الفلسطينيون في سورية بين مطرقة الثورة وسندان النظام
التاريخ: 
13/12/2012
المؤلف: 

 محاولة من موقع كاتب سوري لفهم تعقيدات الحالة الفلسطينية في ظل ما تشهده سورية، تستدعي الوقوف على أوضاع المخيمات وظروف اللاجئين الفلسطينيين في سورية، والإضاءة على تاريخ العلاقة بين الفلسطينيين والنظام السوري، وصولاً إلى الظرف الراهن بمعطياته المختلفة ومنعرجاته وتأثيراته.

 لاجئون..أم سوريون فلسطينيون؟

 على الرغم من الظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة للمخيمات الفلسطينية في سورية، فإن للفلسطيني هناك حقوقاً لا تختلف عن حقوق المواطنين السوريين في مجالات التوظيف والتعليم والصحة والتجارة والملكية، مع بعض القيود الخاصة بتملك العقارات، ومن دون أن يكون له حق التمتع بالحقوق السياسية الخاصة بالمواطنين السوريين.

وخلافاً لما يظنه البعض، ليست التسهيلات المقدمة للفلسطينيين في سورية من "عطاءات" النظام الحالي ومواقفه القومية، وإنما هي تعود إلى بداية تواجد الفلسطينيين في سورية في إثر نكبة 1948 التي هجرت العدد الأكبر من اللاجئين، وإلى حالة التعاطف مع القضية الفلسطينية والاحتضان الشعبي والرسمي لها.

يحمل فلسطينيو موجة النزوح الأولى "تذكرة إقامة موقتة للفلسطينيين" وهي غير محددة المدة، بالإضافة إلى وثيقة سفر خاصة باللاجئين الفلسطينيين في سورية. وهم يحصلون على هذه الوثائق وفقاً للشروط والإجراءات ذاتها التي يحتاجها السوري لاستصدار وثائق الهوية والسفر. كما أن أبناء هذه الشريحة من اللاجئين يؤدون الخدمة الإلزامية في جيش التحرير الفلسطيني.

غير أنه، ولأسباب سياسية، هناك بعض الأوضاع القانونية الخاصة بعدد من الفلسطينيين الذين قدموا إلى سورية عبر موجات نزوح لاحقة: منهم النازحون نتيجة الحرب الأهلية في لبنان، والذين حصلوا على وثائق مماثلة، لكنهم لا يؤدون الخدمة العسكرية ولا يدخلون الوظائف الحكومية، ومنهم أيضاً الفلسطينيون المنضوون في صفوف المقاومة وعائلاتهم الذين قدموا من الأردن بعد أحداث أيلول/سبتمبر 1970، وقد حصلوا على إقامة الأمر الواقع. وبعد أن تدهورت العلاقات بين منظمة التحرير الفلسطينية والسلطات السورية سنة 1983، أصبح الفلسطينيون القادمون من دول تجمعت فيها قيادات المنظمة (تونس، الجزائر، اليمن..) موضع تدقيق واستجواب إذا ما ثبتت علاقتهم بها. وكثيراً ما انتهت فترة التحقيق بتبليغهم بأنهم أشخاص غير مرغوب فيهم وبأن عليهم مغادرة سورية فوراً.[1]

وبحسب الإحصاءات، بلغ عدد الفلسطينيين في سورية بمختلف فئاتهم في سنة 2011، 932,533 فلسطينياً[2]، تتوزع أغلبيتهم على المخيمات المنتشرة في مختلف المحافظات. وتتفاوت الأوضاع المعيشية بين مخيم وآخر، حيث يتراوح دخل الفرد الواحد في الشهر بين أقل من 2000 ليرة سورية في مخيم سبينة، وأكثر من 3000 في مخيم اليرموك.[3]

ويمكن ملاحظة التداخل بين المخيمات وما حولها، بحيث بات معظمها امتداداً للمدن أو حتى جزءاً من أحيائها، ما عزز من فرص الاختلاط، وزاد اندماج الفلسطينيين في المجتمع السوري، من خلال علاقات العمل والمصاهرة وغيرها. بل إن أعداداً كبيرة من السوريين من مختلف الفئات والمناطق يقيمون داخل بعض المخيمات كاليرموك في دمشق والرمل في اللاذقية، على سبيل المثال لا الحصر.

