19 نيسان
2017
Type of event: 
قمر بعبّ الغيم – ثقافة التنوع في حلب
المتحدثون: 
المكتب المنظم: 
مؤسسة الدراسات الفلسطينية - بيروت
التاريخ: 
الأربعاء, 19 نيسان 2017 - 3:00مساءً
اللغة: 
عربي
الموقع: 
بيروت
موضوع الفعالية: 

أعاد الحياة إلى حلب بضربة قلم، وأدخلنا في دوامة المصير الغامض لهذه الميدة/ العالم التي قدمت نموذجاً في العيش المشترك والتفاعل الحضاري. لم يكن الهدف المعلن للدكتور فؤاد فؤاد، في الندوة الشهرية في مؤسسة الدراسات الفسطينية (الأربعاء 19 نيسان/ أبريل 2017)، إحياء مجد هذه المدينة الأسطورية، لكن ثقافة المدينة وحيويتها وسحرها تدفقت من وراء النص بفضل براعة المحاضر في الجمع بين التاريخ والأنثروبولوجيا والجيوبوليتيك. وجاءت الأدوات السمعية- البصرية لتضفي بعداً جمالياً تفتقده عادة المحاضرات التقليدية.

أين تقع حلب في التاريخ المشرقي والجيوبوليتكا الإقليمية المتحولية؟ وما هو مصير هذا النموذج الثقافي والحضاري الذي يقوم عكس التنوع والتعدد الاختلاط والتفاعل بين العرب والسريان والأرمن واليهود والكرد والشركس والتركمان؟ لنستمع إلى الشاعر فؤاد فؤاد يحدثنا باختصار عن ثقافة التنوع في حلب:

ليس من عبث أن يرتبط اسم المدينة بالموسيقى والغناء، أو بالمطبخ شديد التنوع والغنى، أو بالعمارة الحجرية الفريدة. فهذه هي هوية المدينة التاريخية التي عبرت الزمان إلى يومنا القريب يداً بيد مع صفة المدينة التجارية - الصفة التي لازمتها مرات إيجابياً كحاضرة مدينية مستمرة منذ عصور ماقبل الميلاد، ومرات سلبياً حيث وصفت بالمداهنة والمصلحية والمحافظة. لكن هذا نصف الكلام أو ربما أقل منه بكثير. فحلب التي عرفت في تاريخها الموغل طعم المملكة الواسعة، ثم في تاريخها الأقرب، معنى أن تكون الولاية الثانية في امبراطورية مترامية الأطراف حيث بلغ عدد سكانها في أواخر العهد العثماني (١٩٠٠) حوالي ٩٠٠ ألف نسمة على مساحة ٨٦ ألف كم مربع، كانت على امتداد الفترة العثمانية المحطة الأكبر في أهم طريق تجاري في ذلك الزمان: طريق الحرير؛ تتقاطع فيها الطرق، فقوافل تتجه إلى العراق ومنها إلى فارس فالهند ثم الصين واليابان. وقوافل تتجه إلى دمشق ومنها إلى الحجاز فاليمن فعُمان، أو إلى مصر وما يليها في أفريقيا، أما القوافل القادمة من تلك الأمصار فتعرف بضائعها الطريق إلى ميناء حلب: اسكندرونة على المتوسط ومنها إلى كريت وجنوه والبندقية ومرسيليا، وحتى إلى مانشستر.

ورغم أن الولاية حافظت على امتدادها الجغرافي حتى بعد انهيار الرجل المريض وتقاسم تركته، التي كانت تضم سنجق اسكندرون غرباً- مدخلها التاريخي إلى المتوسط، فإنها اتسعت شرقاً حيث أعطتها المسودة الأولى لاتفاقية سايكس - بيكو، الموصل قبل أن تسحبها منها الاتفاقية النهائية بعد اكتشاف النفط في الموصل في عام ١٩٢٠. ثم تأتي بعد سنوات ثلاث معاهدة لوزان مع أتاتورك لتقطع شريطاً شمالياً واسعاً يشمل مدن ومناطق مرسين وطرسوس وقيليقية وأضنة وعنتاب وكلس ومرعش وأورفه وحرّان وديار بكر وماردين ونصيبين وجزيرة ابن عمر وتضمها إلى تركيا، ثم يمعن الانتداب الفرنسي في القص ويقتطع سنجق اسكندرون الذي أصبح لواء في عام ١٩٣٩ لصالح تركيا أيضاً، ويبعد حلب عن البحر طريقها التاريخي إلى أوروبا. ويكمل العهد الوحدوي (١٩٦٠) تمزيق الولاية التاريخية ليأخذ منها إدلب وجسر الشغور وأريحا ومعرة النعمان- ما كان يشكل الأراضي الزراعية للمدينة. 

وهكذا فالولاية التي كانت مساحتها في أول القرن العشرين تصل حتى ٩٠ ألف كم مربع، تراجعت خلال ستين عاماً لتصبح حوالي ١٨ ألفاً فقط.

