mdf-fulltex

مجلد 30

2019

ص 179
الملف (فلسطين في مرايا الثقافة العربية)
سردية المقهور و سردية المنتصر
النص الكامل

 كان لقائي مع الكاتب الإسرائيلي عاموس عوز، في معرض باريس للكتاب في سنة 2005، صادماً، فما من كلمة أو ملاحظة عن فلسطين إلاّ وتقطن حقلاً مضطرماً. فقد قال لي، بجملة صريحة ومسكونة بنبرة واثقة عن الصراع العربي ـ الإسرائيلي، إن "العرب يهتمون بالصراع أكثر من اهتمامهم بالأرض." ودلل على هذا الأمر بأن "هنالك أكثر من مئة رواية إسرائيلية مكتوبة باللغة العبرية عن القدس، من دون أي رواية عربية تقابلها"، وهي معلومة حصل عليها من أكاديمي إسرائيلي من أصل عراقي مختص بالأدب العربي في جامعة حيفا (عرفت فيما بعد، أنه البروفسور ساسون سوميخ).

في البداية أنكرت ما قاله إنكاراً قاطعاً، وشككت في المعلومة المنقولة، غير أن الكلام في واقع الحال لم يرتكز على أزمة في النقل أو التمثيل، وإنما كان الاختلاف واضحاً بيننا في تحليل هذه الظاهرة وزاوية النظر لها. فما يطرحه سجال عوز هو فكرة أساسية نجدها، بجاذبية أكبر، في أعمال جميع مؤرخي الأدب مثل إيرل واسرمان، وإريك أويرباخ، وفريدريك جيمسون، من أن الرواية هي الوسيط الشفاف الذي تسطع عبره كينونة الأمة، وأن السرد بصفته اتساقاً متماسكاً، عليه أن يُبرز هذا الموضوع على نحو بالغ الأهمية، فهو ليس محاولة لتمثيل الواقع بالمحاكاة فقط، بل هو خطاب ينازع منذ بلزاك وديكنز، ليس وعي الأشكال والأعراف الألسنية فحسب، بل أيضاً أدوات وأساليب تتجاوز على نحو بيّنٍ ما هو شخصي وإنساني، إلى ما هو مادي وثقافي مثل: الأمة؛ الطبقة؛ الجنس؛ اللاوعي؛ العرق؛ البنية.

جميع مؤرخي الأدب العربي يعرفون أن القضية الفلسطينية ساهمت مساهمة هائلة في تطور الأدب العربي، وخصوصاً الرواية. وأهمية الرواية هنا حاسمة، ذلك بأنها، على عكس العديد من الأشكال الأدبية، تُبرز قوتها مضاعفة فيما يطلق عليه إعجاز أحمد "تخييلها السياسي" الذي يمنحها إمكاناً تتجاوز فيه الخطاب الأدبي، بصفته نصاً عصيّاً ومجرداً، لتشمل قدرتها على تمثيل التحولات التي تحدثها القوى الاجتماعية في تصوراتنا للأشياء، وتنقل حالات عصية على التدوين، بالمعنى الحرفي للعبارة، وعصية على النطق في فنون أُخرى. وبالتالي، ما من أمر معقد وإشكالي لا تنقله الرواية، بل إنها، بمزيد من اليقين وبمزيد من الحسم، تحولت إلى مساهم فاعل فيما يطلَق عليه "صناعة الأمة" (nation building).

لذلك كانت الدلالة السياسية لعبارة عوز ذكية جداً، فأهمية القدس هنا ليست بصفتها مكاناً محايداً، خالياً من التأويلات والانحيازات السياسية والثقافية، وإنما هي فضاءات، بتعبير لوفيفر، محملة برموز سياسية واجتماعية وثقافية. فمدن مثل، باريس، وبغداد، وبيروت، ولندن، والقدس، وطهران، لا تعبّر عن حقيقتها كمدن فقط، كمكان خاص بالإنسان والحاجات، بل هي فضاءات دلالية أيضاً، لها محمولات سياسية وتاريخية متعددة؛ هي بنى من الصور والعقائد والأفكار والسرديات، والسرديات المضادة، تنطوي على شبكة معقدة من الرموز والصور التاريخية والثقافية، وهي أدوات فاعلة في الصراع والتنافس الحضري والعسكري والسياسي.

