القائمة المشتركة.. رهان مزدوج
التاريخ: 
10/03/2020
المؤلف: 
سلسلة خاصة: 
الانتخابات الإسرائيلية 2020

حققت القائمة المشتركة (تحالف الأحزاب الأربعة الفاعلة بين الفلسطينيين في مناطق 48) إنجازاً انتخابياً ليس مبالغة توصيفه بأنه غير مسبوق في الانتخابات الإسرائيلية للكنيست الـ23، التي جرت يوم 2 آذار/مارس 2020، وأدى إلى ارتفاع تمثيلها من 13 إلى 15 مقعداً (الكتلة الثالثة).

ويعود هذا الإنجاز إلى أسباب كثيرة اجتمعت وساهمت في تحقيقه، أشير إليها في العديد من التحليلات (أنظر مثلاً ورقة تقدير الموقف الصادرة عن مركز مدى الكرمل للدراسات الاجتماعية التطبيقية- بعنوان: "قراءة تحليلية في نتائج انتخابات الكنيست الـ23 في المجتمع الفلسطيني"، حيفا آذار/مارس 2020، https://www.mada-research.org/).

ووصلت نسبة التصويت لدى المجتمع العربي (لا يشمل ما يسمى بـ"المدن المختلطة") في هذه الانتخابات إلى نحو 65%، مقارنة بـ60% في انتخابات الكنيست الـ22 في أيلول/سبتمبر 2019 و49% في انتخابات الكنيست الـ21 في نيسان/أبريل 2019. وحصلت القائمة المشتركة على نحو 580.000 صوت ما يعادل 12.5% من أصوات الناخبين عموماً؛ وما يعادل 87% من مجمل أصوات الناخبين العرب، بينما ذهبت باقي الأصوات العربية إلى الأحزاب الصهيونية. وللمقارنة، فقد حصلت القائمتان العربيتان (تحالف الجبهة والعربية للتغيير وتحالف الموحدة والتجمع) في انتخابات نيسان/أبريل على 337,108 أصوات، ما يعادل نحو 70% من مجمل الأصوات في المجتمع العربي، بينما ذهبت 30% من الأصوات إلى أحزاب صهيونية. وفي انتخابات 2015، حصلت القائمة المشتركة على 446,583 صوتاً، ما يعادل 10.61% من مجمل الأصوات، و82% من الأصوات في المجتمع العربي.

ولا ينبغي أن نسقط من الحساب أيضاً أن غياب التمثيل العربي في أحزاب "اليسار الصهيوني" تسبّب بانتقال أصوات عربية من هذه الأحزاب إلى القائمة المشتركة. فمثلاً، في انتخابات نيسان/أبريل 2019 صوت نحو 40.000 ناخب عربي لحزب ميرتس، نتيجة وجود مرشحيْن عربييْن في القائمة في مكانين كانا مضمونيْن، الأمر الذي ساعده على اجتياز نسبة الحسم، بينما في هذه الانتخابات والتي سبقتها في أيلول/سبتمبر 2019، تراجع المرشح العربي إلى مكان غير مضمون حيث جاء ترتيبه في الانتخابات السابقة في المكان السادس وحصلت القائمة (تحالف "المعسكر الديمقراطي" بين ميرتس وحزب "إسرائيل ديمقراطية" بزعامة رئيس الحكومة السابق إيهود باراك) على خمسة مقاعد، وفي الانتخابات الحالية جاء ترتيبه في المكان الحادي عشر في قائمة تحالف العمل و"غيشر" وميرتس الذي حصل على سبعة مقاعد. وعلى سبيل المثال، ففي مدينة كفر قاسم (المثلث)، مسقط رأس المرشح العربي في ميرتس، عيساوي فريج، حصل الحزب في انتخابات أيلول/سبتمبر على 3300 صوت تقريباً ما يعادل 38% من مجمل الأصوات في المدينة، فيما لم يتجاوز عدد الأصوات التي حصل عليها تحالف العمل- "غيشر"- ميرتس في هذه الانتخابات 725 صوتاً، ما يعادل 6.5% من مجمل الأصوات في المدينة.

