mdf-fulltex

مجلد 30

2019

ص 194
فسحة
نواعير الذاكرة: قصتي البكر.. روايتي البكر
النص الكامل

 

 

 

في عام 1949 التحقت مع أخويّ اللذين يكبراني بمدرسة جنين الابتدائية التي كانت تبعد عن قريتنا حوالي 5 كم، حيث كنا نقطع المسافة مشياً على الأقدام كل صباح، لنعود في المساء. وقبل أن أكمل عامي الدراسي، انسحب الجيش العراقي من قرية مقيبلة ومن منطقة جنين كلها تنفيذاً لأوامر القيادة العربية العليا، لتسليمها مع باقي منطقة المثلث للعصابات الصهيونية، وبموجب اتفاقية رودوس للهدنة عام 1949. وفي حفل الوداع الذي خرج إليه أهل جنين كلها والقرى المجاورة، وحضره كل تلاميذ مدرسة جنين وأساتذتها، قال أحد الضباط، لا أذكر اسمه، في قصيدة طويلة أسماها "قبور الخالدي"، نسبة لمقبرة شهداء الجيش العراقي بالقرب من قباطية:

مرج ابن عامر ضرّجتْه دماؤنا                    أيكون ملكاً لليهود مهانا

وبالفعل هكذا أصبح بعد أسابيع قليلة، وكانت أول مرة أذوق طعم الإهانة الحقيقية والذل، إذ كان يقتضي على الأهالي رفع الأعلام البيضاء فوق سطوح المنازل في استقبال حشود العدو المتقدمة.. لم تكن العملية تسليماً، بل كانت سقوطاً بكل معنى الكلمة.. كانت استسلاماً. بكى والدي، فبكيت معه.

احتل جنود الاحتلال مدرسة القرية وحوّلوها إلى موقع عسكري، إذ كانت قبل الاحتلال مدرسة مشتركة لقرى مقيبلة وصندلة والجَلَمَة المتجاورة، فأصبحت تقع على الحد الفاصل الذي وصلت إليه القوات الإسرائيلية بالقرب من قرية الجَلَمَة التي يشملها الاحتلال، فارتفع علم "إسرائيل" وغاب علم فلسطين.

في السنتين الأوليين التحقت بكُتّاب افتتحه شيخ أزهري كان لاجئاً من قرية الحرم (سيدنا علي) اسمه الشيخ نعيم في أحد البيوت المهجورة.. وكان الكثير من أهل القرية ممّن رفضوا البقاء تحت الاحتلال الإسرائيلي قد رحلوا عن بيوتهم على أمل العودة. وبقيت في هذا الكُتّاب إلى أن افتتحت سلطات الاحتلال مدرسة ابتدائية رسمية مشتركة مع قرية صندلة في بناء لأحد الإقطاعيين من جنين كان يتوسط القريتين، اسمه أبو سنان "التتر". وكان هذا البناء جزءاً من قرية زراعية بناها أبو سنان في مواجهة القرى الزراعية اليهودية في غور بيسان.

كان لهاتين السنتين اللتين قضيتهما في هذا الكُتّاب الأثر الكبير على حياتي الأدبية في المستقبل وشغفي باللغة العربية – التي كادت أن تكون المادة الوحيدة التي كان يدرّسنا إياها هذا الشيخ الوطني الجليل بالإضافة إلى مادة الدين، وبخاصة القرآن الكريم، إذ لم تنتهِ السنة الأولى إلاّ وكنت أحفظ القرآن كاملاً عن ظهر قلب.. وكان هذا قد وقع من جدي سليمان الموقع الذي يريده، إذ فاجأني ذات يوم وأنا ألعب "البنانير" أمام ساحة المسجد، فأمسكني من ذراعي وأدخلني المسجد ثم أجبرني على الوضوء وأصعدني أمامه إلى قبة المسجد وأمرني أن أرفع الآذان.. وكان من الطبيعي أن يسوقني بعد ذلك للصلاة.. وهكذا أصبحت مؤذن القرية، بل وأحد المتعبدين الورعين لعدة سنوات بعد ذلك.

لقد بدأت الكتابة أول ما بدأت كأمر مألوف عندي، وكنت حينها في الثالثة عشرة من عمري، وكان من الطبيعي أن أبدأها هكذا ودون أن يخطر على بال أي كان أن ما كتبته سيسمى فيما بعد قصة، وأنني سأصبح كاتباً في يوم ما، الأمر الذي لا يزال حتى الآن يثير اندهاشي، فقد كنت حين كتبت أول قصة قد احتللت ومنذ أكثر من سنتين "تصدّر" الدواوين في القرية كأهم راوية للحكايات التي كنت قد اكتسبتها عن عجائز القرية في مجلس جدتي، وأهم راوية لسيرة الزير سالم وأبو زيد الهلالي وسيف بن ذي يزن مصحوباً بالربابة، والتي كنت قد أخذتها عن مجالس الرجال في ليالي الشتاء القارسة حول الموقد وإيقاع المهباش.. والتي منحتني بعض الكتب الصفراء المهترئة التي كان يحتفظ بها عم والدي جدي سليمان الداود إمام القرية، معرفة أكثر من غيري بها، وحفاظاً لها لما تتخلله من منظوم الشعر.

كنت آنذاك في الصف السابع، ودخل علينا الأستاذ سمير ورور.. أستاذ اللغة العربية وهو من مدينة الناصرة، وكان يسكن في القرية كباقي المدرسين الذين أوفدتهم دائرة المعارف للتدريس في مدرسة القرية، حيث كانوا يمكثون طيلة الأسبوع، ثم يسافرون كل إلى بلده يومَي السبت والأحد، ثم يعودون يوم الاثنين صباحاً. ولعدم وجود أي من وسائل النقل المباشر إلى القرية، كان يتحتم عليهم المشي على الأقدام حتى مستعمرة "يزراعيئل" التي بُنيت بالقرب من أنقاض قرية زرعين على بعد سبعة كيلومترات، لكي يتمكنوا من ركوب الحافلة، وعند العودة كان عليهم أن يستقلوا الحافلة حتى هذه النقطة ثم يأتون إلى القرية مشياً على الأقدام.

ويبدو أن الأستاذ سمير كان متعباً ذلك اليوم الذي صادف يوم عودته من مدينة الناصرة، فطلب إلينا أن نكتب موضوع إنشاء من دون أن يحدد الموضوع قائلاً إننا نستطيع أن نكتب في أي موضوع نشاء، وإنه ليس لزاماً علينا تسليمه في آخر الحصة، بل نستطيع أن نحضره في الغد.

