مدارس الأونروا: شهادة مدير إحدى مدارسها في مخيم عين الحلوة
التاريخ: 
22/01/2016

بعد قرابة عامين على تعييني مديراً لمدرسة "الناقورة الابتدائية للبنات"، وهي من مدارس الأونروا في مخيم عين الحلوة في منطقة صيدا، وفي إحدى الأمسيات أثناء توجهي لزيارة إحدى العائلات في منطقة السكة[1] الملاصقة للمخيم، التقيت بطفلة - بدت في العاشرة من عمرها- وسألتها إن كانت تعرف مسكن العائلة التي أقصدها. وفي طريقنا لتدلني على مسكن العائلة، سألتها عن المدرسة التي تذهب إليها، ففوجئت بردّها أنها لا تذهب إلى المدرسة، ولديها أخت عمرها ثمان سنوات لا تذهب إلى المدرسة أيضاً. عرفت أيضاً أن الفتاتين تعيشان مع والدتهما، في حين أن والدهما، اللبناني  الجنسية، مسجون منذ فترة طويلة. عندها، طلبت منها أن تأخذني لأتحدّث إلى والدتها التي أخبرتني أنها وابنتيها لا يملكن وثائق ثبوتية، وأن كل ما لديها هي إفادات ولادة من مستشفى الهمشري[2]، وعقد زواج وبطاقة هوية فلسطينية خاصتها. وأضافت أنها كلما كانت تقصد إحدى مدارس الأونروا في المخيم  لتسجيل الطفلتين، كانت تقابل برفض من مدير المدرسة لأن والدهما لبناني الجنسية من ناحية، ولعدم حيازتهم على بطاقات هوية من ناحية أخرى. ويبدو أن المدير المقصود لم يكن يريد تكليف خاطره بكتابة مذكرة للأونروا يطلب فيها الموافقة على تسجيل طفلة لأم فلسطينية وأب لبناني، علماً أن الأونروا كانت قد سمحت بذلك بعد موافقة المدير العام للأونروا في لبنان[3]. عندما عرفت بالأمر، طلبت من الأم أن تحضر مع ابنتيها إلى مدرسة "الناقورة"  صباح اليوم التالي مع ما لديها من وثائق، على أن أقوم بتسجيل الطفلتين بحيث تباشرا الدوام في الحال. وكم كان الفرح بادياً على وجه الابنتين، وأمهما، عندما تسلّمتا الكتب المدرسية. وقد التحقت الصغرى بالصف الابتدائي الأول والكبرى بالصف الابتدائي الثاني. إثر ذلك، قمت، بالتعاون مع إحدى الجمعيات العاملة في المخيم،  على استصدار وثائق إثبات نسَب لدى أحد مخاتير المنطقة، وهي وثائق تفي بالغرض لدى القيام بتسجيل الطلاب في وزارة التربية[4]. ولم يبقَ أمامي سوى مشكلة سن البنتين، الذي لا يتوافق مع قانون التسجيل الخاص بالأونروا ولا مع قانون وزارة التربية، إلا أنه، وبفضل تفهم مدير التعليم في الأونروا آنذاك وتعاون مكتب وزارة التربية اللبنانية في منطقة الجنوب[5]، تم تسجيل الاختين رسمياً. وقد أنهت البنتان دراسة المرحلة الابتدائية بنجاح في مدرسة "الناقورة"، ثم انتقلتا لمتابعة الدراسة في المرحلة المتوسطة في مدرسة أخرى للأونروا في المخيم.

أردت من وراء سرد هذه القصة، أن أشير إلى أهمية الدور الذي  يلعبه مدير المدرسة إذا أراد مساعدة الأطفال وحمايتهم، فقد خسر العديد من الأطفال فرصة التعلّم بسبب موقف مدير مدرسة أدار ظهره للأهل ذات صباح،  وامتنع عن تسجيل أطفالهم متذرعاً بنقص في وثائقهم الثبوتية، علماً أن له صلاحية تسجيل الأطفال وإعطاء الأهل مهلة لاستكمال ما نقص من وثائق ثبوتية.

