالقول إن النقطة الأولى، أي لقاء وتقاطع المصالح بين إسرائيل وأنظمة شمولية ورجعية ومحافظة في العالم العربي، تضفي بعداً جديداً على معنى مركزية القضية الفلسطينية ودلالتها في العالم العربي.

فإلى جانب المصادر التقليدية لمركزية القضية الفلسطينية، القومية منها والدينية، فضلاً عن ضرورات وإكراهات الجغرافيا السياسية، يبرز الآن مصدر جديد عنوانه الترابط الموضوعي بين كفاح الشعوب العربية في موجتين من موجات الربيع، وموجات لاحقة بالتأكيد، في سبيل عقدٍ اجتماعي جديد، يضمن حرية الإنسان وكرامته وحقوقه، والتوزيع العادل للثروة، والتمثيل الديمقراطي للإرادة الشعبية، وحقيقة أن إسرائيل التي أصبحت مرشحة لحماية وديمومة أنظمة شمولية ورجعية ومحافظة، هي من قوى الثورة المضادة، أيضاً.

وهذه النقطة، بالذات، تُضفي مزيداً من التعقيد والغنى على العلاقة بين المسألتين القومية والديمقراطية في الفكر السياسي العربي، وتفسر مشكلة إسرائيل مع "جيرانها" بطريقة أفضل.

أمّا النقطة الثانية، أي تحولات فكرة حائط الصد، وما جد من أطوارها، فتفتح أفقاً جديداً في العلاقة بين إسرائيل والغرب وبقية دول العالم، على أسس سياسية وأيديولوجية جديدة. فقد كان العداء للسامية، والهولوكوست في الحرب العالمية الثانية، من الروافع الأخلاقية لفكرة إسرائيل في نظر كثيرين في العالم، كما نال تفسيرها للصراع مع "جيرانها"، والذي أضيفت إليه توابل كثيرة عن العداء للسامية، تفهّم كثيرين آخرين أيضاً.

لكن ما يتجلى، في الوقت الحاضر، من صعود وهيمنة لليمين في إسرائيل، دولة ومجتمعاً، وعلاقتها المتنامية مع شعبويات وقوميات وميول عنصرية صاعدة في أوروبا والولايات المتحدة، يفرض على معارضي هذه التحولات كلها إعادة التفكير في العلاقة معها، والموقف منها، على أسس أيديولوجية وسياسية جديدة، لن تكون إيجابية بالضرورة، كما يهيىء بيئة صالحة لوجود تقاطعات ولقاء مصالح بين "جماهير" الربيع العربي، وموجاتها المتعاقبة، ومعارضي الشعبويات والقوميات المتطرفة في مناطق متعددة من العالم. ولعل في هذا ما يشبه حراك تيارات جوفية عميقة، غير مرئية، لكنها تفعل فعلها في الأعماق قبل صعودها إلى السطح.

السيرة الشخصية: 

حسن خضر: كاتب وناقد من فلسطين.

اقرأ المزيد