mdf-fulltex

مجلد 30

2019

ص 216
الملف (فلسطين في مرايا الثقافة العربية)
الفلسطينيون والثورة المصرية: متهمون؛ مستثنون؛ مهمشون
النص الكامل

كانت القضية الفلسطينية ولا تزال درة الحالة الثورية في العالم العربي، وخصوصاً في مصر. فعلى مدار العقود الثلاثة الماضية، كانت التظاهرات المصرية للتضامن مع القضية الفلسطينية تمريناً أساسياً لاحتجاجات المصريين ضد السلطة وأجهزتها القمعية، وكانت حركة دعم الانتفاضة في نظر كثيرين هي الخطوة الأولى نحو انتفاضة المصريين في 25 كانون الثاني / يناير2011

بعد ثورات الربيع العربي في سنة 2011، وما شهدته المنطقة من صراع على السلطات بين القوى التقليدية الحاكمة وتيارات الإسلام السياسي في كل من مصر وتونس وسورية وليبيا واليمن، كان الفلسطينيون وقود تلك الحرب المستعرة التي يستخدمها كل من الطرفين لاستمالة جمهوره؛ بالتخوين تارة باعتبارهم مناصرين للتيارات الإسلامية فهم "خطر" على الأمن القومي، وطوراً بأن تحرير "القدس / فلسطين" هو الهدف الأسمى والغاية الأخيرة، ولذا وجب الجهاد ضد السلطة الغاشمة.

كان توزع الفلسطينيين في البلاد العربية، وشتاتهم في دول الطوق، واهتمامهم بالشأن العربي والثورات في تلك البلاد، سبباً في تنوع مواقفهم بين مَن انخرط في تلك الثورات، ومَن آزرها من دون اندماج، بل منهم مَن وقف ضدها واعتبرها ضمن مخطط "ضياع فلسطين".

لقد تأثر المجتمع الفلسطيني كثيراً بما يجري في جميع الدول المضيفة، بل تجاذبته ثورات الربيع العربي، فكان في كثير من الأحيان، كبش فداء لتحقيق أهداف الأطراف المتنازعة في تلك البلاد، وصار كـ "ذئب يوسف" متهماً بزعزعة استقرار البلاد، وبالقيام بالأعمال التخريبية والإرهابية. وكرست السلطات التقليدية صورة الفلسطيني / الإرهابي لدى جماهيرها من صاحب حق إلى متهم، لكن عن أي جمهور نتحدث، وأي فئة عمرية تغيرت صورة الفلسطيني لديها، وأي "فلسطين" تلك التي فقدت اهتمام الشعوب ودعمها لها؟

في مصر اتخذ الشباب الثوري موقفاً منذ كانون الثاني / يناير 2011 حتى قضية تيران وصنافير، تمثل في أن مواجهة المشروع الصهيوني هي جزء لا يتجزأ من مشروعهم الثوري، وترجموا هذا التوجه في سلسلة من التحركات والمواقف، منها التظاهرات التي اندلعت أمام السفارة الإسرائيلية في القاهرة في صيف سنة 2011 ضد العدوان الإسرائيلي على غزة، والتي استمرت ثلاثة أيام متتالية؛ كما تكررت التظاهرات المناهضة لإسرائيل بعد مقتل الجنود الخمسة في آب / أغسطس من السنة نفسها، الأمر الذي تسبب بتصعيد التظاهرات واقتحام السفارة في 9 أيلول / سبتمبر 2011، وأثار انزعاجاً أميركياً وإسرائيلياً شديداً، وضغوطاً على المجلس العسكري نتج منها إعلان حالة الطوارىء في اليوم التالي مباشرة بعد الاقتحام ولأول مرة بعد الثورة. كما أن مقتل 16 جندياً مصرياً على الحدود المصرية في رفح شمال سيناء في 6 آب / أغسطس 2012 كان بداية لزعزعة تيار الإخوان عن السلطة جرّاء تقاعسه. غير أن العدو الإسرائيلي ظل المسؤول الأول عمّا حدث للشباب الثوري، وتلا ذلك حملة سياسية شعبية مصرية ضد كامب ديفيد، طالبت بإلغاء أو تعديل المعاهدة وتحرير سيناء من القيود المفروضة عليها بموجبها، لكن الحملة لم تستمر طويلاً، وانتهت بتصريح ياسر علي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة في عهد الرئيس السابق محمد مرسي، بأن مصر لا تفكر الآن في تعديل المعاهدة، فضلاً عن عزوف المعارضة المصرية من ناحية أُخرى عن الاقتراب من هذه القضية.