في أدبيات الأونروا، يعتبر مدير المدرسة قائداً تربوياً، وتنقسم مهامه إلى قسمين: أولهما إداري، وثانيهما تربوي. كما يتلقى مدراء المدارس تدريبات تهدف إلى تحسين أدائهم واكسابهم مجموعة من المهارات التربوية والإدارية. ومن المهم الإشارة، في هذا الصدد، إلى أن سياسة الأونروا التربوية ترتكز على تحسين كفايات الموظفين، من مدراء ومدرسين ومشرفين، في قطاع التربية والتعليم، بحيث يغطي التدريب الجوانب الفنية الإدارية والإشراف التربوي. وتشمل مهمات المدير الإدارية التخطيط الإداري والمالي، واعداد السجلات والملفات الخاصة بالطلاب، والاهتمام بغرف الصف وأثاثها، إضافة إلى إعداد النماذج المتعلقة بموجودات المدرسة من تجهيزات ومعدات وكتب وقرطاسية، وملفات المدرسين، والتقارير الشهرية والسنوية، وضبط دوام المعلمين، ومتابعة دوام الطلاب، وتشكيل اللجان وتحديد مهامها ومتابعة العمل يومياً، وحضور الاجتماعات وبناء  العلاقات مع المجتمع المحلي وغيرها. أما مهماته التربوية، فتشمل متابعة العمل الصفي للمعلمين وتحصيل الطلاب، والقيام بزيارة الصفوف، ومتابعة تخطيط الدروس وعمليات التقييم، وتحديد حاجات التدريب للمعلمين وإثراء المناهج.  بيد أن الأونروا لا تلتفت، للأسف، إلى الجانب الأهم من عمل المدير، ألا وهو علاقة المدرسة بأهل الطلاب، وهي مهمة تتطلب تعيين موظف خاص لمتابعتها، ليس لأهميتها فحسب وإنما لكونها تستهلك الجزء الأكبر من جهد مدير المدرسة ووقته. فهو الذي يقوم بالتواصل مع الأهل واستقبالهم في المدرسة، لمتابعة الشكاوى والمراجعات اليومية، وتقديم النصح والإرشاد، وحل المشكلات التي قد تنشأ بين الأهل وأحد المدرسين.

خلاصة الأمر، أن علاقة المدرسة بمجتمع اللاجئين الفلسطينيين تعتريها الكثير من السلبيات التي تؤثر بالضرورة على سير العمل التربوي. والجدير بالذكر،  أن الأونروا لا توظف نظّاراً للمدارس، ولذلك يقوم المدير بمهمة النّاظر أيضاً، منتدباً في كل يوم معلماً يسمى "المناوب"، يتولى قرع الجرس والإشراف على طابور الطلاب ودخولهم وخروجهم، ويتعاون في إنجاز هذه المهمة باقي المعلمين في المدرسة بموجب جدول أسبوعي يسمى جدول المناوبة. ويساعد المدير في أعماله  "المدير المساعد"، الذي يقوم بالمهام الإدارية نفسها باستثناء الإشراف التربوي. كما أنه لا يملك صلاحية اتخاذ القرارات، ما يجعل دوره محدوداً فيما يتعلق بالعلاقات مع أهل الطلاب. ويتم اختيار هذا "المدير المساعد"، في المدارس التي لا يتعدى عدد شعبها (صفوفها) الخمسة عشر، من ضمن المدرسين، أما المدراس التي يزيد عدد صفوفها عن ذلك، فإن  مكتب التوظيف في الأونروا، هو الذي يعيّنه كمتفرّغ. ومع أنه من المفترض، نظرياً، أن تقوم اللجان المدرسية المؤلفة من طاقم المعلمين بمساعدة مدير المدرسة، إلا أن هذا الأمر يبقى بعيداً عن التحقيق بسبب ضغط الأعباء التربوية، التي لا تترك للمعلّمين ما يلزم من الوقت لتفعيل عمل اللجان المدرسية.