وكنت في العادة أحب هذه المادة جداً، فلم أفكر كثيراً فيما سأكتبه، بل وجدتها الفرصة المناسبة لأن أكتب في أحد المواضيع والأحداث التي عايشتها أعوام الحرب. وقد كان اختفاء ثريا المجنونة حين رحلنا عن القرية أحد المواضيع التي شغلت فكري وأرقتني كثيراً حين افتقدها الناس ولم يجدوها بين جموع النازحين، لأنني كنت أحبها كثيراً، ومنذ طفولتي المبكرة حين كانت والدتي تأتي بنا في عطلة الصيف، فتعلقت بها برغم ما كان يقال عن جنونها.. فارعة الطول كانت كما السروة، مريمية الوجه عذراويته، لوّحته شمس الدروب التي كانت تجوبها، والعينان سوداوان واسعتان يسكن حدقتيهما الذهول الشارد خلف البعيد دائماً.. صدرها ناهد والشعر ذيل أصيلة دهماء ضمّخته بالزيت فينساب على ظهرها وكتفيها وصدرها من تحت حطتها الخمرية الموشاة بالقصب خفراً، حافية القدمين نافرة الخطى دائماً، مهاة خبرت سهام القناصة فمشت حذراً بجرّتها إلى بئرها في أسفل حاكورتنا.. نظرت إليّ وهي تمر.. ابتسمت ببله، وتابعت خطاها.. تجمدت في مكاني وتعلقت بخطوها عيناي فوقفت أرقبها.. كانت خرزة البئر الحديدية مغلقة وتعلوها طبقة من الطين الجاف.. كسرت الطين وأبعدته عن الباب الحديدي.. فتحته.. أنزلت دلوها الذي كان تحمله بيدها، نشلت به ماء.. ملأت جرتها ثم نشلت دلواً آخر، أوقفته جانباً وأغلقت باب البئر. جمعت بيديها تراباً جافاً، صبت الماء فوقه جبلته وطيّنت خرزة البئر، ثم غسلت يديها وجففتهما بطرف ثوبها.. تلفتت.. أذهلها وقوفي.. نفرت مفزوعة وهي تحمل جرتها كما لو كنت صياداً يفاجئها.. خطت قليلاً ثم توقفت قبالتي، تهلل وجهها فجأة، تموجت عيناها وافتر ثغرها عن بسمة غمرتني بالفرح كما لو كانت تهديني غزالاً. ابتسمت لها، أفلتت الجرة ثابتة فوق رأسها ومدت يديها وهمست تناديني، ترددت، وأنا أقترب منها وعيناي تتعلقان بعينيها. أنزلت الجرة عن رأسها وركعت ومدت إليّ يديها تضمني وهي تهمس بصوت أبحّ: "حبيبي.. ما أجملك." لامست شفتاها اللمياوان خدي.. قبلتني.. امتدت إليّ يد جدتي التي رُوّعت، فأسرعت إليّ تنتزعني من بين ذراعيها.. ارتدّت ثريا إلى الخلف مكسورة الجناح.. رمقت جدتي بنظرة عاتبة، ثم حملت جرتها ومشت.. فتراكض نحوها الأطفال يتبعونها وهو يتصايحون: "ثريا المجنونة.. حطت ذهبها بالجونة.. أجو الحراميه بالليل.. ما خلو ولا قونة.." أنّبتني جدتي، وأخبرتني أنها ثريا المجنونة، وأمرتني بأن لا أقترب منها مرة أُخرى، لأنها قد تؤذيني فهي لا تعي ما تفعل، وربما رمتني بالبئر وأغلقت عليّ بابه بالطين، فأفلتّ من يدَي جدتي وجريت بكل قوتي لأرتمي في حضن أمي وأنا أجهش بالبكاء وأصرخ أنني أريد "ثريا المجنونة".. ولم أتوقف عن البكاء حتى أخذتني أمي إلى بيت أخ ثريا الذي كانت تعيش معه على بعد أمتار من بيتنا.. وهكذا أصبحت الطفل الوحيد في القرية الذي يجرؤ على الاقتراب من ثريا ويدعها تداعبه.. بل وأصبحت ثريا كثيراً ما تحوم حول البيت حتى تراني، أو تتوسل إلى والدتي أن تدعها تداعبني.

أمّا قصة جنون ثريا كما عرفت فيما بعد، هي أنه في إحدى ليالي كانون العاصفة، نقب اللصوص جدار بيت أهل ثريا ودخلوا، وصادف أن كانت ثريا تنام تحت الفتحة التي فتحها اللصوص في جدار البيت، فصحت ثريا من نومها فاتحة عينيها لترى اللصوص يقفزون فوق بطنها، وما إن حاولت الصراخ حتى وضع أحدهم سكينة في نحرها يهددها بالقتل، وظل هكذا حتى انتهوا من سرقتهم، وكان من بين ما سرقوه صيغتها التي كانت قد ورثتها عن أمها والتي كانت تضعها في قفة صغيرة أخفتها تحت عتبة البيت... وما إن تركها اللصوص حتى كانت قد فقدت عقلها لهول ما أصابها، ومنهم مَن يقول إنها قد اغتُصبت في تلك الليلة، وقد تركز جنونها حول هذه النقطة بالذات، فلا تراها إلاّ وهي تجبل الطين وتكسو جدران بينها، حتى قن الدجاج كانت تغلق فتحته بالطين كل ليلة، وكذلك حرزة البئر بعد كل مرة تنقل الماء منه.

وحين فرّ أهالي قرية مقيبلة أمام العصابات الصهيونية المتقدمة نحو القرية بعد سقوط زرعين وإحراقها، افتقدها أخوها في الطريق فلم يجدها، فراح يبحث عنها بين جموع النازحين إلاّ إنه لم يعثر لها على أثر. وقد ظل أخوها يبحث عنها طيلة فترة الهجرة إلى أن حررت القوات العراقية القرية ودحرت العصابات الصهيونية منها فأوقف بحثه عنها.

يئس الجميع من العثور عليها واعتبروها في عداد الأموات.. إلاّ إنني كنت الوحيد الذي لم ييأس ولم يفقد الأمل في أن تكون ثريا حية ترزق في مكان ما. وظل اختفاؤها يلاحقني وأنا أتخيلها تارة تائهة في الجبال والضباع تنهش لحمها وهي تصدّها عنها، وتارة وهي تتسول في إحدى القرى المنتشرة فوق الجبال، وأُخرى واليهود يأسرونها ويعذبونها. إلاّ إن هذا الأمل ما لبث أن تبدد بعد عودتنا بعدة شهور، وشاءت الأقدار أن أكون أنا أول مَن عثر عليها.

كان ذلك صبيحة أحد أيام كانون، ولم يمر على عودتنا إلى القرية المحررة سوى شهرين تقريباً. كان الجو بارداً، والريح المحملة بالرذاذ الناعم تعصف منذ الليل، والغمام الداكن الطافح بالغيث يتلبد فوق الجبال في الغرب، وينذر بمساء ماطر، وفي الشرق فوق جبال جلعاد بعض من غمام رمادي يوشح وجه الشمس المتأرجحة بشاله الزاخر بالألوان الندية فوق الغور.. وكنت غيمة حالمة تنزله فوقه. انطلقت أسوق عنزات لنا قليلة وجديانها نحو التلال الوعرية في اتجاه قوس قزح، وتسربلت بمعطف لي قديم خلف صخرة أتقي بها ريح الغرب الباردة، تاركاً للكلب "سمور" مهمة الرعي وحمايتي من ذئب قد يطلع عليّ أو ضبع قد عضهما الجوع إن أنا غفوت بدفء معطفي الثقيل. ويبدو أنني كنت قد غفوت فعلاً، إلاّ إنني سرعان ما صحوت على نباح سمور فجأة، فنهضت مذعوراً، وإذا بالكلب سمور يحاول جاهداً وهو يتراكض حول العنزات المتدافعة نحو كرم الزيتون الممتد عند أسفل الوعرة ولكن دون جدوى، فحملت عصاي واندفعت أجري خلفها لأردها عن زيتون سيدي الشيخ موسى المثقل بحمله، والدهشة تأخذني وأنا أراها تعاف أغصان الزيتون المتدلية، وتتزاحم حول واحة خضراء عند أطراف الكرم، وسمور قد كف عن النباح وراح يتشمم الواحة حتى خلت في البدء جدياً من الجديان يرعى مع العنزات. كورت يدي حول فمي أنفّرها، وبالأُخرى رفعت عصايَ أهشّ بها، فتوقفت يدي وتقطّع النفير حين تفرقت العنزات عن واحة من القمح تطلع من ثنايا ثوب مورد ومهلهل.. وشعر ذيل أصيلة دهماء ضُمخ بالزيت فانساب على صدر الأرض من تحت حطة خمرية موشاة بالقصب..

