الثورات العربية في موجتها الثانية: زمن الثورة في لبنان
نبذة مختصرة: 

 بعد الإحباط الذي خلفته الثورات العربية وانتصار "الثورة المضادة" على شعوبها، لم يكن أحد يتوقع عودة الاحتجاجات والانتفاضات إلى عالمنا العربي. فقد كان من المفترض أن تكون صور اللاجئين في البحر المتوسط أو المدن المدمرة في سورية أو اليمن، كفيلة بالقضاء على أي حس اعتراضي، أو على الأقل ترويضه. وهذا ما حدث لعدة أعوام، قبل أن تنفجر الاحتجاجات مجدداً، مطلقة الموجة الثانية من الثورات العربية، وهذة المرة في دول بقيت بمنأى عن الموجة الأولى.

النص الكامل: 

انطلقت الموجة الثانية من الثورات العربية من السودان حيث تحوّل الاعتراض على غلاء الأسعار إلى أزمة رئاسية أدت إلى تدخّل الجيش لإزالة عمر البشير بعد عقود أمضاها في الحكم. أزمة رئاسية أُخرى شكلت شرارة الاحتجاج في الجزائر، حيث أطلق قرار إعادة ترشيح عبد العزيز بوتفليقة لرئاسة الجمهورية للمرة الخامسة تظاهرات ضخمة لم تنتهِ مع استقالته في نيسان / أبريل 2019. ولم تمضِ بضعة أشهر على ثورتَي السودان والجزائر حتى انفجرت تظاهرات معارضة في لبنان والعراق، على خلفية أزمة اقتصادية حادة وسوء إدارة حكومية، سرعان ما تحولت إلى أكبر تحدٍّ شعبي للشرعيات المهترئة لهذة الأنظمة.

بعد أكثر من ثمانية أعوام على انطلاق الموجة الأولى من الثورات العربية، عاد الاعتراض ليعمّ بعضاً من دول المنطقة.

لم يكن مستغرباً أن تعود الثورات لتجتاح عدداً من المجتمعات والدول، متجاوزة الخصوصيات الوطنية. فقد شكلت الثورات في التاريخ - على الرغم من "قومية منهجية" تأخذ الدول معياراً أساسياً لدراستها - حدثاً عابراً للحدود، مثلما حدث في منتصف القرن التاسع عشر أو بداية القرن العشرين أو منتصفه، في زمن شهد انتقالاً واسعاً لخطابات سياسية وتقنيات احتجاج وخيال ثوري بين المجتمعات الثائرة. وعلى الرغم من "وطنية ثورية" تريد حصر الثورات ضمن الحدود الوطنية للتاريخ الرسمي للدول، فإن الثورات غالباً ما شكلت دافعاً إلى كسر "الاستثنائيات" الوطنية والقومية، مرغمة الثوار على النظر إلى ما وراء حدود بلادهم ومخيلتهم السياسية. من هنا، تبدو "الثورة اللبنانية" كأنها معجزة، وهي التي حدثت في بلد قامت روايته الرسمية على "استثنائيته" المعرفية والسياسية، والتي جعلته عصياً على الثورات والتحولات الاجتماعية. جاءت الثورة لتضع لبنان إلى جانب السودان والعراق والجزائر، وبعد مصر وسورية وتونس، ضمن خريطة جديدة للمنطقة لم تلحظ استثنائيته الطائفية أو السياسية أو الاقتصادية. الثورات قد تكون خارج الصورة، لكن لبنان عاد إلى وسطها.