حربان على قطاع غزة أظهرتا حضوراً طاغياً للقضية الفلسطينية لدى الشباب المصري الذي قام بثورته ولا يزال ضد الفساد والاستبداد السياسي، فقد سحبت مصر سفيرها من إسرائيل بعد ساعات من بداية العدوان الأول، وأغلقت السفارة الإسرائيلية، وانخفض المستوى الدبلوماسي الإسرائيلي في مصر حتى يومنا هذا. وتقاطرت عشرات الوفود المصرية وآلاف من الناشطين إلى غزة للدعم وفك الحصار وصولاً إلى حرب 2014 على غزة، والتي انقسم فيها الجمهور المصري نظراً إلى ما كرسه النظام الجديد وإعلامه عن "حماس" باعتبارها فرعاً للإخوان المسلمين، وتنظيماً يمارس الإرهاب. لكن الشباب الثوري المصري ظل عبر شبكات التواصل مناصراً وداعماً للقضية الفلسطينية والفلسطينيين واعتبار الكيان الإسرائيلي العدو الأساسي للوطن العربي، وهو ما تجلى بعد خطاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب في نهاية سنة 2017، والذي تناول فيه وضع القدس وقرار نقل السفارة الأميركية إليها.

وعلى الرغم من التحليلات واستطلاعات الرأي التي تؤكد غياب فلسطين عن الثورات الشعبية / الشبابية، فإن اعتبار إسرائيل العدو الاستراتيجي في المنطقة، لم يغب عن الجماهير الغارقة في همومها الاقتصادية والاجتماعية والطائفية.

فالمصريون لم ينشغلوا بقضايا ثورتهم الداخلية فقط في العام الأول من الثورة في كانون الثاني / يناير 2011، بل كانت فلسطين جزءاً أصيلاً من شعاراتهم وتطلعاتهم إلى الحرية أيضاً. وجاءت الجمعة الأولى من أيار / مايو 2011 بعنوان "جمعة الوحدة الوطنية والقضية الفلسطينية"، ثم انطلقت مسيرات ومواكب للزحف إلى فلسطين.

كذلك خرجت الهتافات في الميادين المصرية في ذكرى النكبة ترفع شعارات "فلسطين من النهر إلى البحر"، و"الحرية لفلسطين"، و"نعم لعودة اللاجئين".

وفي أيلول / سبتمبر 2011، سار الشباب في اتجاه السفارة الإسرائيلية مطالبين بطرد السفير، وإنزال العلم الإسرائيلي من سماء مصر الحرة، وذلك بعد واقعة قتل جنديين مصريين على الحدود المصرية ـ الإسرائيلية.

 

في الصفوف الخلفية للثورة.. أو بعيداً عنها

كان الموقف الغالب في المجتمع الفلسطيني في مصر عدم المشاركة في الثورة، لأنه "لا ناقة لنا بها ولا جمل"، ويُستثنى من ذلك بضع عشرات من الناشطين في المجال العام. وقد اقتصرت المشاركة الفلسطينية، بعد انسحاب الشرطة الشهير في 28 كانون الثاني / يناير 2011، على اللجان الشعبية للدفاع عن المناطق.