كوتني الفجيعة فصرخت بأعلى صوتي "سريا"، ورحت أركض في الدروب الوعرة نحو القرية وأنا لا أزال أجوح بصوتي المكتوي بالخوف والفجيعة.. سريا.. سريا.. وسمور يسوق العنزات خلفي، والرعيان الصغار يهرعون من كل صوب نحوي..

كان الجوع قد عض ثريا بعد أن ظلت في القرية المهجورة وحدها ونفد ما لديها من طحين، فراحت تطحن القمح في البداية بالجاروشة، لأن أخاها قال أنه عندما عاد وجد آثار طحين على الجاروشة.. ويبدو أن ثريا سمعت ذات صباح طرقات بابور الطحين المتقطعة، التي كان يصدرها العدو قبل احتلال القرية، وهي طريقة كانت قد ابتدعتها العصابات الصهيونية، بالإضافة إلى وسائل أُخرى مثل الآذان في القرى المحتلة، لتوهم النازحين عنها أنهم قد رحلوا، وأن بعض الأهالي قد عادوا فعلاً، وهذا ما حدث لـ "ثريا" على ما يبدو، فوضعت قمحاً بكيس على رأسها، واتجهت نحو قرية صندلة التي لا تبعد أكثر من 2 كم عن القرية لتطحن القمح، فقتلها اليهود في الطريق. ويبدو أنهم قد روعوها قبل قتلها، فاندفعت تحتمي بجذوع الزيتون قبل أن يمزق الرصاص جسدها.

لقد لازمني ذلك المشهد بعد ذلك ليل نهار – ولا يزال حتى الآن – بل وكنت قد سقطت بالحمى بعد ذلك لمدة أسبوعين وأنا أهذي.. وحين كنت أسمع أصواتاً في الليل أنهض مذعوراً معتقداً أن هذا الصوت ما هو إلاّ نواح روح ثريا التي تطلب الثأر، تاركاً لخيالي أن يرسم ألف شكل وشكل لقتلها. وأكثر ما كان يزيد في فجيعتي وأنا أتخيلهم يغتصبونها قبل أن يصوبوا الرصاص إلى جبينها ومفرقها بدم بارد بعد أن تناوبوا عليها.. حتى وصل بي الحال أن أطوق عنقي بحجاب كتبه لي سيدي الشيخ سليمان الرواد، وإن كان هو نفسه لا يؤمن بذلك.

وهكذا كانت هذه قصتي الأولى التي أكتبها موضوعاً للإنشاء، إلاّ إنني أضفت إليها بأن روح "ثريا" ظلت تستصرخ الناس في الليل لكي يثأروا لها، فابتدعت لها قصة حب مع أحد شباب القرية، قبل جنونها. ولأنها كانت مسيحية أعطيته اسم عيسى الذي ظل يتعذب لأنه اضطر أن ينكث بحبه ووعده لها بالزواج بعد جنونها وما حيك من قصص حول اغتصاب اللصوص لها تلك الليلة التي نقبوا عليها الدار. وممّا كان يزيد في عذابه أنه لم يتعرف على هؤلاء اللصوص لكي ينتقم لها، وها هو الآن يتعذب لقتلها مرة أُخرى، فلم يعد يستطيع تحمّل روحها في الليالي المعتمة، فأخرج بندقية كان يخبئها في قنطرة العقد، واندفع في الليل في اتجاه مواقع العصابات اليهودية للانتقام لها، كي يستعيد سلام روحه.

أعاد الأستاذ سمير ورور مواضيع الإنشاء في اليوم التالي، لجميع التلاميذ إلاّ موضوعي، قائلاً بأنه لم يصحَّح بعد، طالباً إليّ أن أخبر والدي بأنه سيزورنا في المساء، وسيحضر موضوع الإنشاء معه بهذه المناسبة مصححاً.

كان الاعتقاد السائد في السنوات الأولى للاحتلال أن معظم المعلمين الذي ترسلهم دائرة المعارف إلى المدارس في القرى، ما هم إلّا عملاء للحاكم العسكري، وإلاّ لما كانوا وظفوه. ولهذا فقد خفت ذلك اليوم، واعتقدت أن الأستاذ ليس آتياً لزيارتنا إلاّ لكي يحذّر والدي من مغبة هكذا كلام أكتبه، فما إن رأيته يتجه نحو بيتنا في المساء حتى حاولت الهرب من وجهه، والذهاب إلى جدتي حتى ينهي زيارته، إلاّ إنه لمحني من بعيد فوقف وناداني وظل ينتظرني حتى وصلت، فأخذني من يدي ورافقني إلى البيت حيث كان والدي في استقباله.. وحين استفسره والدي عمّا كنت قد فعلته متهيئاً لمعاقبتي، قال وهو يضع يده على رأسي تحبباً بأني قد كتبت موضوع إنشاء رائعاً، وأن له ولداً سيصبح كاتباً.. ولذا فهو يعفيني من موضوع الإنشاء على أن أقدّم له في كل مرة قصة مثل هذه القصة التي كتبتها. وكانت هذه أول مرة أسمع بكلمة "كاتب"، إذ إن الكلمة الشائعة كانت "أديب".

وفي الأسبوع التالي كان الأستاذ سمير ورور يهديني مجموعة كتب جبران خليل جبران وكتاب ميخائيل نعيمة عن جبران طالباً مني قراءتها وتلخيصها، فاتحاً أمامي أبواب عالم لم أكن أعرف أنني سأدخله يوماً لأكتوي بنار عذابه الجميل.

وشاءت الأقدار أن يأتينا في السنة التالية، أي في السنة الابتدائية النهائية "الصف الثامن"، أستاذ من قرية "عارة" يدعى عبد الله يونس. وكان هذا الأستاذ وسيماً ضحوكاً ظريفاً دائم الذهول بجمال كل ما حوله إلى حد أن أهل القرية كانوا يعتقدون أن به مسّاً من "هبل"، فلقبوه بـ "أبي نجم"، أي أن "نجمه خفيف"، وهو التعبير السائد عن هذا الصنف من الناس، وقد تبعه هذا اللقب إلى مقيبلة فكان يُعرف بعبد الله أبو نجم.