هكذا، بات ما يقع على السوري يقع أيضاً على الفلسطيني في مستويات حياته كافة، الاقتصادية والاجتماعية وتالياً السياسية، وباتا يخضعان معاً للشرط السياسي ذاته الذي يحكم البلد، وبتعبير الشهيد أبو إياد: "أمّا في سورية، فإن شروط الحياة كانت أقل قسوة، لكن السلطات كانت تطالب ضيوفها بالمقابل، بامتثال كامل، والتحاق غير مشروط بالنظام القائم، يسارياً كان أم يمينياً، انفصالياً أو عروبياً."[4]

النظام السوري والفلسطينيون: شعارات ساخنة وعلاقات ينقصها الدفء

لم يكن الانسجام هو السمة الغالبة على العلاقة بين سورية وقيادة منظمة التحرير، لكنها، وخلافاً للأردن ولبنان، لم تشهد الأراضي السورية مواجهات عسكرية بين الفصائل الفلسطينية وسلطات البلد المضيف.

يُرجع البعض جذر الخلاف إلى نزوع المنظمة نحو استقلالية القرار الوطني الفلسطيني، الأمر الذي يتعارض والدور الذي كان للنظام السوري بصفته اللاعب الإقليمي الأبرز في المنطقة، ومحاولته إدارة القضية الفلسطينية وفق رؤاه، التي يصر دوماً على أنها "تعبّر عن المصالح القومية العليا للأمة العربية." بل لطالما ادعى حرصه على الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني أكثر من القيادات الفلسطينية نفسها! غير أن الوقائع التاريخية تكشف أسلوباً متناقضاً في تعامل نظام البعث مع الفصائل الفلسطينية.

يروي أبو إياد في مذكراته[5] محاولة السلطات التسرب إلى "العاصفة" عبر إدخال عناصر مؤيدة لها، منهم يوسف العرابي ومحمد حشمت، وقد قُتل الرجلان في نهاية شباط/فبراير 1966، فقال "ما لبثت السلطات البعثية أن ارتابت في أن نكون قمنا بتصفيتهما. وهكذا فقد جرى توقيف قادة فتح› الذين كانوا موجودين في دمشق حينها - ياسر عرفات، أبو جهاد، أبو علي إياد، وأبو صبري، وكذلك سبعة أعضاء آخرين أقل أهمية - وجرّموا بالاغتيال."

توجه أبو إياد وبعض رفاقه إلى دمشق للسعي لإطلاق رفاقهم، وبعد لقاء العقيد صلاح جديد فهموا أن القضية بين يدي وزير الدفاع حافظ الأسد. وبعد ثلاثة أيام من الانتظار التقى بهم الأسد قرب عتبة مكتبه في وزارة الدفاع وبلّغهم بجفاء أن رفاقهم المسجونين مذنبون، وأن لا شيء أو لا أحد يستطيع إقناعه بغير ذلك.

وقال أبو إياد "فنشب بيننا جدال عنيف.. وسكت حافظ الأسد ثم بعد لحظة تأمل دعانا إلى الدخول إلى مكتبه ودار نقاش دام أكثر من ثلاث ساعات عن "فتح" وأيديولوجيتها وأهدافها، وخلص حافظ الأسد إلى القول وهو ظاهر الرضى: اذهبوا لتوكم إلى سجن المزة، فسوف تغادرونه مصحوبين برفاقكم المسجونين وسأعطي الأوامر اللازمة للإفراج عنهم. وقد وفى بوعده...."