فالروايات الإسرائيلية التي تدور أحداثها في القدس، والتي قرأتها بعد نقاشي مع عاموس عوز، هي أعمال منظمة ومدروسة في إطار أدبي قومي وأيديولوجي سياسي. فإذا كان الأدب الفلسطيني، أو الأدب الذي كتبه العرب بمجمله عن فلسطين، يرتكزان ارتكازاً كاملاً على فكرة النكبة، أو على التراجيديا التي خلقتها نشأة إسرائيل وما صحبها من طرد منظم للفلسطينيين واجتثاثهم واقتلاعهم، وعلى الآثار التي خلّفها الاحتلال على أرضهم، وهي أعمال عظيمة لغسان كنفاني وإميل حبيبي وإلياس خوري، وللعديد من الكتّاب الفلسطينيين، سواء الذين كتبوا بالعربية أو بلغات أُخرى، فإن الأدب الإسرائيلي يرتكز بمجمله على ترسيخ حق الملكية، وعلى فكرة التوطين وبناء الأمة، والتشديد على سرد الحياة الاجتماعية للأفراد بصفتهم نتاج أمة تاريخية تقع القدس في مركز بناء هويتهم الإسرائيلية، وهي بالنسبة إليهم، أكانوا سياسيين متدينين أم مثقفين علمانيين، هوية تاريخية قائمة على واقع ديني يهودي، وواقع دنيوي حداثي. ومن هنا، فإن الأدب الإسرائيلي، وعلى خلاف الأدب العربي الخاص بفلسطين، ينحو إلى مماهاة "هوية الأرض" مع الهوية الدينية للأفراد الذين يقطنون هذه الأرض وبالقوة، ولا يفارق بمجمله هذه الفبركة المتعمدة للتاريخ، لينتج خطاباً أدبياً ينطوي على الدوام على عنف وحقد، ويُخفي تحت بلاغة مستحدثة الأحداث الأكثر دموية في تاريخ وجود دولة إسرائيل، ويستولي على حق الكلام في ميدان المصائر المتقاتلة، ويقرر ميدان النزاع والعنف، ويخفي مجال الصراع والإبادة والتطهير العرقي.

لهذا لم أجد أي رواية عربية عن القدس، عدا بضع قصص قصيرة كتبها كتّاب فلسطينيون، وتتصف بمجملها بالشحوب والضعف التقني والركاكة اللغوية، وهي لا تقارن أبداً بمدونة سردية إسرائيلية فخمة عن القدس، وبروايات كتبها أهم كتّابهم مثل عاموس عوز وديفيد غروسمان وديفيد شاحور وإبراهيم بن يشوع، والعديد من الكتّاب الآخرين.

من هنا جاءتني فكرة كتابة رواية عن القدس، لا يكون موضوعها دينياً أبداً، فهي مدينة حملت فضاء أيديولوجياً، والأيديولوجيا هنا مفهوم كلي يتأثر بمختلف البنى السياسية والاجتماعية والقانونية والتعليمية التي تشكلها الدولة، بل إن الدولة هنا تؤدي دوراً بارزاً وأساسياً في عملية بناء أمة مفبركة على حساب أمة ملغاة. وهذه العملية لا تتم فقط عن طريق أجهزة الدولة القمعية التي تحدث عنها ماركس مثل المحاكم، والبوليس، والجيش، والسجون...، بل أيضاً، وبشكل رئيسي، بواسطة أجهزتها الأيديولوجية، حتى إن لم ترتبط بها بشكل مباشر، مثل الرواية والفنون والفلسفة والمدرسة والكنيسة والنقابة. ورأيت أن الرواية في إسرائيل تؤدي دوراً بارزاً في هذا الأمر، ذلك بأنها، من خلال الأيديولوجيا السائدة، تؤثر في القراء، عبر توحدهم بأبطال يشبهونهم في الحياة والرؤيا والثقافة، كما أنها تحاول أن تقدم لكل فرد دوراً موصّفاً بعناية، وتضعه ضمن الهرمية الاجتماعية للأمة الجديدة. وفي حال لم يخضع الفرد تماماً لهذا التأثير، فإن المؤسسات القمعية ستقوم بإجباره على ذلك بشكل عنيف.