إن إعادة تموضع الصورة أعاد فتح مسألة تاريخ لبنان وثورته، أي تاريخ حاضره. فاندلاع ثورة "من الهامش"، أو من خارج الصورة، ثورة لا يمكن إلّا أن تكون خارج الصورة، أعاد صوغ الحاضر، أي سؤال التاريخ. فما بدا لأعوام مجرد تاريخ "هامشي" أو "بديل" لا يرقى إلى مستوى التاريخ الرسمي الذي لا يلحظ سوى الطوائف واللاعبين الإقليميين والتوافقية السياسية، تحوّل فجأة إلى "التاريخ الفعلي" للحاضر. فقد بات تاريخ الحركات الاحتجاجية، وتاريخ الحركة النسوية، وتاريخ المناطق المهملة، مفتاح فهم الواقع المتقلب، بعد أن جرى إهمال هذه التواريخ إلى الفصول الأخيرة من كتب التاريخ. غير أن تاريخ الحاضر ليس تاريخ الثورة وثوارها فحسب، بل هو أيضاً تاريخ النظام المهترىء وأزماته، البيئية والاقتصادية والمالية والسياسية؛ نظام لُخّص في الماضي بنظامه التوافقي وقدرته الاستثنائية على الصمود. لبنان الذي ثار ليس لبنان ما قبل ١٧ تشرين الأول / أكتوبر، إنه مجتمع بات يتعرف إلى ذاته وإلى نظامه؛ مجتمع طرح سؤال: "كيف نحكم؟"

 تكرار الثورات واكتشاف "النظام"

إنها ثورات خارج الصورة إذاً. وهذا قد يعود جزئياً إلى الحذر الذي يحيط بالموجة الثانية من الثورات. فصورة "الموجات" لا تقتصر على التوسع الإقليمي للثورات وقدرتها على التغلب على الحدود الوطنية فحسب، بل تشير أيضاً إلى التسلسل والتعاقب الزمني وعلاقة الموجات بعضها بالبعض الآخر. وقد تكون، في السياق الراهن، صورة "التكرار" هي المسيطرة: تكرار تجارب الماضي، وتكرار نتائج الماضي، وتكرار أخطاء الماضي، إلخ. و"التكرار" هو مصدر القلق والحذر الذي يحيط بالموجة الثانية التي تأتي على حطام ثورات 2011، في ظل مناخ عام حذّر من فكرة الثورة، ونظام إقليمي تحصّن من دروس الثورة المضادة، ونظام عالمي خائف من ثوار قد يتحولون إلى لاجئين في ضواحي مدنه. وهذا الحذر يمتد أيضاً إلى الثوار أنفسهم، حذراً أو حتى شيء من الخوف ومن كبرياء وصف تلك الأحداث بـ "الثورة"، وهو كبرياء دفع ثمنه غالياً أسلافهم الثوار.

بَيد أن هذا الحذر لم يؤدّ إلى تواضع في المطالب أو انحسار في الخيال السياسي. خلاصة كهذه لم تعد متاحة في ظل أنظمة باتت غير قابلة للإصلاح، أو حتى الحياة، بل بالعكس، تحول هذا الحذر إلى دافع نحو "تجذير" في تحديد ماهية الثورة كعملية تغيير سياسي واجتماعي لطبيعة النظام الذي يقف عائقاً أمام هذا التغيير. وأولى ضحايا هذا "التجذير" هي شعار الثورات الأولى، أي "إسقاط النظام"، أو بكلام أدق، هذا "النظام" الذي لُخّص بصورة رأس هرمه. لم يسقط هذا الشعار بسبب صمود الأنظمة ورؤسائها، وإنما على العكس جرّاء سقوط تلك الرموز، وبسرعة قصوى، قياساً لطول حكمهم وصلابة صورتهم. لم يؤدّ سقوط رأس الهرم إلى سقوط الأنظمة، بل فضح السر الذي كان يدركه الجميع، أي أن الملك لم يعد يحكم منذ قرون. انطلقت الموجة الثانية من هذا السر المفضوح، من النظام كسؤال مفتوح، حدوده غير محددة، يتعرف إليها الثوار من خلال التحسس والاستكشاف اللذين يفرضهما الصراع والاشتباك. إن إسقاط النظام لم يشكل نهاية الطريق هذه المرة، وإنما بدايته.