يبدأ نهار مدير المدرسة بتفقد دوام المعلمين؛ وفي حالة غياب أحدهم، يصبح نهاره عصيباً، وذلك لعدم توفر المعلم البديل. ثم يقوم، عند قرع الجرس، بمتابعة الطابور الصباحي ودخول الطلاب إلى غرف التدريس، ومن ثم يكلف "آذن"[6] المدرسة بجمع دفاتر تخطيط الدروس من المعلمين ليقوم بالاطلاع عليها وتوقيعها، أو يقوم –عندما يتوفر له الوقت - بزيارة المعلمين في غرف الصفوف للاطلاع على خطط التدريس بنفسه. ويضاف إلى أعباء المدير اليومية استقبال المشرفين على تدريس المواد التعليمية وتسهيل عملهم، والاجتماع بهم بعد انتهائهم من مهامهم الإشرافية.

في بداية العام الدراسي، كما في نهايته، يكون مدير المدرسة في وضع لا يحسد عليه، إذ إن ضغوطات العمل تكون في الذروة، فيقع مدير المدرسة بين ضغط إدارة التعليم، التي تطالبه بإنجاز التقارير والخطط المتعلقة ببداية العام الدراسي من ناحية، وضغط الأعمال المتعلقة بإطلاق العام الدراسي في مدرسته من ناحية أخرى. ومن أهم تلك الأعمال تسجيل الطلاب المنتقلين حديثاً إلى مدرسته من مدارس أخرى، وإعداد تشكيلات الصفوف والشُعب[7].

وكانت تصرفات مدراء المدارس، في بعض الأحيان، تتسبب في معاناة الطلاب وأولياء أمورهم. فقد كان بعض المدراء  يمتنعون عن تسجيل الطالب المنتقل من مدرسة أخرى إذا لم يكن من الأوائل في صفه، متذرّعين دائما بحجّة عدم توفر أمكنة في المدرسة. وكثيراً، ما شوهد الأهل يتجولون حاملين أوراق انتقال أولادهم من مدرسة إلى أخرى دون جدوى. وعلى الرغم من إمكانية قيام الأهل بتقديم شكوى لدى مدير التعليم، فإن ذلك لن يكون مجدياً في حال كون مدير المدرسة، المعني بالشكوى، من أصحاب النفوذ، إما لانتمائه إلى فريق سياسي ما، أو لارتباطه بعلاقات جيدة مع كبار الموظفين في مكتب الأونروا في لبنان. ولعل أسوأ ما مارسه مدراء المدارس هو "الانتقائية " في قبول الطلاب المنتقلين إلى مدارسهم. فقد كان المدير يرفض، في بعض الأحيان، تسجيل الطالب المتقدم، إذا كانت عائلته لا تضم في عدادها طلاباً "متفوقين". كما كان بعض المدراء يلجأون إلى التخلص من الطلاب أصحاب التحصيل غير المُرضي أو الراسبين في صفهم، بأن يعرضوا على أهلهم إعطاءهم إفادة نجاح في الصف شريطة نقله من المدرسة إلى مدرسة أخرى. وكانت هذه الممارسات تتكرر في كل عام، لا سيما مع الطلاب المنتقلين من مدارس منطقة صيدا إلى المدارس في مخيم عين الحلوة. وفي ظني، فإن عملية التسجيل في بداية العام الدراسي، وبخاصة  تسجيل أطفال الصف الابتدائي الأول، وعملية انتقال الطلاب ما بين مدارس المنطقة الواحدة،  تظلان بحاجة إلى متابعة من قبل المشرفين على برنامج التعليم في الأونروا، بغرض وضع حد للانتقائية التي يدفع ثمنها الطلاب وأهلهم.