كان عبد الله أبو نجم مولعاً بالشعر ولعاً لم أره على أحد، ولم أدرس الشعر على أحد بعد ذلك وأتمتع به كما درسته على هذا الأستاذ، فأصابني من مسّه ما ألهاني عن القصة، فحفظت على يديه المعلقات السبع وعشرات القصائد من روائع الشعر العربي قديمه وحديثه. ولأنه كان يحب الشبابة كثيراً، ولأنني كنت في ذلك الحين عازف شبابة ماهراً أيضاً، فقد أولاني اهتماماً خاصاً، زاده أن جدي سليمان الداود منحه غرفة في داره يسكنها. وذات يوم أطلعنا على ديوان شعر هزيل بعنوان "ورد وقتاد" لشاعر من إعبلّين اسمه نجيب خليل. وكان هذا أول ديوان شعر أسمع به لشاعر مع فتاة جميلة جداً من نفس القرية اسمها "بديعة" ينافسه على حبها كاتب من نفس القرية، ولهذا جاء هذا الديوان عبارة عن قصائد حب فيها، ثم طلب منّا أن نأتيه كل واحد بنصف ليرة لكي يشتريه لنا. وفي هذه المناسبة انتقل يروي لنا قصة حب شاعر آخر لا يزال طالباً في المدرسة الثانوية في مدينة الناصرة من قرية مصمص اسمه راشد حسين قد تدلّه هو الآخر بفتاة من الناصرة من عائلة عريقة، وأنه هو الآخر يتنافس على حبها مع شاعر آخر لم يشأ ذكر اسمه شارحاً لنا كيف أن الحب يفجر ينابيع الشعر والفن، ويرقى بالإنسان إلى أسمى درجات الرقي.. وكانت هذه هي المرة الأولى التي يحدثنا فيها معلم عن الحب بمثل هذه الصراحة والبساطة وعدم الكلفة، رغم أنهم كانوا يتحدثون عن الحب العذري والتشبب وما إلى ذلك.. والمهم في الأمر أنه أسرّ إليّ بعد ذلك بأنه، هو نفسه، الشاعر الآخر الذي ينافس راشد حسين على حب تلك الفتاة، وأطلعني على عديد القصائد التي كان قد نشرها تحت اسم "أبو نجم" فقط.. ثم راح يشجعني على كتابة الشعر، وأنه سيعمل على نشر ما أكتبه إذا ما استطعت نظم قصيدة جيدة. وهذا ما كان في اليوم التالي.. فقد وضعت أمامي قصيدة "لأبي تمام"، وكنت أعشقه، ونظمت قصيدة من البحر الطويل مطلعها إن لم تخني الذاكرة:

سلام عليك كلما طار طائر                وغرّد عصفور وهبّ نسيمُ

وأعطيته إياها.. وقد فاجئني بعد أسبوع بأن جاءني بجريدة "اليوم" وهي جريدة الحزب الحاكم "مباي" وفيها قصيدتي وتحمل اسمي، والتي ظلت يتيمة بعد ذلك.. ولكنها تركت لي في القرية فضيحتين، فضيحتي الأولى أنني نشرت قصيدة في صحيفة تابعة لحزب الحاكم العسكري، والثاني أني ولد "هامل" داير على قصص الحب. والغريب في الأمر أنني أقمت على ممارسة هذه "العادة السيئة" [أي كتابة الشعر] لسنوات طويلة بعدها، دون أن أجرؤ على نشر قصيدة واحدة منها.

وتشاء الصدف أن أتعرّف على راشد حسين رحمه الله بعد أسبوع واحد فقط من ذِكر الأستاذ عبد الله له، وعن قرب، فقد زرت يومها أخي الأكبر غازي التي كان في سنته الثانوية الأخيرة في الناصرة.. وكنت أعرف أنه يسكن مع طالب آخر دون أن أعرف ما اسمه، فعرّفني أخي على زميله في الغرفة قائلاً: وهذا راشد حسين من مصمص، فسألته والدهشة تكاد تعقد لساني ما إذا كان هو الشاعر الذي يحب تلك الفتاة ذاكراً له اسمها، فردّ ببساطة الأطفال مستغرباً من أين عرفت ذلك.

ثم عاد إلى الكتابة، فرحت أنظر إليه وأنا فخور بأنني تعرفت عليه، وكنت واثقاً أنه يجلس ويكتب قصيدة، فاقتربت منه محاولاً التلصص على ما يكتبه، ولكنني لم أستطع قراءة حرف واحد ممّا يكتب، إذ إنني لم أكن قد رأيت حتى ذلك الوقت أسوأ من خطه، حتى ولا بين تلاميذ السنة الأولى في الابتدائي، وقد بقيت صورة خطه عالقة في ذهني حتى يومنا هذا، حتى أصبح أي خط سيىء أراه يقترن بالشعر. أمّا هو فكان كما قال فيه محمود درويش فيما بعد يرثيه:

 

       وطويلاً كنشيد ساحلي وحزين

       ابن فلاحين من ضلع فلسطين

       جنوبي

       فاتح الصوت

       كبير القدمين

       واسع الكف، فقير كفراشة

       أسمر حتى التداعي

       وعريض المنكبين

       وبسيط في المقاهي واللغة

       لم يأخذ من الألفاظ إلاّ أبسط الألفاظ

       سهلاً كان كالماء

       بسيطاً كعشاء الفقراء

 

التفت إليّ مبتسماً ثم سألني ما إذا كنت أحب الشعر، فأجبته بأنني أكتبه، بل ونشرت قصيدة. وضع القلم من يده قائلاً بمرح بأنني أنا إذاً الذي نشر قصيدة في جريدة "اليوم"، ففرحت وأجبته بإعجاب في نفسي كبير. ثم تابع السؤال ما إذا كنت أطمح بأن أكون شاعراً، فأجبته بالإيجاب بحماس. قرّبني إليه وربت على خدي قائلاً: "إذن، لا تسرق شعر غيرك عندما تكتب.. اِقرأ الشعر كثيراً يا توفيق، واكتب كثيراً، ولكن إياك أن تنشر أي شيء قبل أن أراه أنا.. على الأقل كي لا تنشر في جريدة 'اليوم' ".. ثم رفع مجلة هزيلة أمامه تحمل عنوان "المجتمع" وقال: "بل في هذه المجلة".. ثم أخبرني بأن له أخاً اسمه أحمد بنفس عمري ونفس صفي يكتب الشعر أيضاً..

وافترقنا.. ولكننا التقينا بعدها.. والتقينا.. والتقينا.. وكان ذلك درساً لم أنسه.