لم يهجر الثوار الشوارع والطرقات بعد الإطاحة بالبشير واستقالة بوتفليقة أو الحريري أو عادل عبد المهدي، بل ثابروا بحثاً عن هذا النظام المختبىء وراء تلك الرموز، عن أسرار النظام القابعة وراء وجوهه المتغيرة. فسقوط الحريري السريع في الشارع لم يكن نهاية الثورة اللبنانية، وإنما بداية طريقة تعرّفها إلى خصمها. فعلى مدار الأسابيع، اصطدمت الثورة بخصوم متتالين، وبدأت ترسم معالم النظام الذي كان يلخَّص في الماضي بعموميات كـ "النظام الطائفي". فبدأت تظهر مثلاً "جمعية المصارف" والمصارف اللبنانية والمصرف المركزي كالثلاثي المتسبب بالأزمة المالية، والمتلاعب بالسياسات الحكومية المتتالية، بعدما أُهملوا لأعوام، هذا إن لم يُقدَّسوا بالأيديولوجيا المالية اللبنانية. كما انفضحت علاقات الإعلام بالطبقة الحاكمة، لتظهر كيفية صناعة خطاب الثورة المضادة والمصالح التي تحركه. ومن خلال الصراع والاشتباك، بدأت تتوضح أيضاً معالم النظام الأمني الذي يحكم البلد، وهو مزيج من قوى رسمية وميليشيات أهلية ومحاكم تابعة لها. ففي بلد اعتاد تجاهل المسألة الاجتماعية وتلخيص النقد السياسي بشعار "رفض الطائفية"، شكلت الثورة درساً مكثفاً في كيفية تشخيص النظام، مقدِّمة خريطة لمؤسساته وتقنياته وامتداداته. الجواب عن سؤال "كيف نحكم؟" أُنزل من العموميات التي طغت على الخطاب السياسي إلى صلابة الاشتباكات والصراع.

هذا الطريق من "السطح" السياسي إلى "العمق" الاجتماعي للنظام ليس جديداً، بل سلكه عدد من الثورات أو التيارات في الماضي. فهو موجود في نقد اليسار الجديد للحقبة الناصرية مثلاً، أو في بعض أوجه نقد الماركسية للقومية العربية، أو في النقد النسوي لليسار. إنه الطريق الذي يبدأ لحظة عدم الاكتفاء بالتغيير السياسي وتحسّس حدود هذا التغيير، وهي لحظة تبدأ ليس من خلال تخيل بديل كامل ومتكامل فحسب، بل من خلال استكشاف العواقب التي تقف في وجه التغيير أيضاً. فالبديل يأتي بعد الإجابة عن سؤال "كيف نحكم؟" وهذا ما يبدأ من خلال استكشاف "النظام"، النظام الفعلي، وليس النظام المتخيل في أدبيات الاعتراض الماضية.

 أزمة الاعتراض "الليبرالي"

لم يأتِ هذا التجذير فقط نتيجة المسارات المتعثرة للموجة الأولى واكتشاف عمق النظام الذي يقف عائقاً أمام تحقيق مجتمعات أكثر عدالة ورحابة، بل أتى أيضاً بعد زوال عدد من المحاولات، منها ثقافوية وأُخرى ليبرالية، لترويض السياسة في المنطقة وتجاهل أسئلتها. وقد يكون زوال الخيار الليبرالي هو الذي فسح في المجال أمام عودة إمكان تخيل سياسة مختلفة عن تلك التي ورثناها منذ نهاية الحرب الباردة. فالليبرالية، أو بكلام أدق "المشروع الليبرالي"، سيطرت على المخيلة السياسية بحيث أصبحت اللغة السياسية الوحيدة هي اللغة التي فُرض على سائر التيارات التكلم بمفاهيمها. ولم يشكل المشروع الليبرالي مجرد أيديولوجيا سياسية تتنافس مع نظريات أُخرى، بل كان مشروعاً لإعادة تنظيم المجتمعات وطرق حكمها، تمكّن مع الوقت من تطوير ترسانة من تقنيات الحكم والاعتراض، وأشكال من المشاركة السياسية، وأطر للتحولات الاجتماعية.

