سؤال الخروج من المأزق
نبذة مختصرة: 

وصل المأزق الفلسطيني إلى مرحلة ربما تكون العلاجات العادية غير مجدية في عملية الخروج منه، وبالتالي، فإن الأمر يتطلب حلولاً جذرية، لأن هذا المأزق أوصل إلى مأزق أعمق هو الشعور بهزيمة الذات.

النص الكامل: 

قد يكون كافياً ما تناوله المحللون والمثقفون والسياسيون والاقتصاديون والفنانون والراقصون والمطبلون عن المأزق الفلسطيني إلى درجة تجعل الكتابة في، أو عن الموضوع الذي نريد الخوض فيه، إضافة لانوعية تكاد تقترب من تحليلات الرأي والخيال العلمي والاجتهاد في أيهما أسهل تبليط البحر، أم تبليط البيت الداخلي الفلسطيني الآيل إلى السقوط في ظروف انهيار السقف وتهاوي الأعمدة وتآكل جدران البيت في محاولة بائسة ويائسة للبحث والتنقيب عن الحلقة المفقودة.

وهنا لن أقف متأملاً البيت وتصدّعه، لكن أود الخوض في سؤال: "لماذا وصلنا إلى هذا كله؟" لأترك لنفسي وللقارىء مجال التفكير في مشهد المستقبل وسيناريوهاته للمرحلة التي تجاوزنا فيها حدود الأدب الوطني بعد السقوط المدوي في وحل نكبة حزيران / يونيو 2007، أو ما تعارف عليه الناس بالانقسام.

سؤال المأزق الفلسطيني يتوقف عند علامة الاستفهام، وما زال من دون إجابة منذ نكبة حزيران / يونيو 2007، واتفاقات المصالحة العصيّة، وآخرها اتفاق القاهرة في سنة 2017، والذي لم ينفَّذ، وها نحن على مشارف سنة 2020 التي تلوح في الأفق. فهذا المأزق ما فتىء "يتمأزق" في ظل غياب الرؤية والهدف المشترك والشعار التوحيدي الأول لوحدة الأرض والشعب والقضية، لمصلحة حسابات ومصالح حزبية وفئوية ومشاريع ومخططات إقليمية ودولية بات ارتهان الفصيل فيها لحسابات الخارج مقدَّماً على حساب الخيار الوطني.

محاولة الاجتهاد بالإجابة عن كيفية الخروج من المأزق أغرقتني في مأزق السؤال ومأزق الإجابة التي وجدتها تشبه ورشة عمل في حاجة إلى ورقة عمل ودراسة وتمويل ومانح. من هنا بدأت أشعر بأننا كفلسطينيين لسنا في مأزق، بل نحن المأزق ذاته: مأزق متعدد الاتجاهات والحدود والتيارات؛ مأزق اليمين ومأزق اليسار ومأزق الوسط؛ مأزق النخبوية ومأزق العفوية.

أعتقد أن أولى المحاولات تكمن في الوقوف والاعتراف بالهزيمة، هزيمتنا الداخلية، الأمر الذي يفرض التقييم والمراجعة النقدية الذاتية والموضوعية للتجربة المهزومة. وهذه المراجعة تبدأ من اعترافنا بالفشل، وتحوّل النضال من وسيلة لتحقيق هدف استراتيجي إلى تكتيك "كيف ما تيجي"، ومن هدف تحرري وطني إلى أهداف حياتية معيشية آنية.

المأزق معقّد ونزيده تعقيداً حين ندّعي الانتصار ونحن نطفح الهزيمة، وحين نسترخص التضحيات بالأبناء إلى مستوى البذخ، بمعزل عن الأهداف الوطنية، بل غالباً ما تكون الأهداف فئوية، وحين يغيب برنامج الحد الأدنى الوطني المشترك. فنحن لم نعد نعرف ماذا نريد، ولا لماذا انفلاش هذا المأزق الذي يزيده النظام العربي التابع تفاقماً.