بعد تخرجي من الثانوية عام 1958، عدت إلى القرية لأعمل بفلاحة الأرض التي كنت أعشقها منذ طفولتي إلى حد الموت، والتي لم أنقطع عنها طيلة الأربع سنوات لدراستي الثانوية، إذ كانت أقصى مدة أغيب عنها لا تتجاوز الشهر بالإضافة إلى العطل، وكانت هذه الفترة زمن سبي ومصادرة وفق قانون جديد لسلب الأراضي، اقترحه الجنرال موشيه ديان حين كان وزيراً للزراعة. وكنت كلما اقتطع العدو عضواً منها أخشى على ما تبقّى وأتشبث به أكثر.. وكان القلق والخوف يسيطران على كل بيت في القرية، ولا حديث لهم إلاّ أرض مَن ستكون في الغد، فكتبت قصة "الفرس" وسارعت إلى نشرها في مجلة "الجديد" متحرراً من الخوف الذي كان يكبلني عن النشر، ثم بدأت بعدها بغزارة ودون انقطاع، راجعاً إلى القصص التي كتبتها في سن الطفولة المبكرة لأكتشف ما كان فيّ من مواهب طبيعية قبل أن أفكر في كيفية تطويرها معتمداً على الناس البسطاء العاديين، حيث رأيت فيهم مزرعتي الغنية المعطاء ككاتب. لقد رأيت في الفلاح البسيط فردية مباغتة وتنوعاً لامحدوداً كعين ماء لا تغيض. وكنت أنشر هذه القصص في مجلتَي "الجديد" التابعة للحزب الشيوعي، و"الفجر" الذي كان يرأس تحريرها راشد حسين، إلاّ إن معظم قصصي التي كنت أكتبها في البداية لم تنل حظها من النشر لتجاوزها الخط الذي كان يمكن لمجلة مثل "الجديد" أو "الفجر" أن تقف عنده. ولكن لم يطل بي المقام هذه المرة، إذ اجتاح مرج ابن عامر في السنتين التاليتين قحط رهيب، ممّا اضطرني إلى هجرة القرية لأعمل في شتى الأعمال السوداء في مختلف مدن الأرض المحتلة، إلى أن استقر بي الرحيل في مدينة تل أبيب التي كانت تعج بالعمال الفلسطينيين، وكان الشاعر راشد حسين يعيش في تل أبيب في هذه الفترة حيث مقر المجلة، فساعدني على إيجاد عمل بعد تسكع دام أكثر من عشرة أيام في مطعم صغير تديره زوجة أحد أصدقائه من العاملين في الصحافة، وحصلت على كوخ خشبي صغير يأويني كان يُستعمل لحفظ أدوات الحديقة في بيت ربة المطعم. واضطررت للبقاء للعمل في هذه المدينة القاتلة رغم ما اعتراني من ضيق إلى حد الاختناق، ولسوء طالعي أنني كنت قد مررت، خلال تسكعي في اليوم الأول والثاني من وصولي إلى تل أبيب بحثاً عن العمل، بإحدى دور العرض، فلفت انتباهي اليافطة المعلقة على بابها تعلن عن عرض "أوبرا عايدة" لفيردي، وبالطبع لم أكن قد رأيت أوبرا في حياتي. ورغم ما أملكه من نقود قليلة في جيبي، إلاّ إنني لم أستطع مقاومة ذلك الإغراء الكاسح في مشاهدة هذا النوع من الفن، خاصة وأن ذِكر هذه الأوبرا قد مرّ بي أثناء دراستي الثانوية لعلاقتها باحتكار قناة السويس، فوضعت حقيبة ملابسي في الأمانات واشتريت تذكرة دخول كلفتني بعدها أربعة أيام من الجوع القاتل الذي كان يجبرني في بعض الأحيان على دخول أي مطعم طالباً إليهم أن يشغلوني بقيمة وجبة متواضعة، ولكنني مع ذلك كنت لا أزال في حالة الانبهار والذهول اللذين لازماني بعد مشاهدة هذه الأبروا التي فتحت أمامي شهية مشاهدة أية أوبرا تُعرض بعد ذلك. ولم يطل بي المقام حتى أصابني بالنسبة للمسرح ما أصابني بالنسبة للأوبرا حين مررت أمام المسرح القومي في تل أبيب، "هابيما"، ورأيت الإعلان عن مسرحية "عطيل"، فاكتمل الإغراء لديّ بعدما كنت قد سمعته من مسرحيات في البرنامج الثاني من القاهرة، بالكتابة للمسرح، إلاّ إن عدم وجود مسرح أعرض فيه ما أكتب أفقدني حماسي لهذا النوع من الكتابة، وعدت لكتابة القصة. وصدف أن كتبت قصة في هذا الكوخ الحقير أسميتها "القيثار المهشوم" ونشرتها في مجلة "الفجر"، وأثارت عليّ حفيظة أستاذنا الراحل إميل توما، وكان يكتب أيامها تحت اسم "ابن خلدون"، فحمل عليّ أيّما حملة، رغم أنها كانت تعالج قضية الجوع والتمزق النفسي في هذا العالم الصاخب، وهما ما كنت أعيشهما تلك الفترة التي كتبت فيها القصة، متهماً إياي بأنني غير واقعي، وأنني أكتب عن عالم غير موجود إلاّ في خيالي. وقد تضايقت لهذه القسوة التي تناول فيها إميل توما هذه القصة، إلاّ إنني في نفس الوقت شعرت بارتياح شديد واعتزاز في النفس أن يتصدى لما أكتبه شخصية مرموقة مثل "إميل توما".

كانت تل أبيب في تلك الفترة تزخر بحياة أدبية وفنية يهودية فوارة على كل المستويات، وكان يقع بالقرب من المطعم الحقير الذي أعمل فيه في شارع ديزنكوف مقصف مطعم شكّل لشهرته ملتقى البوهيميا الإسرائيلية في تل أبيب من ألمع الأسماء السياسية والأدبية والفنية والصحفية، اسمه "كاسيت"، ويعود تاريخه إلى تاريخ الأكواخ الاستيطانية الأولى لتل أبيب فوق الرمال، ولهذا لم يكن يحمل أية يافطة تدل على اسمه، وكان يفتح أبوابه من الساعة العاشرة صباحاً إلى ساعات الصباح المبكرة.

في هذا المطعم كنت ألتقي بعد أن أترك عملي في الساعة الثانية عشرة ليلاً الشاعر راشد حسين الذي كان يعمل مديراً لتحرير مجلة "الفجر"، والصحافي اللامع عطا الله منصور من قرية الجش في الجليل الأعلى، والذي كان يعمل مراسلاً لجريدة "هآرتس" المستقلة، ثم أصبح كاتباً فيما بعد، وكانا يتمتعان بحضور بارز في الشارع الأدبي الإسرائيلي في مدينة تل أبيب وعلاقة متينة مع أبرز وجوهه، فتعرفت بواسطتهما على ألمع الأسماء الفنية والأدبية والصحافية، وقررت الانتقال للعمل في هذا المقصف المطعم، حيث تعرفت عن قرب إلى أبرز الشعراء والكتّاب وممثلي المسرح اليهود، مثل شاعر البلاط كما كانوا يسمونه نتان الكرمان، ومحاليم غوري، ورطوش رطوش. أمّا أقربهم إليّ فكان الشاعر الشيوعي الكبير ألكسندر بن الذي توطدت علاقتي به كثيراً، حيث كان يقف إلى جانب المقصف عدة ساعات يشرب خمرته السيئة التي تسمى أولدزيم، والشاعرة دالية رابينوفيتش.. ومن الكتّاب عاموس عوز، ومردخاي طبيب اليمني الأصل، وإبراهيم موسى العراقي الذي كان يكتب القصة القصيرة باللغة العربية في بداياته، والتي كان ينشرها في مجلة "الجديد" الشيوعية، ومن ثم جريدة "المرصاد" التابعة لحزب "مبام" وهي اختصار لحزب العمال الموحد اليساري الاتجاه، وكذلك الممثلة الكبيرة حنا روبينا، وابنتها هيلينا روبينا ابنة الشاعر ألكسندر بن روبينا اشروف، وبعض الفنانين التشكيليين مثل الرسامة تسيلا بندر عشيقة الشاعر نتان الكرمان، وكثيرين غيرهم.. ومن الصحافيين أبرزهم في ذلك الوقت أوري أفنيري صاحب مجلة "هعولام هزيه" ("هذا العالم")، الذي انبرى للدفاع عني حين طُردت من عملي في مقصف ومطعم كاسيت، بعد أن اشتبكت مع أحد الزبائن المهمين، دافيد ترجمان، متعهد الحفلات والمهرجانات والذي كان يرافق الفنانة الألمانية المعروفة مارلين ديتريش، وذلك لشتمه العرب ونعتي بـ "العربي القذر".. وقد فتحت معرفتي بالمبدعين شهيتي على قراءتهم والتعرف على الحركة الأدبية والفنية في كل مجالاتها، وبخاصة المسرح الذي أصبحت من رواده الدائمين.. والذي تعرفت من خلاله على أهم الأعمال المسرحية العالمية، وبالطبع كانت اللغة العربية هي وسيلتي لمتابعة هذه الأعمال كما في الرواية والقصة.. والغريب في الأمر أنني، كما الكتّاب والشعراء الآخرين في الأرض المحتلة، لم نتأثر بما كنا نقرأه لهؤلاء الكتّاب والشعراء، وإن كانت أعمالهم تحرك كل ما يكمن فينا من إحساس بالظلم والاضطهاد وتزييف الحقائق والتاريخ، فترجمتُه أعمالاً قصصية وشعرية مناهضة ومقاومة لهذا الأدب للحفاظ على هويتنا الفلسطينية. وربما كان عداؤنا للغة العبرية، التي تعرّفنا من خلالها على الأدب العبري المعادي للعرب والفلسطينيين، هو أحد الأسباب المهمة في عدم تأثر الكتّاب والشعراء الفلسطينيين بالكتّاب اليهود، وإن كان من بينهم كتّاب كان لقامتهم الأدبية أكبر الأثر في النهوض بالأدب العبري الحديث الذي ساهم مساهمة فعالة في تأسيس وبناء الدولة العبرية اليهودية.. كما كان من بينهم مَن اتسمت أعماله بنوع من رفض سياسة النفي مع الفلسطينيين، والتصدي لعمليات التقتيل والترحيل والمجازر التي كانت ترتكبها العصابات الصهيونية ضد العرب عام 1948، الذين تميزت أعمالهم بالاتجاه الوجودي، مثل الكاتب يزهار سميلانسكي، وإن كان أبوه شلومو سميلانسكي من غلاة الكتّاب الصهيونيين.. والذي كنت قد عرفته عام 1954 حيث كنت أعمل في كروم العنب التابعة له في منطقة حوبوت، والتي كانت في معظمها قد تركها العرب المهجرون من قرى زرنوقة والقبيبة وعاقر ويبنة.. والتي عرفتها جيداً وتجولت في أزقتها وبين بيوتها التي كانت لا تزال قائمة كما تركها أهلها ليحل محلهم مستوطنون قادمون من اليمن ومن العراق بشكل خاص، ومن أوروبا الشرقية، فيستولون على أرضهم وكرومهم وبياراتهم.. والتي كانت لا تزال تحمل رائحة عرقهم.