يقول رامي أبو يزن (33 عاماً) لـ "مجلة الدراسات الفلسطينية": "شاركت في لجان الحماية الخاصة بحلوان، مكان سكني؛ فقد انتابنا الخوف جميعاً على حياتنا وبيوتنا وشوارعنا. لم أشارك في ثورة الشباب في ميدان التحرير، فهذه معركة المصريين أنفسهم"، معللاً ذلك بأن "الفلسطينيين يتعرضون دائماً لمشكلات سياسية بعد كل تظاهرة أو احتجاج شعبي، وأجهزة الأمن ترى أننا السبب، وأننا المحرضون، وهو ما يجعلنا عرضة للاعتقال والترحيل."

أمّا محمد تلولي فيعقّب على سؤال بشأن المشاركة في الثورة، قائلاً: "نحن متهمون دائماً.. السلطة المصرية دائماً كانت تؤلب الرأي العام المصري على الفلسطينيين في مصر كلما رأت حاجة إلى ذلك، أو شعرت بأن هناك خطورة. فقد اتهمت الحكومة الفلسطينيين بأنهم موجودون في ميدان التحرير، وبأن أعضاء من حركة (حماس) فتحوا السجون، كما انتشرت شائعات بأن مفجر الكنيسة في الإسكندرية [عشية ثورة كانون الثاني / يناير] هو فلسطيني."

ويبرر نبيل الصمدي (29 عاماً) عدم مشاركته في الثورة المصرية بأن الأمر شأن داخلي، وأن لدى الفلسطينيين كثيراً من المشكلات أولى باهتمامهم، كإنهاء الانقسام. ويستطرد: "إذا فشلت الثورة المصرية فسنكون نحن كبش الفداء، وسيتم البطش بنا في مصر، أو في فلسطين نفسها."

وطبقاً للدراسات الاجتماعية القليلة عن اللاجئين الفلسطينيين، تبعاً لوضعهم القانوني في بلد اللجوء، صُنف الفلسطينيون في مصر على أنهم "فلسطينيو الترانزيت"، فهم ذوو أوضاع قانونية هشة. تقول سماء جرادات (33 عاماً)، وهي كاتبة / صحافية كانت في أثناء دراستها الجامعية تشارك في جميع الاحتجاجات المصرية التي تتمحور حول فلسطين: "أنا شخصياً، عشت أعواماً طويلة في حالة الموقت. فهويتي منقسمة كوني فلسطينية وعشت ثلثَي عمري في مصر؛ فلا أنا مصرية ولا أنا فلسطينية. وكان هذا يؤرقني على مستويات متنوعة في عملي، وثقافتي، وحياتي الشخصية. لكن يوم 25 كانون الثاني / يناير كان فارقاً على المستوى الشخصي، إذ حسمت هويتي: أنا فلسطينية / مصرية."

وتقول الناشطة الحقوقية يافا الحاج (35 عاماً) عن مشاركتها في الثورة المصرية: "إن نجاح الثورة المصرية خطوة في تحرير فلسطين. فمنذ اليوم الأول كانت قناعتي أن تلك الاحتجاجات ليست كسابقتها، وأنها ستصمد، لكني لم أتخيل أنها ستصل إلى إسقاط نظام سلطوي فاسد بهذه السرعة." وتضيف: "انتميت إلى إحدى المجموعات السياسية التي تكونت بعد الثورة، لكني مضطرة دوماً إلى أن أبقى في الصفوف الخلفية بسبب جنسيتي خوفاً من أي ضرر قد يلحق بمجموعتي من طرف السلطة العسكرية، أو الإعلام الذي قد يؤلب الرأي العام ضد أي شخص غير مصري شارك في الثورة أو دعمها."

وتقول المحامية إيناس سليم (30 عاماً) إن العمل العام، وثقافة حقوق الإنسان، هما ما دفعاها إلى المشاركة في الثورة المصرية بعد أيام من قيامها، إذ "كان حجم الانتهاكات التي مورست ضد الشباب المصري، من اعتقالات وقتل متعمد من طرف الشرطة، هائلاً. فاندفعت إلى المشاركة المحدودة من خلال نقابة المحامين، لكن كوني فلسطينية منعني من المشاركة في الميدان، على الرغم من قناعتي بشعارات الثورة المصرية." وتضيف أن "موقعة الجمل" جعلتها تنفض عنها ذلك الخوف، وتلتحق بالشباب في ميدان التحرير، لأن صمود الشعب في الميدان سيعجل في سقوط النظام، فضلاً عن أنه سيمنح الفلسطينيين في مصر حقوقهم التي عطلتها القرارات الأمنية، "فنحن جزء من مصر لأننا من أمهات مصريات."