قبيل نهاية السنة الدراسية، يضع مدير المدرسة برامج الامتحانات النهائية، ويناقش  مع المعلمين كيفية وضع الأسئلة. كما يتواصل مع الأهل، عبر إرسال منشور يحدد تاريخ الامتحانات وتوقيتها. ثم يشرف المدير على الامتحانات النهائية، ويقوم برصد النتائج وإعداد بطاقات العلامات الخاصة بالطلاب التي يتسلمها أولياء الطلاب في يوم محدد. ويتولى المدير إعداد تقرير عن حاجات المدرسة فيما يتعلق بالصيانة العامة الروتينية التي تجري خلال العطلة الصيفية، ويقدّر حاجات المدرسة للعام المقبل من كتب وأثاث وتجهيزات. كما يضطلع بمهمة كتابة التقارير حول أداء كل واحد من المعلمين، وتقدير حاجات المدرسة من المعلمين للعام المقبل.

ختاماً، على مدير المدرسة أن يكون إيجابياً في نظرته لعمله، وأن يكون صاحب مبادرة، وأن لا يعتبر  نفسه موظفاً ينتهي دوره بانتهاء وقت الدوام المدرسي. كما يتوجب عليه عدم التمييز بين الطلاب على أساس مستويات التحصيل، لأن دور المدرسة يكمن في تعليم الجميع، كما يتوجب على الأونروا كذلك أن تعتمد معايير سليمة، لدى تقويمها عمل  المدارس، مغايرة لمعيار عدد الناجحين والراسبين كما هو الحال الآن. باختصار، يتوجب على مدير المدرسة أن يعتبر نفسه مديراً لمشروع، وليس موظفاً، الأمر الذي يعني تسخير كل ما يتوافر لديه من موارد وقدرات لإنجاح مشروعه. وسيؤدي تواصل مدير المدرسة مع المجتمع الفلسطيني، وبناء جسور الثقة معه، بالضرورة إلى تسهيل عمله، إذ إن المجتمع الفلسطيني يزخر بالطاقات التي تساعد – في حال توظيفها بالشكل المطلوب - في تسهيل عمل المدرسة وتحقيق أهدافها.                                                               

 

[1] - منطقة السكة في مخيم عين الحلوة هي من العشوائيات السكنية الفقيرة  التي نشأت أثناء حصار مخيمات اللاجئين الفسطينيين في الجنوب وبيروت ما بين العامين 1987 و 1990.

[2]- مستشفى الهمشري بإدارة جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني ويقع على طريق بلدة المية ومية، وهو غير بعيد عن المخيم.

[3] - كانت الأونروا تصنف أبناء الفلسطينية من أب غير فلسطيني في خانة "غير فلسطيني فئة NP"  وكان يقتضي تسجيلهم في مدارس الأونروا الحصول على موافقة المدير العام، وانتهى العمل بهذا النظام لاحقاً باعتبار أبناء الفلسطينية لاجئين بغض النظر عن جنسية الأب.

[4] - في كل عام دراسي، يقوم مدير مدرسة الأونروا بإيداع قوائم بأسماء طلابها لمكتب وزارة التربية في المنطقة ، ليصار إلى تدقيقها من قبل الموظف المختص في الوزارة والتأكد من عدم مخالفة القوانين المرعية في تسجيل الطلاب.

[5] - لابد من التنويه بالمساعدة التي كان يقدمها كل من السيد نقولا أندراوس  والسيدة وداد أندراوس "رحمهما الله"، وكانا من موظفي وزارة التربية في صيدا ولطالما عملا على تذليل الصعاب وتسهيل عملية إدراج الأطفال الفلسطينيين في قوائم وزارة التربية.

[6] - آذن المدرسة: موظف يقوم بمهام الحارس وعامل التنظيفات وعامل الصيانة في آن واحد، ويؤدي مهام أخرى بناء على طلب مدير المدرسة.

[7] - الصف يدل على مرحلة تعليمية، وقد يتألف من  شعبة واحدة أو أكثر من شعبة بحسب عدد الطلاب.

عن المؤلف: 

زياد محمد كعوش: مدير مدرسة الناقورة الابتدائية للبنات في مخيم عين الحلوة ما بين عامَي 1994 و 2008.

اقرأ المزيد