وقد ترك مشهد هذه القرى المهجورة والمستلبة أكبر الأثر عليّ ككاتب شاهد على ما خلّفته النكبة عام 1948.. وما طبعه من حدة ونزق وقلق على أسلوبي في الكتابة ومفرداتي اللغوية المستخدمة. وقد زاده حدة ما تملّكني من سأم من الحياة في مدينة تل أبيب الصاخبة، وضيقي بالإهانات والاعتداءات العنصرية اليومية للعمال العرب المنتشرين في هذه المدينة، بالإضافة إلى ذلك الشعور بالغربة والضياع في هذا المجتمع المدني من ناحية، والذي كنت قد خبرته أثناء دراستي الثانوية في مدينة الناصرة وأنا القروي الآتي إلى المدينة من تلك القرية النائية المعزولة، بالإضافة إلى مجتمع عدو تكوّن ونشأ ونما على أنقاض الشعب الفلسطيني.. فهجرت مدينة تل أبيب وأضواءها ومغريات الحياة الصاخبة فيها، وعدت إلى قريتي مقيبلة لأجلس هذه المرة وأعكف على كتابة روايتي الأولى "المشوهون" واضعاً فيها تجربتي الحياتية كتلميذ ريفي في مدينة الناصرة، والتي أصدرتها عام 1963 على حسابي الخاص بعد أن تكرمت مطبعة الاتحاد التابعة للحزب الشيوعي بطباعتها على أن أسدد التكاليف بالتقسيط.. ورغم أنني طبعت منها أربعة آلاف نسخة، وهو رقم لا يستهان به في الأرض المحتلة في ذلك الوقت، إلاّ إنها نفدت بعد شهرين من صدورها، ولكنها أفقرتني لسنتين بعدها بل أكثر، إذ لم يكن هناك مكتبات في مدن الأرض المحتلة مخصصة لبيع الكتب، ناهيك عن أن عدد العرب الذين بقوا على أرضهم لم يكن ليتجاوز الأربعمائة ألف.. فلجأت إلى نفس الوسيلة التي لجأ إليها مَن سبقني بنشر أعمالهم الأدبية، ومنهم الشعراء خاصة، حيث كنا نحن الطلاب في المدرسة الثانوية نقوم بمهمة بيعها لجمهور الطلبة أو عامة الناس في الشارع، والتي كثيراً ما كان المشتري لا يسدد ثمنها فيما بعد، وكنت أنا من بين المتبرعين للقيام بهذه المهمة وتوزيع ما كان الشاعر راشد حسين قد أعطاني من ديوانه "صواريخ" الذي كان أصدره عام 1957 على ما أذكر، وأعترف أني كدت أبكي حين لم أستطع جمع أكثر من ثمن ربع الكتب التي بعتها للطلاب.. وحين سلمت الشاعر راشد حسين ما استطعت جمعه.. سألني فرحاً ما إذا كنت قد قمت بتوزيع كل ما أعطاني من نسخ، وحين أجبته بالإيجاب ضحك قائلاً: "لا تحزن يا توفيق.. فمَن لم يقدر على دفع ثمن هذا الديوان.. فإنه سيقلل من أكله لتوفير ثمن ديواني المقبل.. المهم أن يقرأني الناس وإن كنت سأجوع أنا.." وهذا ما كان قد حصل معي حين أصدرت روايتي "المشوهون"، والتي لم أسترد من تكاليفها ما يساوي قسطاً واحداً من أجرة المطبعة.. والغريب في الأمر أني كنت قد شعرت بنفس السعادة التي غمرت راشد حسين، وإن كانت سعادة مشوبة بالحزن والألم والغضب لرفض المجتمع الفلسطيني في الأرض المحتلة لهذه الرواية، وإن كان قد أقبل على قراءتها بنهم بالغ واهتمام كبير.. وما قاله راشد حسين في حينه : "نفرح لإصدار ما نكتبه وما نوزعه"، كان درساً آخر لي لم أنسه ولن أنساه..

لقد كشفت لي هذه التجربة الروائية البكر في حياتي، مدى المعاناة الإبداعية التي يمر بها الكاتب في عملية الكتابة بشكل عام. ولأنني كنت قد تمرست بكتابة القصة القصيرة، لم يكن يخطر ببالي كتابة الرواية في البدء، بل خططت لكتابة عدة قصص قصيرة أُفرغ فيها التجربة التي كنت قد مررت بها في مدينة الناصرة بكل جوانبها العاطفية والاجتماعية والسياسية، ويربطها خيط واحد بحيث تكون كل قصة منها برزخاً لقصة أُخرى. وكنت قد وضعت عنواناً كبيراً لهذه القصص التي كنت أنوي كتابتها وهو "الخريف الدائم".. منتهجاً الأسلوب السردي ذاته الذي كنت أستخدمه في كتابة القصة القصيرة.. إلاّ إنني فوجئت بأنني أسترسل في الكتابة إلى ما يشبه القصة المطولة أو ما يشبه العمل الروائي. أغوتني فكرة أنني بصدد كتابة رواية، وكان لهذه الكلمة سحرها الجارف على خوض التجربة فيها، لولا الرهبة التي كانت تتملكني كلما حاولت اقتحامها.. فتجاهلت ما أنا مسترسل في كتابته.. كما لو كنت أغافله.. أو أخادعه.. ومع ذلك استرسلت حتى بلغ ما كتبته في حينه حوالي 300 صفحة من القطع الكبير كانت أشبه ما تكون بسيرة ذاتية لقرية فلسطينية صغيرة ومعزولة وجدت نفسها بين ليلة وضحاها ترزح تحت حكم الاحتلال الإسرائيلي، فيحملها بطل روايتي بكل بساطتها وعفويتها معه حين ارتحل إلى مدينة الناصرة لكي يكمل تعليمه الثانوي فيها، حيث ظلّت تلازمه وتسيّره، في خضم تجربته الجديدة في مدينة الناصرة التي كانت تزخر بالحياة الثقافية والسياسية والاجتماعية.. فتأخذه الدهشة والإحساس بالغربة، ويغرق في صراع نفسي وعاطفي مع المتغيرات من حوله وما تعكسه على سلوكه وحياته كمثال للمئات من الشباب الفلسطيني ممّن تركوا قراهم ليكملوا تعليمهم الثانوي، حيث لم يكن من وسيلة في ذلك الوقت في هذه القرى غير الناصرة أو غيرها من المدن مثل حيفا وكفر ياسيف.