في البحث عن مخرج، تستوقفني"وثيقة الوفاق الوطني" التي صاغتها قيادات من داخل السجون انحازت إلى المصلحة الوطنية العليا، وهي تشكل نموذجاً لبرنامج الحد الأدنى الوطني المشترك الذي يتوافق عليه الجميع ويكون ملزماً لهم.

المشكلة الحقيقية قد لا تكون في البرامج والنصوص ولا في الاتفاقات، بل في وجود مصالح فئوية وأيديولوجية ضيقة مضافاً إليها تأثير التدخل الإقليمي والدولي الذي يعمّق المأزق، الأمر الذي يجعلنا نسأل لماذا فشلت المصالحة الفلسطينية، ولماذا فشلت جولات الحوار كلها، ولماذا لم تطبَّق الاتفاقات الموقّعة بين حركتَي "فتح" و"حماس"، ولماذا لم تُمَكّن حكومة الوفاق في حينه من ممارسة مهماتها وبسط ولايتها في غزة كما في الضفة بحسب نصوص الاتفاق؟ والسؤال الأهم هو: إذا كنا أمام فشل تطبيق الاتفاقات، وفشل تحسين ظروف مشكلات الناس وإيجاد حل لها، أفلا تغدو ملائمةً فكرةُ إعادة الاعتبار إلى صندوق الاقتراع، وإلى الشعب بصفته مصدر السلطات، كي يقول كلمته، ويختار ممثليه، ويُبدع، وينتقي حلاً لن يكون سحرياً للخروج من المأزق بقدر ما قد يساهم في إعادة ترميم وإصلاح البيت الداخلي الفلسطيني؟

إن الفشل المتتالي للتوافق الفوقي، حفّز أنواعاً جديدة من الحراكات، فشهدت سنة 2011 حراكاً شبابياً واعداً في قطاع غزة والضفة، متأثراً بالانتفاضات الشبابية العربية. وقد رفع الحراك شعار "الشعب يريد إنهاء الانقسام"، وبدأ بممارسة الضغط على السلطتين، محاولاً إنشاء قوة تغيير داخلية جديدة، لكن هذا الحراك الذي كان ذا طبيعة عفوية سرعان ما تعرّض لتدخلات شتى، إمّا بالترغيب المتمثل في تقديم الوجبات ونصب الخيام وعقد المؤتمرات السياحية خارج الوطن، وإمّا بالترهيب قمعاً واستدعاء وتهديداً ومنعاً. وشارك في الهجوم على الحراك الوليد، أجهزة الأمن ومؤسسات حكومية وغير حكومية ومن رجال أعمال، وكانت النتيجة انطفاء الحراك وتبعثر نُوِّياته.

فشل الحراك الشبابي وخمد وهجه كقوة ضغط داخلية على القوى الوطنية والإسلامية. هل كان هدف المطالبة بإنهاء الانقسام كبيراً؟ هل خشيت التنظيمات من تحول الحراك إلى بديل منها؟ هل للوعي وغيابه أو تغييبه دور في وأد التجربة أمام التدخلات من كل حدب وصوب؟ أعتقد أن غياب الوعي أولاً وعاشراً ربما يلخص أسباب وعوامل فشل الإنجاز، فقد بدت الحالة كما لو أن الحراك كان مؤلفاً من مكوّن شبابي متعدد الفكر والاتجاه، طغى عليه الانتماء التنظيمي بدرجة ما، وفرض تأثيره على مسار توجيه الحراك من خلال سيطرة التنظيمي على الميداني لمصلحة حسابات الأول، علاوة على عدم وضوح الرؤية وآلية العمل اللتين لم تكونا حاضرتين لا في الذهن ولا على طاولة الميدان، مع عدم التقليل أو الاستهانة بالشكل الانفعالي العالي الذي سرعان ما انكفأ وانطفأ. كما يبدو أن هذا المكون لم يكن جاهزاً للتصادم مع البنى التقليدية الحزبية المالكة لأدوات إجهاض الحراك والمسيطرة على عناصر المشهد، اعتقاداً منه بعدم جدوى هذا التصادم الناجم عن خصوصية الحالة الفلسطينية الخاضعة للاحتلال، والتي بالضرورة لن يكون المنتصر فيها إلاّ منهزماً، مثلما هزمنا أنفسنا في حزيران / يونيو 2007.