عشية الحداثة - حلب في القرن الثامن عشر

يذكر أبراهام ماركوز في كتابه الذي هذا عنوانه، أن المدينة كانت مقسمة في ذلك الوقت إلى ٧٢ محلة: ٢٢ داخل السور و٥٠ خارجه. وكان فيها ٦٨ خاناً و١٨٧ مقهى و٣ بيمارستانات ( مشافي) و ٦٤ حماماً عاماً، و ٨ مدارس علمية، وسجناً واحداً. وقد بلغ عدد سكانها وقتئذ ٢٣٠ ألفاً منهم ٣٥ ألفاً من المسيحيين و٢٠٠٠ من اليهود. وينقل عن وثائق المحاكم الشرعية لتلك الفترة أن حلب “ اختصت بفاخر الصابون ينقل منها إلى بلاد الروم والعراق. ويباع منها في اليوم الواحد ما لا يباع في غيرها في الأشهر. ومن خصائص حلب نفاق ما يجلب إليها من الحرير والصوف والقماش العجمي وأنواع الفراء من السمور والسنجاب والثعلب وسائر الوبر والبضائع الهندية. فإذا أحضر إليها مائة حمل حرير فإنه يباع في يوم واحد ويقبض ثمنه، ولو حضر إلى القاهرة عشرة أحمال لانباع في شهر، ويدخل حلب السجاد والتنباك من العجم، واللؤلؤ والأحجار الكريمة من البحرين، والطيب والتوابل والأفاوية والعقاقير من الهند”.

وليست الإيطالية التي جاءت عن طريق تجار البندقية وتوسكانيا وجنوه هي فقط ما دخلت مفردات حلب، فتجار الأمصار الأخرى جاؤوا أيضاً بمفرداتهم كاليونانية (الكرويته karravatos بمعنى المقعد الطويل) والفرنسية التي دخلت مفرداتها قبل فترة الانتداب الفرنسي بزمن طويل، كالببور (على السفينة البخارية) وبراو (بمعنى برافو)، والسكلمن (اللون الاحمر)، ولاحقاً مفردات الأزياء كالجبونه والإيشاب والمانطوفه. حتى السنسكريتية وجدت لها موقعاً بين لغة الحلبيين وخاصة أسماء الأعشاب والأدوية والتوابل - كما هو متوقع- كالجنزبيل كما يلفظه الحلبيون (وهو الزنجبيل)، والورس (وهو الزعفران). لكن قائمة المفردات الفارسية والتركية لا تعد ولا تحصى، من الكرابيج ( الفارسية بمعنى الصرة والتي أطلقت على الحلوى المعروفة) إلى الجايدان والارتي والجنتر حفا- وتعتبر اللاحقة التركية (جي) التي تضاف إلى الاسم لتعطي معنى صاحب المهنة، من أكثرها شيوعاً حيث أن الكثير من العائلات الحلبية حالياً تحملها كالتتنجي (بائع التتن) والبصمه جي (وهو طابع النسيج) والكعكه جي، والتفنكجي ( وهي رتبة عسكرية - التفنكه هي البارودة) وغيرها كثير.

أما السريانية فهي القاعدة الأساس ليس فقط كمفردات وأسماء أمكنة بل ربما يمكن لنا أن نزعم أنها طريقة لفظ واشتقاقات صرفية حيث الألف الوسطى في كثير من المفردات الحلبية تلفظ مائلة كما في السريانية فالحلبي يقول عن الجامع - جيمع، وعن الثياب تييب أو حوييج بدلاً من حوائج والتي تعني أيضاً الثياب وباب الجنان أحد أبواب حلب يصبح باب جنين. أو إضافة الباء الساكنة إلى أول الفعل ك: بْكتب، بْلقش، بْشتغل .. وهكذا وهكذا.

والحلبيون يحشون كل ما تقع عليه أيدهم من الخضروات، فهناك محشي الباذنجان والكوسا والقرع والعجور والجزر الأسود والبطاطا والبندورة والفليفلة الحمراء والخضراء التي يسمونها فرنجية، والكماية والأرضي شوكي والبصل، ويلفون أوراق بعض الخضروات كنوع آخر من المحشي، كالملفوف والسلق واليبرق ( وهو محشي ورق العنب الذي يحتوي على الرز واللحم) أما ما هو بدون لحم من ورق العنب أي فقط محشي رز وخضار- فيدعى يالنجي (أي الكذاب)، لكن شيخ المحاشي قاطبة هو ما يحشى باللحم المفروم والصنوبر فقط - أي دليل الثراء والمنزلة الرفيعة.