وحين انتهيت من كتابة ما كنت أعكف عليه، وخيل إليّ أنني قد وصلت إلى نهايته، وضعته جانباً، وأنا أشعر بالخوف والرهبة لما أنجزته، دون أن أستطيع تحديد هويته.. ولكنني اقتنعت أخيراً وبعد قراءة ما كتبت عدة مرات أن ما أنجزته لا بد وأن يكون رواية، رغم أنني كنت قد جزأتها إلى فصول أقرب ما تكون إلى قصص صغيرة متتالية الأحداث.. إلاّ إنني نفرت من الأسلوب السردي الذي انتهجته، بعد أن أحسست بأنه لا يعبّر عن سلوكيات شخصياتي المتوترة القلقة والغاضبة والثائرة نوعاً ما على كل شيء.. فعمدت إلى إعادة كتابتها من جديد مع تكثيف فقراتها واختصار جملها وحدّة مفرداتها لكي تتلاءم وطبيعة شخصيات الرواية وسلوكياتهم المتأتية عن طبيعة نفسياتهم القلقة والسوداوية الممزقة والمتوترة دوماً.. حتى جاءت إلى ما هي عليه بعد أن غيرت عنوانها أيضاً من "الخريف الدائم" إلى "المشوهون".

ولم أكن أتخيل أن هذه الرواية ستثير عند صدورها ما أثارته من ضجة ساخطة عليها وعلى شخصياتها، وبالتالي عليّ أنا شخصياً، ولم أكن أتوقع حدة الرفض الذي ستجابَه به، وإن كنت أعرف أنني تعرضت لبعض المقدسات في الأعراف الفلسطينية، ناهيك عن التعرض لمدينة الناصرة التي كانت بمثابة البقرة المقدسة للفلسطينيين في الأرض المحتلة عام 1948 لما تمثله من رمز للبقاء والمقاومة، ومركز للأنشطة السياسية والثقافية والاقتصادية، حيث تناولت في هذه الرواية حياة الشبيبة في فلسطين المحتلة، وما خلّفه هذا التغيير بل الانقلاب في نمط عيش وهموم الفلسطينيين والارتباك في شخصيتهم تحت الحكم الإسرائيلي، وذلك من خلال أبطالها الذين هم في غالبيتهم من الطلاب الثانويين في مدارس مدينة الناصرة، وخاصة منها المدرسة الثانوية البلدية.. وكانت الشبيبة الفلسطينية في تلك السنوات تمر بحالة إحباطات قاتلة، للتقلبات السياسية في الوطن العربي بعدما شهدته من مد ثوري سرعان ما انحسر وأُجهض بالانقلابات والهزائم العسكرية المتتالية، ونتيجة للسياسة العنصرية القمعية التي كانت تمارسها سلطات الاحتلال ضد خريجي المدارس الثانوية، وإغلاق باب الأعمال والوظائف وتصاريح السفر في وجوههم عملاً بشعار مستشار رئيس الحكومة الإسرائيلية دافيد بن – غوريون آنذاك للشؤون العربية أوري لوباني القائل: "إذا كنا نريد أن نسيطر على العرب في إسرائيل، لا بد أن نجعل منهم حطابين وسقاء ماء"، ممّا أدى إلى تسكع المئات من خريجي الثانويات العاطلين عن العمل، والذين لا يستطيعون سواء من الناحية المادية أو نتيجة للسياسة العنصرية من متابعة تحصيلهم العالي في الجامعة العبرية التي لم يتجاوز عدد الطلاب الفلسطينيين فيها العشرات منهم آنذاك.

وكانت هذه الرواية هي أول رواية في الأرض المحتلة تحدد مسرح أحداثها، وتتناول نقد المجتمع الفلسطيني من داخله وسلبياته، بمثل تلك الجرأة التي اتسمت بها روايتي، ممّا أثار عليّ حملة شعواء استمرت لعدة شهور، في مختلف الصحف والمجلات الصادرة باللغة العربية، والتابعة للحزب الحاكم مباي مثل جريدة "اليوم" و"حقيقة الأمر"، وكذلك جريدة "المرصاد" وإن كانت بأخف حدة. أمّا صحف الحزب الشيوعي مثل جريدة "الاتحاد" ومجلتَي "الغد" و"الجديد" فقد كان لحملتها، وإن كانت قاسية، بعض التحفظات البنّاءة، ومنها غير البنّاءة، بالإضافة إلى الندوات الأدبية التي كانت تُعقد لمحاكمتها وتجريمها أكثر من أن تكون لمناقشتها، فكانت الندوة التي نظمتها مجلة "الغد" التابعة للشبيبة الشيوعية، والتي كان يترأس تحريرها جورج طوبي، في قاعة الحزب في مدينة الناصرة نفسها، بإشراف الشاعر سالم جبران وهو الوحيد بين الشعراء والكتّاب ممّن كان لهم الجرأة للوقوف في مواجهة هذه الحملة وإن كان على حياء.. أمّا سميح القاسم ومحمود درويش فقد تنكّرا لها تماماً، بل ولي.. والتزما الصمت الكامل تجاهها وتجاه ما كان يُكتب عنها كي لا يصيبهما ضرر من الهجمة البشعة عليها، رغم أنهما كانا متحمسين لنشرها جداً، حين أطلعتهما عليها قبل نشرها للوقوف على رأيهما بها. وكان سميح قد أرّخ لتلك الليلة بصورة لنا نحن الثلاثة في بيته في ساحة المناطير وأنا أقرأ لهما روايتي، التقطها لنا على ما أذكر نبيه القاسم ابن عم سميح الذي أصبح الآن من أهم النقاد على الساحة الأدبية في الأرض المحتلة.. وهما اللذان توسطا لي عند مطبعة الحزب لتطبعها لي بالدين. وقد شعرت حينها بأنهما قد خاناني وخذلاني.. ولا تزال مرارة تلك "الخيانة" تلازمني وبعد كل تلك السنين الطويلة.. وإن كان هذا الموقف لم يؤثر على علاقتنا الحميمة وصداقتنا العميقة وتلازمنا لسنوات عديدة بعدها..

أمّا الندوة الثانية التي لم تقلّ عن ندوة "الغد" شراسة وعداء، فقد نظمها المركز الثقافي "بيت الكرمة" في حيفا، والتي شارك فيها معظم الكتّاب والشعراء والمثقفين في حينه، وكان صديقي الكاتب فرج نور سلمان هو الذي قاد الحملة الشعواء ضد الرواية وضدي شخصياً متعمداً إهانتي، وكانت هذه أول مرة أجد فيها نفسي أحمل عليه، فأسكتّه بقسوة متناهية، وحملت عليه وعلى كل منتقدي الرواية بهجمة مضادة أفرغت فيها كل ما في داخلي من غضب على زيف مجتمعنا وجبنه ونفاقه في مواجهة صورته الحقيقية. وما لم أقله في الرواية استدركته في هذه الهجمة، والتي كانت حديث الصحف كلها في اليوم التالي، ممّا زاد الطين بلّة في مواصلة الهجوم عليّ شخصياً هذه المرة وعلى روايتي..