تحققت رؤية إيناس سليم. فبعد إسقاط نظام مبارك، ووسط شعارات من قبيل "فلسطيني وأمي مصرية ومن حقي آخذ الجنسية"، و"أنا مصري وبحب بلادي وفلسطين مش تهمة عليّ"، تغير تفاعل المجتمع الفلسطيني. فقد شعرت تلك الفئة أن منعها من الحصول على الجنسية كان بسبب الأمن لا بسبب ما رُوّج سلفاً من أحاديث عن "الحرص على الحفاظ على الهوية الفلسطينية." وهكذا خرجت الأمهات المصريات وأبناؤهن من آباء فلسطينيين أمام مجلس الوزراء للمطالبة بحقوق أبنائهن، ثم بدأت الندوات والمؤتمرات التي تحدثن فيها عن التعسف الأمني والتمييز اللذين يتعرضن لهما. وكانت الاستجابة السريعة لحقوقهن بمنح أبناء الأم المصرية حق التجنس، وبذلك وُلد عهد جديد للفلسطينيين في مصر.

يقول سعيد العمصي: "ولد ابني بعد مضي أسابيع من إقرار قانون يمنح حقوقاً للفلسطينيين الذين يولدون لأمهات مصريات، لكن أخبروني أن هذا القانون لا ينطبق على ابني لأنه ولد قبل صدور القانون"، مضيفاً: "بينما حصل أخوه الذي يصغره بعامَين عليها لأنه ولد بعد إصدار القانون... ولذلك يتوجب علينا الآن دفع مزيد من النقود من أجل تعليم وإقامة الأكبر."

ويُذكر أن مراجعة لقانون الجنسية أُجريت في سنة 2004، وبموجبها باتت الجنسية المصرية تُمنح تلقائياً لمواليد الزيجات المختلطة بين الفلسطينيين والمصريين، والذين كانت ولادتهم بعد صدور القانون.

وفي أعقاب تولّي محمد مرسي رئاسة الجمهورية المصرية بعد ثورة كانون الثاني / يناير 2011، مُنح أكثر من 30,000 فلسطيني من أمهات مصريات الجنسية، أكانوا من حملة جوازات السلطة الفلسطينية، أم من حملة الوثائق المصرية، من دون مراجعة جديدة للقانون الذي يعطي الجنسية لأبناء الأم المصرية الذين ولدوا بعد قانون سنة 2004. وعليه تشير مصادر إعلامية مصرية بعد 30 حزيران / يونيو 2013 أن الدولة المصرية ستقوم بسحب الجنسية المصرية من أولئك الذين حصلوا عليها ولا تنطبق عليهم الشروط، من دون الإفصاح عن ماهية الشروط أو بنودها.

تقول إيناس سليم: "إن الشروط التي يتحدثون عنها ماهي إلاّ إشارة إلى القيادات الفلسطينية من حركة 'حماس' الذين مُنحوا الجنسية المصرية في عهد الرئيس السابق محمد مرسي باعتبارهم 'خونة' و'إرهابيين' بموجب البند الذي يعطي وزير الداخلية صلاحيات واسعة في إبداء موافقته أو رفضه للمتقدم لطلب الجنسية.. أي رأياً أمنياً. لكن في حقيقة الأمر فإن مثل هذا الإجراء غير قانوني ولا دستوري وفقاً للدستور المصري الذي تم تعديله في سنة 2013."

