mdf-fulltex

مجلد 30

2019

ص 35
محور (انتفاضة المخيمات)
أبو الدامور تظاهر طلباً للحقوق.. ومات
النص الكامل

 اعتصام في برج البراجنة احتجاجاً على حملة وزارة العمل.

 

... لا شيء لدينا، لا شيء معنا، فلمَ لا نقاوم؟

نظرنا إلى بعضنا البعض كأن الكلمة ما زالت تحمل ثقلاً قديماً نعرفه. الجميع أجبر نفسه على فعل شيء ما. منّا مَن "تكمّش" بالسيجارة، ومنّا مَن افترش الأرض لينام قليلاً، ومنّا مَن جلس يبحث في الكتب عن حل للمأزق الذي وُضعنا فيه جميعاً.

وحده أبو الدامور ظل يتنفس ببطء كلمة "مقاومة" التي يعرفها هذا الرجل جيداً. فهو واجه، وبحسب قوله، جميع المخططات لـ "القضاء علينا". كشف عن صدره في معارك حصار المخيم صارخاً بالناس: "عليّ وعلى أعدائي..."، وحمل الجثث في أيام مجزرة صبرا وشاتيلا وصرخ قائلاً: "عليّ وعلى أعدائي"، وعندما رحل الجميع من لبنان، اختار البقاء. ظل مؤمناً بأننا بخير، وعلينا وعلى أعدائنا. أبو الدامور لُقّب بهذا الاسم، نظراً إلى طلبه يومها تحويل الدامور إلى مخيم بعدما أذهله الشجر والهدوء في تلك المنطقة، وتمنى لو أن المخيم يمسي مثل الدامور أخضر. ثم لم يمنع نفسه من إرسال طلب إلى منظمة الأمم المتحدة لبناء مخيم في الدامور.

الجميع سخر من فكرته تلك.

أبو الدامور كان يرى أن المقاومة لا تموت، وأن الأبطال كُتب عليهم الولادة أكثر من مرة بأشكال متنوعة. لذلك، ظل وحده يؤمن بالمقاومة التي تحولت مع الوقت، في المخيم، إلى شعارات لا أكثر.

حرك أبو الدامور قدميه واستدار نحونا. لا أدري ما الذي التقطته عيناه. كنا صغاراً مقارنة بما عاشه، وصرخاته التي تكررت في مواقع الألم لم نتقنها يوماً. إنه يدرك أننا الآن نؤمن أكثر من أي وقت بكلمته: "عليّ وعلى أعدائي"... إذاً. ولمَ لا؟

وزّعنا أنفسنا بين مطالبين بالحراك ومطالبين بالغضب. وجلس بيننا أبو الدامور منصتاً. قلنا نقوم بمسيرات مدنية للمطالبة بحقوقنا لا أكثر. وحددنا المسيرات داخل المخيمات، وانتبهنا إلى ضرورة تضامن هذه المخيمات معاً.

وقمنا بإنشاء صفحة في الفايسبوك لنشر الفيديوهات والبيانات من هيئة الحراك السلمي الذي نجسده نحن.

وتحدثنا في ضرورة تجنّب حرق الدواليب لأن الرائحة ستعود إلى بيوتنا في المخيم.

وفكّرنا في صُنع لوغو مختص بتلك التحركات كلها، واتفقنا على أن نلتقي الجمعة المقبلة مع نتائج جديدة قد تصدر من وزير العمل.

ومضينا كل في طريقه. وعاد يومها أبو الدامور معنا إلى منزله الواقع في مخيم مار إلياس. ومشيت معه ليلتها طويلاً. لم نتحدث بشيء عميق يومها. لا أذكر إلاّ إننا ضحكنا من كل قلبنا على طرق حياتنا داخل المخيمات متجنبين الموت. يومها قال لي: "نحن نقفز مثل الجنادب من ميل لميل، ولك حتى الشمس إذا ما فاتت ع المخيم ما بتفرقش معنا، منعمل غيرها، إحنا شمس بعض."

أوصلته إلى منزله، وفي اللحظة الأخيرة وقبل توديعه، جرّني من يدي وقال: "انتبهي، كلهم باعونا من زمان، وهسّا أجا وقت التسليم. إسمعي، الوضع (سيىء)، والمخيمات خلص دورها ع الأرض، كلو متآمر علينا.. الدنيا كلها بأنظمتها. انتبهوا ع حالكم، هسّا بطّلت قصة مقاومة، هسّا صارت دفاع عن حقك بالوجود، يعني بالعربي المشبرح جابوا ممحاي كبيرة وبدهم يبلشوا يمحونا. إحنا شوكة بظهر إسرائيل والأنظمة العربية التانية. أنا بعرفش إذا بعد فيني حيْل، بس هاي أول مرة بخاف. والخوف بيعني أنو ما عادش في وقت... أكلونا بالتعميمات."

أدار العجوز ظهره، وسرت رعشة في قلبي: "أكلونا بالتعميمات..." خفت مثله، وعدت إلى منزلي؛ احتضنت ابني طويلاً، ووددت لو أختفي للحظات أنا وهو، لو نختفي كلنا في مخيم برج البراجنة.