بل أكاد أجادل بأن الرواية في إسرائيل جزء من أجهزة الدولة الأيديولوجية، وتقنية من تقنيات الاستدعاء، فهي مثل الشرطي الذي يقول: أنت هناك، فتعرف أنك المقصود من دون أن يذكر اسمك. هذه الأنت غير المتعينة، والنحن الإسرائيليون غير المتعينة، تعملان في الرواية من دون الحاجة إلى صوت الشرطي المرعب. هي تعيين "مَن يكوّنون" في إطار الأمة الجديدة، أمة إسرائيل. فحتى جهاز الشرطة مثلاً يمارس دوراً أيديولوجياً، مثلما يقول ألتوسير، وإن كان جانب العنف يغلب عليه، بينما تمارس الرواية دوراً عنيفاً، وإن كان الجانب الأيديولوجي يغلب عليها.

لقد كتبت روايتي "مصابيح أورشليم: رواية عن إدوارد سعيد" (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2006) كردّة فعل على هذه الحالة، أردت من خلالها بناء سردية عربية مضادة للسرديات الإسرائيلية، أو مقاومة لها، أو مفككة لأساطيرها وأبطالها وحبكاتها، أو تسرد الحياة العربية من منظور مختلف، أو تقدم حقائق أُخرى غير السرديات الإسرائيلية، وحكايات عربية تنمو وتتطور وتعيش في أماكنها بأسمائها العربية، وتروي حياتها اليومية، أو تاريخ وجودها. فالشخصية العربية الموجودة في الرواية الإسرائيلية عن القدس منفية داخل ذاتها، وهي غائمة الملامح، بلا اسم ولا صورة، بل هي كينونة صامتة، وشخصية وهمية ومستبعدة أكثر من كونها شخصية موجودة ومحسوسة، كما أن العلاقات التي تُنشئها هي علاقات غير مكتملة، مبتورة، وثانوية التأثير، ومتوارية خلف الشخصيات الإسرائيلية المؤثرة.

لقد عدت إلى الرواية الإسرائيلية لتفكيكها، مثل روايات عاموس عوز، وديفيد غروسمان، وديفيد شاحور، وإبراهيم بن يوشع، وزوريا شيليف... وإلى أشعار يهودا عميخاي وقصائد مناحم بياليك، وغيرهم، وارتكزت إلى كتابات كثيرة: مذكرات سياسيين، ورحّالة قدماء، ومفكرات سياح، وصنعت مدونة أردت من خلالها تكذيب الرواية الإسرائيلية الرسمية، بسرد مختلف عن سرد القادمين إليها؛ سرد يعتمد على رواية اللاجئين والمطرودين والمنفيين والمغيبين والمهمشين المدحورة، فتتقهقر الرواية المنتصرة، وتظهر المدينة من تحت الطرس بكتاباتها الممحوة وذكرياتها المتروكة والمهملة.

أمّا الحبكة الأساسية في الرواية فهي عن إدوارد سعيد الذي يسير في القدس، يرافقه مئير وإيستر، وهما من أبطال روايات إسرائيلية، اللذان كانا يقودانه في المدينة التاريخية العظيمة، غير أن معالم المدينة تغيرت، أو غُيرت بالقوة، فالكولونيالية تستند إلى تغيير صك الملكية من الساكن الأصلي إلى الجديد، ثم تقوم بتغريب المدينة نهائياً. إنها تجعل معالمها غريبة تماماً عن ساكنها المحلي، وتغير تاريخها، أو تخترع تاريخاً جديداً وتفبركه. كما أنها تسرد تاريخ الأمة طبقاً لمصالحها ووجودها، وتصنع رموزاً جديدة تتعرف فيها إلى نفسها. ومن خلال رؤية إدوارد سعيد نصل إلى تفكيك الرواية التاريخية، وإلى سردية غير السردية الكولونيالية؛ سردية تناقض السردية الأولى وتهدمها، مثلما تبيّن هذه الفقرة من رواية "مصابيح أورشليم":

 

كل شيء قديم يتراءى خلف الشيء الجديد ويقضي عليه، لا شيء يُمحى ويزول: المدينة مثل الطرس... كتابات تنكتب فوق كتابات، صور ترتسم فوق صور، رموز جديدة فوق رموز قديمة، قبور فوق قبور، لا شيء يُمحى، إنما يصبح فوقه وعليه، كتابات ترتسم فوق كتابات، كل كتابة تبدأ بالامّحاء ترتسم على هذا الطرس كتابة أُخرى...