ويُذكر أن اللاجئين الفلسطينيين لا يخضعون لولاية مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين في مصر، ولا يتلقون أي خدمات من وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (الأونروا)، فهم غير مشمولين بالحماية أو بالمساعدات الواجب توفرها طبقاً للمعاهدات والاتفاقيات الدولية.

 

الثورة المضادة وقلب صورة الفلسطيني

الحملات التي تستهدف الفلسطينيين في مصر لها تاريخ قديم، وكانت قد بدأت في نهايات السبعينيات، وتحديداً بعد اغتيال وزير الثقافة المصري يوسف السباعي في قبرص في سنة 1978، على يد مجموعة فلسطينية معترضة على اتفاقية السلام المصرية ـ الإسرائيلية، إذ شُنت عقب ذلك حملة إعلامية تهاجم فلسطين وقضيتها، وتواكبت مع غضب شعبي تجلّى في هتافات معادية لفلسطين شهدتها جنازة السباعي.

وفي الأعوام الأخيرة، وبالتزامن مع ثورة 25 كانون الثاني / يناير، عادت حملات العداء والكراهية إلى الظهور بكثافة، بعد ادعاء العديد من الجهات الصحافية والإعلامية أن الفلسطينيين، وتحديداً المنتمين إلى حركة "حماس"، شاركوا في قتل المتظاهرين وفتح السجون في أثناء الثورة، وتكرر اتهامهم في وقائع مثل حادثتَي رفح: الأولى في سنة 2011، والثانية في سنة 2012، اللتين اغتيل فيهما عدد من الجنود المصريين في سيناء، مع أن حكماً قضائياً واحداً لم يصدر حتى الآن يحمل إدانة واضحة لأي فلسطيني في أي من القضايا التي يزعم الإعلام، وبعض الرأي العام أحياناً، أنها شهدت اشتراك عناصر فلسطينية فيها. وقد ازدادت حملات العداء بعد تظاهرات 30 حزيران / يونيو 2013، وسقوط حكم الإخوان المسلمين في مصر، باعتبار أن حركة "حماس" هي أحد فروع الإخوان.

ومنذ اللحظات الأولى للثورة المصرية، وفي مقابل تضامن المشاركين فيها مع فلسطين، عمد بعض وسائل الإعلام إلى ضخّ شائعات عن مشاركة الفلسطينيين في الثورة. ففي كانون الثاني / يناير 2011 انطلقت القوى المضادة للثورة كي تخلق عدواً يريد بمصر السوء، فكان الفلسطيني، وخصوصاً الحمساوي، هو ذلك العدو الذي يريد هدم مصر، وهم، أي الفلسطينيين، العناصر المندسة وسط مَن كان في ميدان التحرير. وكلما أخفقت القوى المناهضة للثورة المصرية في استعادة زمام الأمور ونجح الثوار في اجتياز الأفخاخ، كان الفلسطيني هو المحرض / المخرب / الإرهابي / المشارك في قتل الثوار والشرطة والجيش المصري في سيناء.

ومع أن لجان تقصّي الحقائق التي شُكلت في شأن أحداث كانون الثاني / يناير 2011، وأصدرت تقريرها في نيسان / أبريل من السنة نفسها، لم تشر إلى أي دور لـ "حماس" في تلك المرحلة، إلاّ إن تلك التقارير دُفنت وأُعيد صوغها بواسطة الأجهزة الأمنية التي أقحمت "حماس" فيها لتبرئة الشرطة التي دانها التقرير الأصلي صراحة. وعلى الرغم من أن تقارير لجان تقصّي الحقائق في واقعة قتل الجنود المصريين في رفح لم تثبت أي تورط لـ "حماس"، فإن القضاء المصري أصدر حكماً بإدانة "حماس"، ووضعها على قوائم الإرهاب في نهاية سنة 2014.