بعد ذلك بعامين، في آذار/مارس 1968، اعتقلت السلطات السورية الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، د. جورج حبش.[6] وقد جرى ذلك على خلفية اكتشافها "شحنة سلاح موجهة من لبنان إلى الأردن عبر الأراضي السورية واعتبرتها موجهة إلى الداخل السوري من أجل القيام بانقلاب ضد النظام وبالغت في الأمر في حديثها مع القوى السياسية مؤكدة أنها كشفت مؤامرة لإسقاط النظام."

وسعت الجبهة لدى مختلف الأطراف العربية للتوسط وحل الإشكال، وكان جواب المسؤولين السوريين "من المستحيل أن يخرج حبش من السجن." وهكذا قرر قادة الجبهة العمل على إطلاق أمينها العام بكل السبل. وفعلاً وضع مسؤول العمليات الخاصة في الجبهة د. وديع حداد خطة لاختطاف حبش من السجن في أثناء نقله لإحدى الزيارات، "وتمت العملية بنجاح يوم 5/11/1968 وأصبح الأمين العام طليقاً ثم وصل إلى عمّان عن طريق بلد عربي آخر"، علماً بأن الجبهة في مقاربتها القومية للقضية الفلسطينية أقرب أيديولوجياً إلى النظام من حركة "فتح".

ولعل أبرز تناقضات التعاطي السوري مع الفلسطينيين وقضيتهم تجلت في لبنان، سواء لجهة الدور السوري في الحرب الأهلية اللبنانية، أو خلال فترة الاجتياح الإسرائيلي للبنان. ذلك بأنه في الوقت الذي كان للفلسطينيين معسكرات للتدريب في سورية ونشاط سياسي وإعلامي بارز في دمشق، إلى جانب ما كانت تطلقه آلة الدعاية السورية الرسمية من الشعارات القومية والاشتراكية، تخلت دمشق عن "حيادها" الذي استمر قرابة عام حيال ما يجري في لبنان منذ اندلاع الحرب الأهلية سنة 1975، لتقف بعد ذلك إلى جانب اليمين اللبناني ضد المقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية المتحالفة معها - والتي كانت تضم قوى قومية ويسارية!

وكثيراً ما دخل النظام السوري على خط الانقسامات الفلسطينية ليدعم هذا الطرف ضد ذاك، تبعاً لمدى انسجام أحدهما أو عدمه مع السياسة السورية، وكانت الذريعة دوماً "حماية الثورة الفلسطينية ودعم المقاومة." لذلك لم يكن من قبيل الصدفة أن معظم الانشقاقات التي حدثت في هذا التنظيم الفلسطيني أو ذاك كانت تنتج طرفاً مؤيداً للنظام السوري وسياساته.

كذلك لم يكن الفلسطينيون في سورية بمنأى عن التجاذبات السياسية بين منظمة التحرير وبين النظام، وكثيراً ما شهدت المخيمات حملات اعتقالات واسعة في صفوف النشطاء الفلسطينيين على خلفية انتماءاتهم السياسية، أو حتى بسبب علاقاتهم بالمعارضة السورية، التي ارتبطت أحزابها اليسارية بعلاقات طيبة مع عدد من الفصائل الفلسطينية، "وقد بلغ الأمر حداً من التردي أن بعض الأوساط السورية اتهمت بعض أطراف منظمة التحرير بمؤازرة الإخوان المسلمين في حلب وغيرها من المدن السورية."[7]

من هنا بات الشارع الفلسطيني، السياسي والشعبي، في حالة انقسام مزمن حول الموقف من النظام السوري، بين من يجد فيه عنواناً "للمقاومة والممانعة" إلى جانب كونه مضيفاً أفضل من غيره، وبين من يحمله جزءاً غير يسير من المسؤولية عن الحال التي آلت إليها القضية الفلسطينية، ويتهمه بالمتاجرة بها في سبيل بقائه.