قام هذا المشروع على تفريغ السياسة من محتواها الخلافي أو النزاعي ليستبدله بتقنيات صنع الإجماع، وهو إجماع محصور بالعملية الانتخابية. ومع سيطرة المشروع الليبرالي، تحولت هذه التقنية إلى خلاصة الثورات الوحيدة، أو المعيار الوحيد لديمقراطيتها. بكلام آخر، تم تأطير الطاقة الخلافية والنقدية للثورات بعملية انتخابية أُريد منها أن تؤطر ترجمتها السياسية، إذ إن معظم ثورات 2011 تُوّج بعمليات انتخابية جاءت نتائجها ملتبسة في أحسن الأحوال، هذا إن لم تكن العنوان لعودة النظام المخلوع تحت غطاء تمثيلي. وقد انطلقت الموجة الثانية من هذا الحذر من الانتخابات وخطر تحوّلها إلى تقنيات لترويض الثورات من خلال تمثيلها. ففي السودان، توافقت القوى الثورية والجيش على تأجيل الانتخابات، كما استمرت في الجزائر التظاهرات ضد قرار القيام بانتخابات في كانون الأول / ديسمبر 2019. فالانتخابات، في مكان ما، قد تكون قاتلة للمنطق الثوري، حابسة إياه في تقنية تمثيل، إذ إن لها روزنامتها ومنطقها ومفهومها، وجميعها يتعارض مع منطق الثورة.

لم يشكل هذا النقد مجرد تخوف نظري من العملية الانتخابية، بل جاء، على الأقل في لبنان والعراق، نتيجة فشل الانتخابات الأخيرة في إنتاج سلطة بديلة، وتحوّلها إلى إحدى تقنيات تثبّت سيطرة السلطة وشرعنتها. ففي لبنان مثلاً، أُجريت منذ عام الانتخابات الأخيرة التي أنتجت حكومة الحريري التي أسقطتها الثورة في الشارع، وقد جرت هذه الانتخابات على توليف قانون انتخابي نسبي كان من المفترض أن يقدم إمكاناً لخروقات في صفوف الطبقة الحاكمة، غير أن نتائجه، المدروسة مسبقاً بعناية من قبل القوى المتحكمة في السلطة، جاءت مخيبة لآمال "الإصلاحيين"، ومشكّكة في تاريخ من احتجاج ليبرالي رأى في الانتخابات تتويجاً لمسيرته الاعتراضية. ولم تخالف الثورة نتائج الانتخابات فحسب، بل إنها أيضاً لم تحوّل طروحات التيار الليبرالي الذي دعا إلى انتخابات مبكرة، إلى أحد شعاراتها الثابتة، رافضة الابتزاز الانتخابي الذي تهدد به الأنظمة. إن "الإرادة الشعبية" التي عبّرت عن نفسها في الشوارع والساحات لا تمثَّل في لوائح انتخابية، مهما يكن القانون أو النظام.

الحذر من الانتخابات لم يشكل رفضاً للعملية الانتخابية بالمطلق، بقدر ما هو تشكيك في أحادية هذه التقنية في صناعة "إرادة عامة" منبثقة من "إرادة الجميع". فالحركات الاحتجاجية التي عمّت العالم منذ سنة ٢٠٠٨ كانت على علاقة حذر وتوتر مع أنظمتها الانتخابية ومبدأ التمثيل السياسي، ومع أنها لم تناقض بالضرورة النتائج الانتخابية، إلّا إنها لم تحاول دائماً ترجمة احتجاجها بفوز عددي في صناديق الاقتراع. لقد سحبت مجالسها وساحات احتجاجها من اللعبة الانتخابية ادعاءها بتلخيص "الإرادة الشعبية"، مؤكدة أن "الشعب" كمبدأ شرعية لا يمكن حصره باللعبة العددية. هذا الموقف النقدي لم يؤسس لمبدأ جديد لإنتاج شرعية، وإنما أكد زوال "طبيعية" الانتخابات، فإذا كانت عملية التمثيل السياسي تقوم على الفصل بين الناس والسلطة من خلال ممثليهم المنتخبين، جاء النقد ليطرح مبدأ السلطة وشرعيتها من جديد.