لا يُخفى ما تتمتع به القضية الفلسطينية من مكانة في الوعي الجمعي المصري، وخصوصاً لدى الشباب المصري الثائر، لكن فلسطين، في مصر ما بعد "الربيع العربي"، لم تحظَ سوى بأخبار تناولت "المصالحة الفلسطينية" التي تتوسط فيها الإدارة المصرية. وليس مصادفة أن تُنجَز النسخة الأولى من "المصالحة" قبيل ذكرى النكبة الثالثة والستين، وذلك بهدف الالتفاف على المسيرات التي دعا إلى تنظيمها شباب الثورات العربية تحت شعار "الزحف إلى فلسطين".

أمّا اعتصام الأمهات المصريات أمام مقر مجلس الوزراء للمطالبة بحق منح الجنسية المصرية لأبنائهن الفلسطينيين، فكان هزيلاً وسطحياً وعرضياً، ولا يتناول مأساة أكثر من 70% من حملة الوثائق المصرية البالغ عددهم 50,000 فلسطيني يحملون صفة "لاجىء".

 

فلسطينيون من سورية.. مأساة جديدة

لا تقتصر الصعوبات على الفلسطينيين في مصر، بل ثمة مأساة يعيشها أفراد 56 أسرة فلسطينية من حملة الوثائق السورية، والذين رماهم البحر قبالة شواطىء الإسكندرية منذ بداية سنة 2015، إذ إنهم محتجزون لدى السلطات المصرية، وغير مسموح لهم دخول البلد كغيرهم من اللاجئين السوريين الذين قادهم القدر نفسه إلى مصر هرباً من نيران الحرب في سورية.

ووفقاً لإحصاءات حقوقية ودولية، دخل ما يقرب من 30,000 فلسطيني من سورية إلى مصر، وهم يعانون مشكلات في الإقامة والعمل والتعليم والصحة، وبسبب تلك الظروف يحاول كثيرون منهم الهجرة غير الشرعية، وخصوصاً بعد تنكيل الإعلام المصري بهم على اعتبارهم موالين للإخوان المسلمين و"حماس".

زياد عايش (52 عاماً) فلسطيني من مخيم اليرموك جاء إلى مصر لينتهي به الحال جالساً ينتظر مصيراً مجهولاً. يقول: "هربت من الحرب والدمار إلى الموت البطيء في مجهول لا ينتهي."

حصل عايش هو وأسرته حين جاء إلى مصر، على إقامة سياحية تُجدد كل شهرين، وهي إقامة لا تسمح له بالعمل، ولا بأن يسجَّل ضمن مستحقي الإعانات التي تقدمها المفوضية العليا للاجئين السوريين الفارين من القتال في سورية.

كان زياد يعمل كمحامٍ في أثناء إقامته في دمشق، وحين وصل إلى مصر تنقّل بين مهن متواضعة لم توفر له ولأسرته ما يعينهم على حياة آدمية. وفي ظل شح المساعدات التي تقدمها الهيئات الإغاثية والإنسانية المصرية، ونفاد كثير من مواردها المالية، توقفت المساعدات عن آلاف الأسر السورية، والفلسطينية - السورية، التي لم تدخل ضمن مظلة المساعدات لأسباب بيروقراطية وسياسية.

وصدر في القاهرة قرار يقضي بأن يرحَّل أي لاجىء لا يأتي من مطار دمشق، أو يأتي منفرداً وعمره أقل من أربعين عاماً. وفي حالة زياد، فإنه كان جاء إلى القاهرة عن طريق مطار الدوحة، وعند كتابة التقرير كان قد رُحّل إلى دمشق تاركاً أسرته لأنهم جاؤوا عن طريق مطار دمشق بعد أن وصل إلى القاهرة.

 

***

 

الطبيعة القانونية والحقوقية والاجتماعية والاقتصادية للفلسطينيين اللاجئين في مصر، أو مَن هرب من أهوال الحرب في سورية، خلقت هوية فلسطينية / مصرية مشوشة ومرتبكة، عمادها الخوف من التشريد والترحيل إلى مجهول لا يرحم. لكن المجهول وركوب البحر والموت بين أمواجه صار أرحم على الفلسطينيين المقيمين في مصر، أو الهاربين من الحرب في سورية وغزة بعد إخفاقات الثورات في مصر وسورية.