لقد كان هذا أول عمل روائي يثير مثل هذا الجدل الأدبي في الأرض المحتلة، وخاصة لمضمون الرواية التي عرضت السلبيات في مجتمعنا العربي بشكل حاد وصريح، وخاصة منه المجتمع المدني، بينما عمدت إلى الرمز بالنسبة لسياسة القمع والاضطهاد والنفي، ممّا جعل نقدي لهذه السلبيات يطغى على جو الرواية، وخاصة ما تعلق بالحياة العاطفية والجنسية في مدينة الناصرة مسرح هذه الرواية. وقد وصل الأمر إلى حد الاعتداء المعنوي المنفلت من عقاله والمتّسم بالسوقية عليّ وعلى روايتي، والنبرة الحاراتية والعائلية، بالإضافة إلى التهديد بالاعتداء الجسدي..

أمّا روايتي فقد مُنعت في المدرسة الثانوية البلدية وهي مسرح الرواية، وفي المدارس الثانوية الأُخرى، إذ كان من ألدّ أعدائها أولئك المعلمون في المدرسة الثانوية البلدية، الذين قاموا بحملة مضادة لتعريضي بهم، وتعرّضي لهم بالنقد، وخاصة مدرّسي الآداب والتاريخ، باستثناء الأستاذ المربي الجليل حنا إبراهيم الذي كان يتصدى لهذه الحملة عليّ.. أمّا أستاذ اللغة الإنكليزية وآدابها المتمرد الأستاذ جمال سكران الذي غرس فيّ حبي لكتابة القصة القصيرة، ومن ثم الطموح إلى كتابة الرواية بتدريسه لنا رواية "جين إير"، وكذلك رواية "أنظر إلى الوراء بغضب" للكاتب جون سبورن، والذي كان مفتوناً بها، وفتنتني في حينه.. فكتب يقول: "لا تخشَ أحداً أيها الكاتب الشاب الغاضب.. ولا تُعِر أياً ممّن يعتبرون أنفسهم نقاداً أي اهتمام.. بل اتبع قناعاتك وأهواءك وقلبك فهي التي حتماً تقود خطاك فيما تكتب إلى ما هو حقيقي وعظيم.. اِقرأ يا تلميذي العزيز والمتميز كثيراً كثيراً.. واكتب قليلاً قليلاً.. ولتكن الرواية الإنكليزية هي جليسك.. ولتكن معلمك".. ثم كتب بالإنكليزية: "go ahead my son and don’t stop.. جمال سكران."

وكأن معلمي الجليل كان قد خشي عليّ، بل واستشعر بأن هذه الحملة عليّ وعلى روايتي كانت كافية أن تفقدني ثقتي بنفسي، والحؤول دون متابعتي للكتابة، وهذا بالفعل ما كان يراودني، فجاءت هذه الرسالة لتنتشلني من هوة الإحباط والشعور بالفشل، بالإضافة إلى قيام بعض المثقفين، وخاصة المحامي محمد ميعاري من رابطة خريجي الجامعة العبرية وبعض الشعراء والكتّاب منهم فوزي جريس عبد الله، وفتحي فوراني، وسالم جبران بالدفاع عني وعن روايتي، داقّين ناقوس ما تمثله هذه الحملة الشعواء الظالمة من خطر على حرية التعبير وكمّ أفواه المبدعين الوطنيين من قول كلمتهم، وإن كانت تتعرض كما في هذه الرواية للسلبيات الكامنة في عمق مجتمعنا ما دامت تسعى لتحصينه وحمايته وشد أزره في مواجهة سلطات الاحتلال وطغيان تأثير المجتمع الإسرائيلي اليهودي الذي يهدد هويته وشخصيته، وصولاً إلى طمسها وإلغائها.. وكان من أبرز المدافعين عنها آنذاك الشاعران راشد حسين الذي كتب مقالاً حولها باللغتين العربية والعبرية أحدهما في جريدة "المرصاد" وفي مجلة "الفجر"، والثانية في مجلة "هعولام هزيه" تحت عنوان: "ليس بالأسبرين وحده نُعالَج من أمراضنا"، وهي جملة مقتبسة من الرواية.. وكذلك الشاعر سالم جبران الذي راح يتصدى للهجوم عليها في مجلة "الغد" التي كان يحررها.. والذي كتب فيها: "صدق توفيق فياض: نحن مشوهون." وكان يشير بذلك إلى عنوان الرواية، وإلى ذلك الإهداء الذي قدمت به روايتي "إلى المشوهين.. كلنا مشوهون"، وهذا الإهداء هو الذي كان البوابة الواسعة للهجوم عليّ وعلى هذه الرواية.. وهو الذي أثار حفيظة ناقدنا الجليل إميل توما.. هذا إلى اتهامي بالسرقة الأدبية، وأنني اقتبست أسلوب الروائي إرنست همنغواي في كتابتي للرواية، والغريب في الأمر أنني لم أكن قد قرأت لهمنغواي في هذه المرحلة أي عمل روائي..

لقد منحني هذا الرفض لأبطال روايتي السلبيين في غالبهم، إيماناً عميقاً بالشخصية الفلسطينية تحت الاحتلال وفي كنف الدولة الإسرائيلية ومجتمعها، إذ إني كنت قد رأيت فيه رفضاً للسلب واللامبالاة واليأس في مجتمعنا، كما وعمّق إيماني بالكلمة الحرة وتأثيرها، وفتح عيني على مدى المسؤولية الملقاة على عاتقنا نحن الكتّاب في الأرض المحتلة، وضرورة الالتحام بقضايا الشعب والالتزام الفكري والنضالي.

أمّا من الناحية الفنية والأدبية فإنني لا أدري حتى الآن فعلاً، ماذا تشكل هذه الرواية في مسار الحركة الأدبية في الأرض المحتلة، نظراً لغياب النقد الأدبي شبه التام في نفس المرحلة ولمدة طويلة بعدها. ولكنها كانت حدثاً أدبياً لا شك أنه أثّر على نمو الكتابة الروائية وتوجهها ومحاولة النهوض بها. والغريب في الأمر أن يعود بعض النقاد والكتّاب في الأرض المحتلة للكتابة حول هذه الرواية، والدفاع عنها بعد أكثر من عشرين عاماً على صدورها مثل الشاعر سالم جبران والناقد الدكتور نبيه القاسم الذي كتب يقول في كتابه عن القصة والرواية في الأرض المحتلة من بين ما قاله: "يمتاز الأستاذ توفيق فياض عن غيره من كتّاب القصة عندنا، أنه كان الوحيد الذي يثير خلفه عاصفة من النقاشات الحادة والخلافات الشديدة والنقد المؤيد والجارح إثر كل عمل أدبي يصدره، وقد أثارت هذه الرواية إثر صدورها ردود فعل عنيفة، منها المشجعة ومنها المنتقدة الجارحة، خاصة وأن الكاتب كان حاداً في تصوير علاقته مع محبوبته، وحاداً في رسم الصور والكلمات.. لكن الذي أراه أن توفيق فياض في روايته 'المشوهون'، كان شجاعاً ورائداً للرواية الطويلة المحلية عندنا رغم ما تفتقر إليه هذه الرواية البكر في مقومات الرواية الأصلية والناصحة.. وفي هذا حسبه."

 

 

* مقاطع من الفصل الأول من مذكرات الروائي الفلسطيني توفيق فياض الذي خصّ به "مجلة الدراسات الفلسطينية".