وكانت مسيرات العودة هي المحاولة الثانية للمشاركة الشبابية، وتتمثل في حشود شعبية منظمة، عند الحدود مع دولة الاحتلال، تطالب بفك الحصار وعدم التدخل. ومع استجابة أكثر من 100,000 مواطن، أكثريتهم الساحقة من الفئات الشبابية، سرعان ما ثارت مخاوف الحزب الحاكم – "حماس" - من إدماج مطلب فك الحصار بمطلب تصويب الأوضاع الداخلية، بما في ذلك إنهاء الانقسام، فحدث التدخل سريعاً اعتباراً من المسيرة رقم 2 في الشكل والمضمون، حين تحول الاحتجاج السلمي الحاشد الذي لفت أنظار العالم إلى تصادم بين الشبان بصدورهم العارية. لقد أصبحت المسيرات تحت السيطرة التنظيمية الكاملة، وجرى توظيفها من أجل أهداف فئوية، وكانت النتيجة خفوت الزخم الشعبي، وانطفاء محاولة التغيير من خارج السياق العام.

غاب "الحامل" للحالة الشبابية مع ما يعنيه من غياب المستوى التنظيمي والقيادي للحراك، وغياب هذه القيادة وعدم تبلورها وتنافسها المبكر وشرائها أحياناً وبيعها أو تأجير عقلها أحياناً أُخرى، وفقدان الثقة بفكرة الخلاص العام لحساب الخلاص الخاص، وهذه أمور ساهمت كلها في وأد المحاولات لحساب الأشكال المنظمة التي، على الرغم من ترهلها وأزماتها، نجحت في ركوب موجة أي حراك وتجييره لمصلحتها، فضلاً عن تمييعه وإجهاضه كي يظل هذا التحدي قائماً وعائقاً أمام أي محاولة للمطالبة بالتغيير. وبالتالي لن يجد المبادرون إلى الحراك سوى العودة إلى صندوق الاقتراع الذي يشكل الدخول فيه حلاً واقعياً عبر انتخابات ديمقراطية تقوم على قاعدة التمثيل النسبي الكامل، وتعديل نسبة الحسم بما يتيح المجال لكسر النمطية الحزبية التقليدية السائدة لمصلحة إتاحة فرصة المشاركة المجتمعية بأشكالها المتعددة السياسية والمهنية والفنية والثقافية والشبابية الطامحة من خلال التغيير، وعبر حكم الأقلية، إلى التأثير في صنع وإنتاج القرار وتقرير المصير.

إن الخروج من المأزق يكون عبر الانتخابات العامة وتجديد الشرعيات كلها واستعادة وحدة النظام والكيان السياسي الفلسطيني على قاعدة الإقرار بوحدانية تمثيل منظمة التحرير الفلسطينية بصفتها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني في الداخل والشتات، وبتوفر برنامج الحد الأدنى من حقوقنا الذي توافقت عليه الفصائل، واستناداً إلى اعتراف 138 دولة بدولة فلسطين، مع مراجعة نقدية وجريئة للمسار والمسيرة ومجمل التجربة الوطنية وأدوات النضال. وفي الخلاصة، فإن الخروج من المأزق يتطلب الوقوف أمام سؤال لماذا انتصروا، ولماذا هُزمنا، وبالتوافق على أدوات النضال عبر وحدة وطنية تعددية حقيقية تُغَلِّب الوطني على الحزبي.

 

 

السيرة الشخصية: 

أكرم الصوراني: كاتب فلسطيني مقيم في غزة.

اقرأ المزيد