بموازاة ذلك توقعت استطلاعات للرأي العام ارتفاع نسبة التصويت بين الناخبين العرب بشكل ملموس أيضاً على خلفية الاقتراح الوارد في خطة الإدارة الأميركية المعروفة باسم "صفقة القرن" والقاضي بدرس ضم منطقة المثلث إلى الدولة الفلسطينية العتيدة.

ولا بُدّ من أن أشير إلى مسألة ملفتة أخرى وهي زيادة التصويت للقائمة المشتركة في المجتمع الإسرائيلي. ويبدو أن التحالف بين أحزاب العمل و"غيشر" وميرتس في هذه الانتخابات كانت له المساهمة الأبرز في زيادة نسبة المصوتين اليهود للقائمة المشتركة، كاحتجاج على هذا التحالف من جهة، وعلى إقصاء التمثيل العربي منه من جهة ثانية، وبسبب اعتبار جزء منهم أن اليسار في إسرائيل أصبح يتمثل في المشتركة من جهة ثالثة. كما أن تأييد مندوبي العمل و"غيشر" شطب ترشيح النائب هبة يزبك من حزب بلد في لجنة الانتخابات المركزية بحجة أنها مؤيدة لـ"الإرهاب"، أدى إلى غضب في أوساط يهودية ليبرالية وديمقراطية داعمة لميرتس، ودفعها إلى التصويت للقائمة المشتركة.

ووفقاً للنتائج النهائية، وصل عدد المصوتين اليهود للقائمة المشتركة في هذه الانتخابات (يشمل المغلفات المزدوجة للناخبين من الجيش والسجون والمستشفيات ولا يشمل المدن المختلطة) إلى نحو 27.774 مقارنة بـ17.850 في الانتخابات السابقة التي جرت في أيلول/سبتمبر الفائت.

*****

الآن بعد أن انتهت الانتخابات تتجه الأنظار أكثر من أي شيء آخر نحو ما يمكن اعتباره بمثابة رهان مزدوج للقائمة المشتركة، يتمثل برهانها ذاته وبالرهان عليها.

فيما يخص رهانها يمكن الإشارة على نحو خاص إلى تشديدها عشية الانتخابات وفي إثر انتهائها، على دورها في استبدال الحكومة الإسرائيلية الحالية. وبموجب التصريحات المتطابقة لرؤساء القائمة المشتركة، يعود سبب هذا الرهان إلى كون رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو المُحرّض الأكبر على الفلسطينيين في إسرائيل أكثر من أي رئيس حكومة إسرائيلية سابق، ناهيك عن وقوفه وراء سنّ "قانون القومية" الإسرائيلي، وإعلانه مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن "صفقة القرن" بما تشمله من عملية ضم منطقة قرى ومدن المثلث إلى نفوذ الدولة الفلسطينية، والتي أشارت تقارير إعلامية إلى أن نتنياهو هو من أوعز بتضمينها، لأهداف عدة في مقدمها ابتزاز المواطنين العرب سياسياً ووطنياً.

بناء على ذلك، فالمطلوب من أي حكومة إسرائيلية بديلة لحكومة نتنياهو لكي تحظى بدعم القائمة المشتركة أن تلتزم بتعهدات تتصل بمطالب السكان الفلسطينيين في مجالات مدنية متعددة، وبمناهضة الضم و"صفقة القرن".

ومن المنتظر أن يبقى دور القائمة المشتركة في استبدال حكومة نتنياهو رهن التطورات اللاحقة، ولا تزال غير واضحة بما فيه الكفاية في النقطة الزمنية الراهنة.

وما بالوسع تأكيده هو أن تحييد هذا الدور قد يتأتى عن سيناريوهين يبدوان مُستبعدين في الوقت الحالي:

الأول، تأليف حكومة جديدة بين معسكر أحزاب اليمين واليهود الحريديم [المتشددون دينياً] وحزب "إسرائيل بيتنا" بزعامة عضو الكنيست أفيغدور ليبرمان؛

الثاني، تأليف حكومة وحدة وطنية يكون قطباها الليكود وتحالف "أزرق أبيض". 

أمّا الرهان على القائمة المشتركة في المناخ السياسي الإسرائيلي الناجم عن وقائع هذه الانتخابات ونتائجها النهائية، فإنه منطلق من جهتين:

الأولى، جهة المجتمع الفلسطيني في الداخل.