 تنظيم الزمان

تأتي الأسئلة والملاحظات، وخصوصاً في حالة الثورة اللبنانية، لتلتقط بعض جوانب القطيعة التي أحدثتها الثورة، وهي قطيعة ربما لم تترجَم سياسياً بعد، أو على الأقل لم تلخَّص بالنتائج الأولية للثورة على الصعيد السياسي، الأمر الذي لا يقلل من أهمية هذا الحدث، بقدر ما يطرح سؤالاً عن كيفية ترجمة تلك القطيعة سياسياً. وهذا السؤال المبهم له إجابة واحدة مبهمة أيضاً، وهي اعتماد "التنظيم" كمحاولة لحل إشكاليات الوساطة التي تطرحها السياسة، أي الوساطة بين النظرية والفعل السياسي، وبين الفرد والجماعة، وبين استثناء الثورة وطبيعية السياسة، إلخ. وتأتي هذه الإجابة عادة محصورة بين رفضين: الأول، هو رفض النموذج الحزبي، الهرمي، الذي بات يُعتبر، بعد تجارب الماضي، إحدى تقنيات الحكم، أو اختصاراً للسياسة بمسألة السلطة؛ الثاني، هو رفض لعفوية ثورية تختصر "الوساطات" بين مستويات السياسة إلى مجرد مسألة إدارة أو أخلاق: الشعب هو الساحة، الساحة هي الأداة، الأداة هي الإرادة.

بَيد أن الأزمة التنظيمية الراهنة لا تلغي ضرورة ابتكار طرق تنظيم جديدة يمكن أن تؤسس لصلابة ما، تنقذ الثورة من سياسات ردة الفعل. لكن هذه الضرورة تبدأ بسؤال عن غاية التنظيم.. غايته هنا والآن. فاكتشاف صلابة النظام وعمقه لم يقضِ على سياسة إسقاط رأسه المركزي فحسب، بل فتح أفق الصراع معه أيضاً، وحرره من سياسة الضربة القاضية. كما أن زوال الانتخابات كالأفق الوحيد للثورات أسقط جدولها كخريطة زمانية لتطور الثورات، محرراً زمانها من روزنامة الانتخابات وتقنياتها. لم يعد زمان الثورات استثنائياً، فهو زمان خارج عن التوقيت السياسي المعتاد، يكثَّف ببضعة أسابيع أو أشهر، قبل أن تعود الحياة الطبيعية إلى مجراها. غير أن استمرار الثورات الراهنة لأشهر، وإن كان بوتيرة أخف، يُنذر بشيء من "تطبيعها"، أي إدخالها إلى حيز زمان الحياة اليومي. فالصراع لم يعد فقط مع النظام، بل مع زمانه أيضاً، أي مع قدرته على تأطير الزمان بحسب أولوياته وتقنياته وحاجته وقمعه. الصراع هو على السيطرة على الزمان.

شكلت فكرة الصراع على الزمان إحدى ركائز تجربة "المجالس المحلية في سورية"، مثلما كتب عنها الشهيد عمر عزيز. فالثورات، بحسب الكاتب، حدث استثنائي يقوم على قطيعة في الزمان والمكان معاً؛ قطيعة تُضعف الركائز الزمنية والمكانية للنظام. فقد نجحت الثورة السورية، وهذا النص كُتب في سنة 2011، نسبياً في كسر سيطرة سلطة النظام على الجغرافيا، لكنها بقيت مستقلة عن الأنظمة الحياتية للبشر، ولم تستطع أن تتداخل مع حياتهم اليومية. فهناك "تقسيم يومي للعمل" بين الحياة اليومية والنشاط الثوري، الأمر الذي يقود إلى تداخل زمنَين، بحسب عزيز، "زمن السلطة الذي ما زالت تدار فيه الأنشطة الحياتية، وزمن الثورة الذي يعمل الناشطون فيه على إسقاط النظام"، والخطر يكمن في "غياب التلازم بين الخطّين الحياتي والثوري". لقد استطاع النظام، من خلال سيطرته على الإدارة والاقتصاد والعلاقات المؤسساتية، أن يحافظ على توقيت الحياة اليومية خارج منطق الثورة، فارضاً على الأخيرة ساعات محددة من النهار. وهنا، يصبح من مهمات الثورة الأساسية الفصلُ بين زمنها وزمن السلطة، "فمزج الحياة بالثورة هو الشرط الملازم لاستمرارية الثورة وانتصارها"، وهذا كان دور "المجالس المحلي"، أي محاولة خلق زمان ثوري للحياة اليومية.