بين "نظرية المؤامرة" و"الثورة الشعبية" هل تترك الوقائع مكاناً للحياد؟

منذ الأيام الأولى لانطلاق التظاهرات المناهضة للنظام في سورية، كان ثمة ترقب مستمر لموقف المخيمات الفلسطينية من التطورات التي بدأ يشهدها البلد. ويعود ذلك إلى خصوصية الشأن الفلسطيني في الحالة السورية كما مرّ بيانه، سواء على صعيد الوضعية المتميزة نسبياً للفلسطينيين في سورية لجهة التداخل والاندماج مع المجتمع السوري، قياساً بوضعيتهم في بقية دول اللجوء، أو على صعيد المعطيات السياسية والتاريخية لعلاقة النظام القائم بالقضية الفلسطينية عامة، وبمنظمة التحرير خاصة، وتعقيدات هاتين العلاقتين وتناقضاتهما.

وبحكم التباين في وجهات نظر الفصائل الفلسطينية حيال ما يجري، والتي غالباً ما تحددها علاقة هذا الفصيل أو ذاك بالنظام، وبحكم الفجوة الحاصلة بين الشارع الفلسطيني ونخبه السياسية، نظراً إلى عجز تلك النخب عن مواكبة تطلعاته، عدا عن تمايز الظروف الموضوعية بين مخيم فلسطيني وآخر على امتداد الجغرافيا السورية، كان من البديهي أن تتفاوت التقديرات والتوقعات حيال الموقع الذي سيشغله الفلسطينيون في المشهد السوري المتشكل حديثاً. ولا يبدو أن معطيات الواقع على الأرض قد سجلت حسماً أو ترجيحاً لمصلحة خيار ضد غيره، وإنما زادت في تعقيد المشهد واحتمالاته المفتوحة.

فقد أكدت تصريحات الرئيس محمود عباس منذ البداية "الوقوف على الحياد، وعدم الانجرار إلى الصراع."[8]  ولم يكن اتفاق الفصائل الرئيسية في منظمة التحرير الفلسطينية المتواجدة في سورية (الجبهتان الشعبية والديمقراطية لتحرير فلسطين وحركة "فتح" وجبهة النضال الشعبي)، على "تحييد المخيمات الفلسطينية والتنظيمات المتواجدة في سورية من الصراع الدائر بين النظام السوري ومعارضيه وعدم زجهم فيه"،[9]  إلاّ نوعاً من "الموقف النظري"، فهو لا يمكن أن يلغي حقائق أساسية تجعل من الصعوبة بمكان بقاء الفلسطينيين على الحياد:

  • الحقيقة الأولى، تتمثل في وجود أطراف فلسطينية تؤيد النظام بشكل علني وعملي، وتتبنى روايته بشأن "المؤامرة الكونية والعصابات المسلحة" منذ الأيام الأولى للأزمة، وعلى رأس هؤلاء الجبهة الشعبية – القيادة العامة بزعامة أحمد جبريل. في حين أن قيادة حركة "حماس"، التي كانت حتى الأمس القريب الحليف القوي للنظام، لم تتأخر عن إعلان رفضها الحل الأمني في سورية، واحترام الحركة لإرادة الشعب السوري، ونقلت مكاتبها - وخيارها السياسي أيضاً - من دمشق إلى الدوحة، متخلية بذلك عن "محور الممانعة" الذي كان يضمها إلى جانب حزب الله وإيران والنظام السوري، وعادت الحرارة إلى شريان العلاقات مع قطر وتركيا، وهما الخصمان الأبرز للنظام. وليس هذا فحسب، بل عززت "حماس"، وهي التنظيم الفلسطيني للإخوان المسلمين، حضورها على الساحة الإخوانية، بما لكل ذلك من دلالات وتبعات.
  • الحقيقة الثانية هي الوقائع على الأرض، والتي أصبح الفلسطينيون في إثرها في قلب الحدث:

- احتضان المخيم للنشطاء السوريين، وظهور عدد من التنسيقيات في الأوساط الفلسطينية تدعم حراك الشارع السوري، ومشاركة عدد من الشبان الفلسطينيين في التظاهرات السلمية، في مقابل نجاح أجهزة النظام، بالتعاون مع الجبهة الشعبية – القيادة العامة وتنظيم الصاعقة وحركة فلسطين حرة، في تجنيد عدد من أبناء المخيمات للمشاركة في قمع الاحتجاجات وضبط الشارع الفلسطيني تحت مسمى "لجان شعبية".

