mdf-fulltex

مجلد 30

2019

ص 44
محور (انتفاضة المخيمات)
اللاجئون يُمسكون بقرارهم
النص الكامل

 

طفل ووالده في تظاهرة في مخيم نهر البارد.

 

أعاد الحراك الذي شهدته المخيمات والتجمعات الفلسطينية في لبنان احتجاجاً على قرارات وزير العمل، جمهور اللاجئين إلى دورهم الحقيقي، فارضاً موقعهم في اتخاذ القرارات.

قبل هذه الانتفاضة، كانت تحكم الشباب في المخيمات مشاعر التسليم بعدم قدرة أهالي المخيمات أو الشعب الفلسطيني على مجابهة المخططات المعادية للقضية الفلسطينية، فضلاً عن الافتقار إلى الإحساس بقوة الجماعة الناتج من القهر المتزايد من الوضع الحالي، والخوف الدائم من الرضوخ للواقع عوضاً عن مجابهته، الأمر الذي ولّد عند فئة لا يستهان بها من الناس شعوراً بالاضطهاد اليومي إزاء الحد الأدنى من حقوق الإنسان، لجهة إتاحة فرص العمل، وحرية التنقل بما فيها حرية السفر، وليس آخرها حرية شراء منزل أو امتلاك عقار.

في هذه المرحلة، وبعد انفجار الوضع في المخيمات، والأشكال التي اتخذها هذا الحراك، تكشَّف لنا ما يعتمل في بنية مجتمع اللجوء الفلسطيني من تقلبات وشعور جماعي بانسداد الأفق أمام تطلعات هذا الشعب وطنياً وسياسياً ومعيشياً، كما سمح لنا بمعرفة المآزق والتناقضات التي أفرزتها الأعوام الماضية حيال الفشل في إدارة ملف اللجوء الفلسطيني في لبنان.

رأيت في داخل هذه الحشود كياناً جماعياً جديداً يتشكل، ونواة شبابية نشطة تتبلور بمرونة من دون تأثيرات خارجية، وأن هذه النواة التي أفرزتها المرحلة الراهنة استطاعت تحويل الجماهير من كتلة جامدة إلى قوة مشارِكة في إعادة توزيع موازين القوى والحق في تقرير المصير والتعبير عن آمالها وتطلعاتها.

لقد استطاع التحرك تحقيق مجموعة من المسائل:

1 - تحصين المجموعات الشبابية الفاعلة من الداخل رفضاً لأي خروقات (لوحظ توحيد عدة أطر شبابية تحت إطار واحد بالتزامن مع التحركات في المخيمات).

2 - تذويب الهوية الحزبية والفصائلية في المصلحة الوطنية، وبروز الهوية الوطنية (التشديد على رفع العلم الفلسطيني فقط خلال التظاهرات والاعتصامات).

3 - حضور الموروث الشعبي الفلسطيني في الهتافات بشكل لافت (الأغاني الفلسطينية؛ حضور الدحّية على مكبرات الصوت في التحركات؛ مبادرات فردية للمشاركة بالثوب الفلسطيني خلال التحركات).

4 - التركيز على إلغاء الجغرافيا والديموغرافيا من الوعي الجماعي عبر التنسيق مع ناشطين في فلسطين المحتلة لإقامة تحركات تضامنية (حدث ذلك في القدس وغزة، وتجسّد بوقفة في رام الله)، علاوة على التأكيد أن المخيمات كلها مخيم واحد، وقد برز ذلك خلال تأبين أهالي مخيم نهر البارد للشهيد حسن علاء الدين (الخميني) الذي اغتيل في عين الحلوة في أثناء الحراك الشعبي.

لقد عاد ملف اللجوء إلى الصدارة، والفلسطينيون أعادوا تنشيط حركتهم الجماعية، وانتفض الناس على الواقع عبر استعادة المدن والقرى التي هُجّروا منها، من خلال الأغاني التراثية.

العيش بكرامة هو حقنا، وهذا هو الهدف الأكبر لحراك المخيمات، وعلى مَن يعمل بالشأن العام أن يعيد قراءة الواقع الفلسطيني في لبنان بالمنطق والعقل لا بالخلفية السياسية، وأن محاولة تحسين هذا الواقع أفضل من الاصطدام به.