الصراع على الزمان ليست ميزة ثورات كالثورة السورية فحسب، أي ثورات تمتد في الوقت وتأخذ طابعاً عسكرياً فقط، بل إنه ربما يشكل أحد أبعاد الثورات، حتى السلمية منها أيضاً. فاستقلالية الثورة تمر بسيطرتها على الزمان، مثلاً من خلال فرض روزنامة للاحتجاج مستقلة عن سياسات السلطة، أو خلق مناسبات مستقلة لاحتلال الفضاء العام، أو كسر احتكار السلطة لجدولة الأحداث. وهنا، ينسحب الزمان من يد السلطة، أكانت سلطة القمع وردات الفعل عليها أو سلطة الانتخابات وتواريخها، ليصبح ساحة من ساحات الاشتباك. غير أن تنظيم الوقت ليس مجرد نقطة اشتباك مع السلطة، بل هو أحد شروط تأسيس الثورة كبديل سياسي من السلطة، وليس مجرد مشروع حكم مختلف. فالبديل يتطلب ابتكار هويات جديدة، وتطوير تقنيات سياسية متنوعة، واختراع نماذج معرفية جديدة، وصولاً إلى تطوير خريطة أحاسيس سياسية جديدة، الأمر الذي يتطلب زماناً مستقلاً عن زمان السلطة؛ زمان تختلط فيه استثنائية لحظات ثورية مع زمان حياة يومية مختلفة، فيتحول الزمان من إحدى ساحات الاشتباك إلى شرط من شروط ابتكار البديل.

أحد أهداف التنظيم هو الزمان، هو كيفية استعادة الوقت من النظام، وتحريره من تقنيات السيطرة عليه ومن سياسة ردة الفعل على زمانه. السيطرة على الزمان هو المدخل إلى ابتكار البدائل، والبحث عن طرق مختلفة للوجود معاً، وابتكار مفاهيم مختلفة للسياسة، وإعادة إنتاج حياة يومية على أسس جديدة. إنه المدخل أيضاً إلى إعادة اكتشاف أزمنة مختلفة، أزمنة لا تلخَّص بتوقيت النظام الرأسمالي أو بتقنيات الإدارة السياسية. إنه هدف لا يتعارض مع ضروريات العودة إلى زمان النظام فحسب، بل مع صورة الثورة عن نفسها أيضاً كلحظة تكثيف للوقت تزول حتمياً مع العودة إلى الحياة اليومية. ومع كسر "طبيعية" زمان النظام، تنفتح الثورة على الأزمنة الأُخرى التي تحيط بنا، ولا نراها إلّا من خلال ترجمتها الإدارية: زمان الكورونا وتطوره؛ زمان النفط واستخراجه؛ زمان الطبيعة وتطورها؛ زمان الانهيار وحتميته. إن تنظيم الزمان يفرض علينا مواجهة إمكان وقوع الثورة في ظل الانهيار، ويطرح علينا سؤالاً عن وجودنا في عالم من الأزمنة المتناقضة، عالم لا يبدأ من مركزيتنا، ويضع الإنسان خارج الصورة، وهذه ربما تكون المفارقة الأخيرة للثورة.

السيرة الشخصية: 

سامر فرنجية: أستاذ مشارك في قسم العلوم السياسية والإدارة العامة في الجامعة الأميركية في بيروت.

اقرأ المزيد