- تحول المناطق المتاخمة للمخيمات إلى مناطق توتر أمني، ونزوح العديد من العائلات السورية المتضررة إليها، فعلى سبيل المثال، مخيم العائدين في حمص ملاصق لحي بابا عمرو، ويتوسط مخيم اليرموك في دمشق أحياء التضامن والحجر الأسود والقدم، الأمر الذي أعطى المخيمات دوراً مهماً في أعمال الإغاثة.

- 6/6/2011: تشييع شهداء "مسيرة العودة" الثانية يتحول إلى تظاهرة ضد النظام السوري والفصائل التي تؤيده، فقامت عناصر مؤيدة للنظام، بإطلاق النار على المتظاهرين.

- تعرض مخيم الرمل في اللاذقية للقصف وتهجير الآلاف من سكانه أواسط آب/أغسطس 2011، وتصريحات ياسر عبد ربه، أمين سر منظمة التحرير، أن ما جرى "جريمة ضد الإنسانية"،[10] وخروج تظاهرات في مخيم اليرموك بدمشق تهتف لمخيم الرمل وضد النظام وتنادي بوحدة الدم السوري والفلسطيني.

- ظهور عدد من مسلحي المعارضة على تخوم بعض المخيمات – وداخلها أحياناً - وامتداد المواجهات المسلحة إلى أطرافها.[11]

- نزوح آلاف اللاجئين الفلسطينيين من سورية إلى لبنان نتيجة تردي الأوضاع الأمنية، ليجدوا بانتظارهم هناك ظروفاً إنسانية غاية في الصعوبة، منهم 355 عائلة في مخيم عين الحلوة وحده.[12]

- تعرض مخيم درعا لقصف عنيف وسقوط ضحايا من اللاجئين الفلسطينيين.[13]

- أكثر من 400 لاجئ فلسطيني قتلوا في سورية منذ بدء الأزمة[14] حتى كتابة هذه السطور مطلع تشرين الأول/أكتوبر 2012، عدا عن الجرحى والمعتقلين.

  • الحقيقة الثالثة، تتجلى في "عدم رضى" الأطراف السورية عن "الحياد الفلسطيني"، إذ يريد كل طرف سوري من الفلسطينيين الوقوف إلى جانبه، على قاعدة "إمّا معنا وإمّا ضدنا" التي باتت تحكم خطابي السلطة والمعارضة على السواء. مع العلم أن فصائل فلسطينية عدة التزمت الصمت التام حيال الوضع في سورية، أو أعلنت رسمياً وقوفها على الحياد. ولا يبدو أن خطاب النظام أو المعارضة قد ارتقى إلى مستوى التعاطي الجدي والمسؤول مع المخيمات، إذ يحاول كل طرف اللعب بالورقة الفلسطينية لمصلحته دون الأخذ بالاعتبار حساسية الموقف الفلسطيني وخصوصيته. ففي الوقت الذي يسعى كل طرف لاستقطاب الفلسطينيين – واستخدامهم - إلى جانبه، يتبادل النظام والمعارضة الاتهامات بـ "توريط" الفلسطينيين في الأزمة، كما جرى، مثلاً، في جريمة مقتل 16 شخصاً من عسكريي جيش التحرير الفلسطيني حين اتهم الإعلام الرسمي "الجماعات المسلحة" بارتكاب الجريمة، بينما اتهم المجلس الوطني السوري النظام بذلك.[15] كذلك الحال عندما تكرر سقوط قذائف الهاون على مخيم اليرموك في آب/أغسطس 2012، والتي أوقعت عشرات القتلى والجرحى، فقد تبادلت السلطات السورية والمعارضة المسلحة الاتهامات بالمسؤولية عنها، وشهدت المناطق المجاورة اشتباكات عنيفة بين الطرفين. 