وفي اليوم الثاني بدأنا بمسيراتنا، وكانت المسيرة الأولى التي تخرج من الحواري في المخيمات كلها. حشود من الناس تمشي باحثة عن مساحة ما داخل الحواري الضيقة والزواريب. فكّرنا في تحويل المسيرات كلها إلى الأسطح. وفعلاً، صعدت النسوة إلى السطوح، ووقفن صامتات ينظرن إلى السماء تارة، ويتأملن المدينة البعيدة تارة أُخرى، بينما يتصبب العرق من وجوههن. الرجال فرشوا جدران المخيم بكثير من البوسترات، و"التوكتوك" الذي يجوب أزقة المخيم حمل مكبرات الصوت التي تعلو منها أغاني الثورة. وعلى الرغم من تقطّع الصوت المستمر، فإننا رأينا مدى تأثير الموسيقى في الهتافات الصاعدة. كان مشهداً خرافياً. مخيم برج البراجنة يفك حصار نفسه بنفسه، ويعانق الرغبة الشديدة في التظاهر والصراخ والتجمع. إنها نقطة الثورة الآن. النساء من على الأسطح تماماً كمشهدهن في مخيم عين الحلوة قديماً، إنما هذه المرة من دون الجنود الإسرائيليين، ومن دون الزيت الذي كُنّ يصبُبْنه على هؤلاء الجنود لدى مرورهم بأزقّة عين الحلوة.

نساء برج البراجنة يقفن على الأسطح، ويتظاهرن بعيون تتسع للضوء؛ يزغردن من فوق، وعمتي ميسّر تصرخ قائلة: "... ألف كلمة إرهاب ولا كلمة الله يرحمو. يلا نطلع، يلا ع الطرقات."

علا الهتاف فجأة، ومشى الجميع متخطين حاجز الجيش اللبناني. تسمّر الحاجز أمامنا مردداً: "مجانين، إرجعوا." دفعنا الحواجز والأسلاك جانباً، ووصلنا إلى وسط الشارع. وقفنا واستدرنا شمالاً ويميناً.. "ماذا نفعل الآن؟" سأل صديقي. السيارات تحيط بنا من كل جنب، وأبواقها تعلو، والشرطي على الحاجز يصرخ ويهدد. كلنا متسمّر وعالق في وسط الطريق أمام مخيم برج البراجنة. أحد سائقي السيارات يصرخ ويهدد أيضاً: "إرجعوا على بيوتكم يا فئران"، لكن آخر يصيح: "معكم حتى الموت، تحيا فلسطين." شعرنا لوهلة بأننا كل فلسطين. نقف في وسط الشارع، السيارات تحيط بنا والمدينة بقدر ما تريدنا ترفضنا. يرن هاتفي، أجيب تحسباً لأي طارىء.. أسمع صوت امرأة. أجمد في مكاني، يختفي الصوت ويعود مكرراً: "أبو الدامور عطاكي عمرو، الجنازة بعد ساعة، تعالي."

لا أدري ما الذي حدث في داخلي، لكنني خفت. وبكيت. بكيت ضياعنا ومخيماتنا، وبراءتنا، وحقارتنا، وكل شيء. ووجدتني أصرخ بالجموع: "مات أبو الدامور يا أبو هلال، مات أبو الدامور يا أم يحيى... مات..."

بدأ الناس يرددون آيات من القرآن الكريم عن روحه ويدعون له بالرحمة. تركت الجميع وقررت الذهاب إلى جنازته، وبينما هممت بخطواتي الأولى، وجدت الجميع يمشي خلفي نحو الجنازة. برج البراجنة كله صغاراً وكباراً مشى مسيرة طويلة إلى مخيم مار إلياس لتشييع الرجل. فجأة هدأ كل شيء. أبواق السيارات، صراخ العسكري، كل شيء عاد إلى طبيعته بينما تمشي أقدامنا بهدوء إلى الجنازة.

في أثناء تشييعه وقفت على المنصة ولم أجد كلمة أُخرى لأعبّر عمّا يعتمل في نفسي في تلك اللحظة: "لماذا قال غسان إننا لم نطرق جدار الخزان... نحن هنا ونطرقه بكل قوة ولا أحد يريد سماعنا. نحن هنا داخل الخزان، وهم يريدون إغراقنا ونحاول جاهدين الصراخ كي نبقى في قيد الحياة لا أكثر. أبو الدامور الذي قال إن الحرية لا تأتي إليك، وإنما عليك أن تلتقطها وتضعها في يديك مراراً وتكراراً، لم يمت..."

لنحاول غداً أيضاً... لنحاول كل يوم... اليوم إلى جنازة أبو الدامور، وغداً نمشي حفاة إلى فلسطين...

هيا لنفتح الخزان بأيدينا إن لم يُرد أحد فتحه.

"بيهمش وإذا ما انفتح، بيطوف.."