mdf-fulltex

مجلد 30

2019

ص 46
محور (انتفاضة المخيمات)
غسلتُ عَلَمي
النص الكامل

 

تظاهرة لبنانية – فلسطينية في صيدا.

 

منذ فترة طويلة لا يخلُ معصمي من ربطتين. لا أذكر صدقاً متى قررت أن أربطهما وأن أختصر الإجابة عن جذوري الأصلية، فأنا، وإن لم تعرّف عني ربطة يدي، تستطيع السلسلة التي كُتب عليها "بين عكا وبيروت" أن تكشف هويتي. وإذا صعُب على البعض التعرف على جذوري، فإن حرفَين يجتمعان ليكوّنا كلمة "آه" كإجابة بلهجة فلسطينية بـ "نعم" تصدح من حنجرتي بكل حزم وثقة، يدلان على أصلي.

لم أختر أن أكون ابنة هذا الشعب العظيم، إلاّ إنني، وإن كنت يوماً أريد أن أشكر الله على نِعمة ما، فأنا لن أشكره على شيء أكثر من كوني فلسطينية. لكن يمكنني أن أكون أكثر صراحة ووضوحاً، إذ لا أريد أن أقول شكراً على كوني لاجئة وفي لبنان تحديداً.

الموضوع معقد للغاية ويصعّب عليّ الشرح، لأنني أعاني هذه الأيام أوجاعاً تكاد تجعلني أكفر بإنسانيتي لا بهويتي فقط، فوالله لو بتّ بلا بيت ولا مأوى، فإن قلبي، بل حتى لساني، لا يستطيعان أن ينطقا بكلمة تعبّر عن امتعاضي ممّا نتكبّده من معاناة لأننا فقط "فلسطينيون".

مكبرات الصوت تصدح في صيدا الآن، تدعو إلى تظاهرات حاشدة. وهناك على بعد كيلومترات قليلة تقع عاصمة الشتات، مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين. انقضى حتى الآن أحد عشر يوماً على الإضراب تنديداً بقرار وزير العمل الجديد، وهو قرار ليس بجديد لأنه موجود أصلاً منذ تسعة أعوام، لكن معالي الوزير قرر أن يطبّق القانون، فأصبحنا نقول: "عندما وصلنا صيدا في العصر صرنا أجانب"، بدلاً من ترديد قول الشهيد غسان كنفاني: "عندما وصلنا صيدا في العصر صرنا لاجئين."

ولِمَ لا؟ أنا العشرينية التي ولدت وكبرت فوق أرض بيروت، أحبّ المدن إلى قلبي، أُصبح غريبة وأجنبية عنها. لكنني بكل صدق، اكتشفت بعد كل ما يحدث اليوم، أن لقب لاجئة أفضل كثيراً من جميع الصفات التي يمكن أن ينعتوني بها. على الأقل أستطيع أن أطالب بحقي في العودة، وأعلم أن وجودي هنا وجود موقت.

غسلت عَلَمي الفلسطيني الكبير، بعد أن مرّ وقت طويل على آخر مرة أخرجته فيها معي من البيت، وعلّقته على حبل الغسيل وليس في نيّتي شيء. صباحاً عندما توجهت إلى عملي، اكتشفت ما لم يكن موجوداً يوماً: أعلام فلسطين منتشرة في أحياء صيدا كلها، وكثيرون هنا علّقوا الأعلام على حبل الغسيل، كي يثبتوا هوية هذا البيت. أعجبتني الفكرة وقررت أن يبقى العلم على حبل الغسيل لفترة لا أعلم مدتها.

الجميع في المخيم ينتظر أن يجتمع الناس كي يبدأوا بالهتاف، ويعلو الصوت منادياً أبناء المخيم لينضمّوا إلى التظاهرة السلمية. كنت أحدّث نفسي وأنا في طريقي إلى العمل: هل سيكون اليوم هو آخر يوم لي هناك؟ هل سأحتاج إلى إجازة عمل كي أزاول مهنتي؟ التساؤلات تنخر رأسي. وبحركة لا إرادية أضع يدي اليمنى على معصمي الأيسر، أعدل الربطة ليطمئن قلبي، ثم أحرك نظري نحوها، وأردد بصوت عالٍ بعضاً من نشيد "موطني"، كي تسمعها كل خلية فيّ.. "الشباب لن يكلّ".

دائماً ما تلحق أمي بي إلى التظاهرات خوفاً عليّ، ربّما، أو لحاجتها هي أيضاً إلى الصراخ والتعبير عن رفضها لجميع ما يحدث، وأنا أعلم ذلك من نظراتها وارتباكها وقلقها عندما أحمل كوفيتي وأمضي. ولعل أكثر ما يطمئنها اليوم أنني موجودة في مقر عملي، وأنني أمضي وقتي كله في العمل لا في الاعتصامات. قبل يومين، عدت إلى البيت ولم أجدها.. أخذَت أمي كوفيتي وذهبت لتهتف عني وتطالب بحقي في العمل.