من خلال الوقائع التي مرّ ذكرها، يمكن القول إن الفلسطينيين ليسوا خارج دائرة الصراع، من دون أن يعني ذلك اعتبار عامة الجمهور الفلسطيني في سورية منحازاً إلى هذا الطرف أو ذاك، بل لعل النسبة الأكبر منه باتت أكثر ميلاً إلى حصر مشاركتها في العمل الإغاثي، وازدادت حساسيتها إزاء من يحاول زجها في الصراع المسلح بعد أن انزلقت الأمور إلى العسكرة والعنف المفرط.

مع ذلك، لم تسجَّل على الصعيد الشعبي مواجهات على خلفية الانقسام السياسي، ولا حتى احتكاكات بين الفلسطينيين وجيرانهم من سكان المخيم السوريين الذين يوجد بينهم حتماً مؤيدون للنظام. كما أن مشاركة عدد من الفلسطينيين في القتال إلى جانب المعارضة يقتصر على حالات فردية، فلا يوجد إلى الآن ما يشير إلى وجود عمل منظم أو قرار سياسي من أي جهة فلسطينية بهذا الخصوص، ناهيك عن افتقار هذا الخيار إلى الحاضنة الشعبية، باعتبار أن الذاكرة الفلسطينية تزخر بالتجارب التي دفع الفلسطينيون فيها ثمن انخراطهم في صراعات الآخرين. كذلك يدرك الفلسطينيون أكثر من غيرهم مخاطر التطرف والعسكرة، فجرح مخيم نهر البارد لا يزال ساخناً.

إن مسؤولية تحييد المخيمات وتجنيبها الانجرار إلى العنف والفوضى بالدرجة الأولى تقع على عاتق أطراف الأزمة السورية، وأيضاً على عاتق القوى الفلسطينية التي تصر على الزج بنفسها في هذا الصراع، متناسية الدماء الفلسطينية التي سُفكت على مذابح "الأشقّاء" وحروبهم الأهلية.

ومن الأفضل للفلسطينيين النأي بأنفسهم عن هذا الصراع وعدم الخوض فيه ما أمكن. فالحياد حتى وإن لم يكن خياراً آمناً، إلاّ إنه الأقل سوءاً، وهو أفضل من السقوط كورقة محروقة لأي كان.

 

[1] جريدة "حق العودة"، العدد 47

 http://www.badil.org/en/haq-alawda/itemlist/category/220-haqawda47

[2] سجلت الأونروا 510,000 لاجئ فلسطيني في سورية، في حين تقدر الوكالة العدد الإجمالي بمن فيهم غير المسجلين لديها بـ 600,000.

[3] المصدر نفسه.

[4] خلف، صلاح )أبو إياد). "فلسطيني بلا هوية" (عمان: دار الجليل، الطبعة الثانية، 1996)، ص 69-70.

[5] المصدر نفسه، ص 79-80.

[6] النعيمي، الحكم. "وديع حداد لست إرهابياً" (دمشق:  دار كنعان، الطبعة الأولى، 2010)، ص64.

أوردها نقلاً عن أبو علي مصطفى في كتابه "دفاعاً عن الحقيقة".

[7] محسن، هاشم علي. "الانتفاضة" (دمشق: دار الجليل، 1983)، ص 234.

[8] "الحياة الجديدة"

 http://www.alhayat-j.com/newsite/details.php?id=1912&opt=12&cid=2601

[9] نقلاً عن "العربية نت"

 http://www.bani-hasan.com/vb/showthread.php?t=33582

[10] نشر الخبر في 17/8/2011.

http://www.alittihad.ae/

[11] "وكالة الصحافة الفرنسية"، 22/7/2012.

[12] جريدة "السفير"، 14/9/2012.

[13] المرصد الفلسطيني لحقوق الإنسان

 https://www.facebook.com/OPFHR

[14] وفق ما أعلنه الدكتور زكريا الآغا رئيس دائرة اللاجئين في منظمة التحرير الفلسطينية

 http://www.lajeen-db.ps/ar/?p=9130

[15] نشر البيان بتاريخ 11/7/2012

http:// ar1.syriancouncil.org