هنا تنبغي الإشارة إلى أن هذه الانتخابات كانت بمنزلة تكريس لتجربة القائمة المشتركة وجدواها، سواء من ناحية التمثيل البرلماني للفلسطينيين في الداخل، أو من ناحية المساهمة في الحقل السياسي الإسرائيلي والتأثير فيه. وهو تكريس استخلص العبر من انشقاق القائمة في انتخابات نيسان/أبريل 2019 فتحاشاه في انتخابات أيلول/سبتمبر 2019 وفي هذه الانتخابات، وتُرجم إلى إنجاز ملموس.

وفي خضم ذلك بدأت تعلو أكثر فأكثر أصوات من داخل المجتمع الفلسطيني في الداخل تتعامل مع القائمة المشتركة كقائمة موحدة وليست كمحصلة مركباتها من الأحزاب الأربعة، والتي يمتلك كل حزب منها رؤية خاصة به. وينطوي ذلك على مقاربة فحواها أن القائمة المشتركة يُمكن أن تُشكل إطاراً تنظيمياً لمشروع سياسي جامع غير منحصر في التمثيل البرلماني أو المشاركة السياسية فقط.

وهي أصوات مُرشحة لأن تتصاعد في ضوء ما تشهده الحلبة السياسية الإسرائيلية من مظاهر العنصرية والتطرّف.

الثانية، جهة المجتمع الإسرائيلي.

ويأتي الرهان على القائمة المشتركة من جهة المجتمع الإسرائيلي أساساً من طرف قوى ليبرالية وديمقراطية تتطلع للعودة إلى شعار "الدولة اليهودية الديمقراطية" الذي ابتلعه "قانون القومية".

وفي طليعة هذه القوى منظمة "الصندوق الجديد لإسرائيل" الممولة من جانب قوى يهودية ليبرالية من الولايات المتحدة، والتي رأت في تعقيبها على الانتخابات أن التغيير الجوهري الذي شهدته انتخابات آذار/مارس تمثل في التجنّد المُدهش للمجتمع العربي في إسرائيل من أجل القيام بدور رائد في الحلبة السياسية، والذي انعكس ببريق أخّاذ في ارتفاع نسبة المواطنين العرب الذين أدلوا بأصواتهم بين انتخابات نيسان/أبريل 2019 وانتخابات آذار/مارس 2020 بأكثر من 15%.

وبرأيها، "أثبت المجتمع العربي أنه يتطلع إلى المشاركة في السيرورة السياسية الإسرائيلية. ووظيفتنا أن نكون إلى جانبه. بموازاة ذلك علينا القيام بعمل أساسيّ وعميق في المجتمع الإسرائيلي من أجل خفض العنصرية وزيادة الشرعية السياسية للشراكة اليهودية- العربية. وهذا هو المشروع الاجتماعي- السياسي الأكثر أهمية بالنسبة إلينا في الوقت الراهن".

ومن الواضح أن رهان هذه القوى على القائمة المشتركة ينطلق من التمحور حول غاية المشروع الصهيوني ودولة إسرائيل، وحول التخلص من وطأة السياسات التي يتبعها اليمين وتنأى عن التسوية السياسية وحل الدولتين، وهي تجد تعبيراً لرهانها عبر صفحات جريدة "هآرتس" التي تنخرط في الرهان.

في هذا السياق يمكن استخلاص مقولتين تدأب هذه القوى على إشهارهما لتسويق رهانها:

الأولى، أن على اليسار في إسرائيل (الصهيوني) أن ينسحب من ركضه وراء الإجماع الذي يقوده اليمين، وأن يعود إلى نفسه وأن يتحالف مع القائمة المشتركة.

الثانية، اختزال تجربة القائمة المشتركة في خلاصة أن العرب يريدون الاندماج والمشاركة في اللعبة السياسية، لكن دولة إسرائيل لم تنضج لذلك بعد.

في واقع الأمر، بالرغم من أن المقولتين تنطويان على رهان متصل بالقائمة المشتركة فإنهما في الوقت عينه تشفان عن مآلات الواقع السياسي الآخذ بالتلبد في إسرائيل، والذي ازداد عتماً في الانتخابات الأخيرة. 

اقرأ المزيد