أما عن الكبب، فحدث ولا حرج. فلكثرة شهرة حلب بكببها يقتنع المرء أنه من اختراعها. والحقيقة أن أطيب الكبب كما يذكر الأسدي في موسوعته ما يجهز في غربي حلب لتوفر أطيب البرغل فيها وهو البرغل العمقي والذي لا يوجد مثيل له في المعمورة. ويعترف الأسدي أن بيت الكيخيا ورستم والكيالي وهنانو هم أفضل من صنع الكبب لاتخاذهم من البرغل العمقي ثم سخائهم بالسمن واللحم والجوز والصنوبر.  ثم يعدد أنواعها حتى تحسب أنه موسوعة عن الكبب، فيذكر منها ٥٩ نوعاً كالكبة السفرجلية والسماقية والقصابية واللبنية والعنتبلية والأورفلية والمختومة والمسلوقة والزنكلية والملقوزة والمحبرمة (وأعترف أنني لم أذقها أبداً وهي تطبخ بحمض حب الرمان!)، والقائمة تطول.

لكن الحلبيين أيضاً مولعون بالطعام الحريف أو الحد كما يسمونه (الحر بلهجة لبنان) وربما هو بسبب تجارتهم القديمة مع الهند حيث تعرفوا إلى نوعية طعامهم ولعل الأكلة الشعبية المسماة أبو أمون تعكس هذا الولع. وأبو أمون رقائق تصنع من طحين البرغل تبسط عليها الفليفلة الحمرا الحرة المدقوقة مع الزيت ودبس البندورة ويرش عليها الكزبرة اليابسة والكمون بكثرة وتخبز بالتنور. وإذا كانت كثرة زيت الزيتون الكردي تسهل ابتلاع هذه الرقاقة المتفجرة، فلا شيء يحمي حين خروج بقاياها بعد ساعات قليلة.  

والقارئ الانثربولوجي المتأمل في مكونات هذه الأنواع وطريقة إعدادها وتقديمها لن ينتابه أي شك في أن المطبخ الحلبي هو مطبخ ثقافات متنوعة لا يفسرها إلا موقع المدينة ودورها التاريخيين. فالتجار القادمون من مسافات بعيدة في آسيا أو أوروبا يلتقون هنا، ويطول مكوثهم أحياناً أشهراً طويلة تجري فيها المبادلات التجارية لكن خلالها تتسلل أنواع الأطعمة المختلفة والمفردات والموسيقى. وتعتبر الخانات الحلبية منزلاً للتجار القادمين، ومستودعاً لبضائعهم ومأوى لدوابهم. وأكثر الخانات مبنية على شكل مربع طول ضلعه قد يصل لستين متراً ويؤلف من طابقين: غرف الأرضي منه لخزن البضائع والعلوي فندقاً يشرف على الباحة الداخلية. ويرغب القناصل بسكنى الخان لأنهم تجار أيضاً ولكونه أكثر أماناً- ومن خانات حلب: خان البنادقة، وخان الكمرك، وخان الوزير، وخان النحاسيين، وخان الحرير وخان الصابون وخان الحبال. وإذا كانت للبضائع المجلوبة سوقاً وخاناً فالسوق لبيع المفرق والخان لبيع الجملة. وصاحب الخان يدعى الخانجي. وأما القيسرية فهي بناء دون الخان حجماً وبداخله دكانين ومعامل صغيرة.

وحلب مبينة من الحجارة، وحجارتها (الشهباء) كلسية سهلة الاقتلاع والنحت وتدعي بالنحيْتْ يتصلب مع الزمن- ويتصف الحجر الحلبي بألوانه الثلاث الأبيض والأصفر والزهري، بأن صفاته الفيزيائية لا تتغير مع مرور الزمن وهو قليل التأثر لعوامل الطبيعة المختلفة، وقساوته جيدة تعطي صوتاً رناناً عند النقر عليها - وكثيراً ما يميل الحجّارة عند نحت الحجر إلى الغناء بإيقاعات. من مثل ( يا الآسمر اللون… هالآسمراني.. دم دم تك)

 صمدت أبنية حلب المملوكية والعثمانية طويلاً فخلال تلك الفترة التي تصل إلى أكثر من ٦٠٠ عاماً شهدت حلب أكثر من ٧ زلازل مدمرة - أكبرها الذي حدث في القرن الثامن عشر وأدى إلى تهديم ٣ مساجد و٢٠٠ بيتاً. لكن البراميل المتفجرة التي سقطت على المدينة في السنوات الخمس الماضية هدمت مالم تفعله عوامل التاريخ والطبيعة مجتمعين. فمئذنة الجامع الأموي الكبير الفريدة التصميم والتي بنيت في عام ١٠٩٠ ميلادية تهدمت بالكامل في نيسان/أبريل ٢٠١٣ إثر استهدافها بشكل مباشر. وتضرر كثير من الخانات والحمامات الأثرية والدور القديمة كبيت زمريا وبيت وكيل.

عن المتحدثين: 

فؤاد م. فؤاد: طبيب وأستاذ باحث في الجامعة الأميركية في بيروت. له خمس مجموعات شعرية، صدر آخرها في بيروت عن دار رياض الريس بعنوان "حدث ذات مرة في حلب".

الفيديو الخاص بالحدث: 
ملف الصوت الخاص بالحدث: 
صور الفعالية

اقرأ المزيد