mdf-fulltex

مجلد 30

2019

ص 174
الملف (فلسطين في مرايا الثقافة العربية)
بين فلسطين و إريتريا
النص الكامل

 

الحديث عن فلسطين يستدعي عندي بالضرورة الاستهلال بالكلام على إريتريا، أو بالأحرى بالحديث عن العودة إليها.

بعد ثلاثة عقود في اغتراب بدأ قسرياً، ثم استحال طوعياً لينتهي إلى ما بدأ منه، عدتُ بذاكرة مستعارة، وهوية حائرة، ولكنة ضائعة في منتصف المسافة بين البحر والصحراء. وقبل ذلك كله عدت بلا حكايات.

ما أسوأ أن نكون فارغين من الحكايا. لا معنى لأشيائنا ما لم نشدّها إلينا بالحكايات. نُحكم وثاقها فلا يعود شيء قادراً على افتكاكها. لهذا عادة ما نكون أكثر قدرة على مغادرة الأشخاص والأماكن والعادات من دون عناء متى ما غابت الحكايات التي تصلنا بهم. حكايات الآخرين لا تكفي.. تظل شيئاً خارجياً تماماً مهما نعتقد العكس.

كنت على الدوام قريباً من مدينة مصوّع، بعد شارعين ربما، أو أقرب، لكن من دون أن أصلها. ظلت تلك المسافة الفاصلة هي التعريف الأكثر ملاءمة لعلاقتي الملتبسة بمسقط رأسي. أقول ملتبسة لأني لا أعرف على وجه الدقة ما إذا كان لفظها لي بمجرد ولادتي خشية عليّ، وأنا المولود تحت قصف الطائرات الإثيوبية والكوبية، أم هو محض تخلٍّ، مثلما تفعل بعض الأمهات لأسباب شتى.

أستعيد ذلك كله، لأن زيارتي لفلسطين تشبه العودة إلى مكان يخصني، بذلك الالتباس كله؛ ذلك الالتباس، ونصف المعرفة بالمسافة بين المكان الذي نراه في نشرات الأخبار، ونظن أننا نعرفه لكثرة ما يتحدث عنه الجميع، وبين ذلك المستعصي على الوصف. ومثلما هي الحال حين عدت من إريتريا، غادرت فلسطين وأنا أتساءل إن كان كل ما جرى حقيقياً. إن كنت قد مررت بالفعل بأسمرا ومصوّع وكرن؟ بالقدس ورام الله وبيت لحم؟

لكني الآن على الأقل أملك يقين قهر المسافة، والاقتراب أكثر ممّا ظل على الدوام متخيلاً سامقاً. الآن أستطيع القول إن الوطن لا يصبح كذلك من تلقاء نفسه، وإنه ليس ذلك الذي يسكن رؤوس الثوار وألسنة السياسيين وأمنيات البسطاء. وأستطيع القول إن فلسطين مكان حقيقي للغاية، وإن أهله بشر طبيعيون تسكنهم آمال وخيبات، فهم في رأيي، يفرحون ويتألمون ويختنقون من حالة الأسطرة التي نسجنهم فيها ونزهو بالأسطرة؛ الأسطرة التي نسجنهم فيها من دون أن ننتبه. نخنقهم ونحن نرتدي الكوفية ونزهو بإضافتها كلمسة أنيقة ليس إلاّ. نخنقهم ونحن لا نرضى منهم إلاّ بالتضحيات الكبيرة، والموت المجاني.

فلسطين مكان حقيقي للغاية ننحاز إلى ناسه، وأولى درجات الانحياز ألاّ نقوم بتشكيل صورتهم بالإنابة، وأن نترك ذلك لهم، فناً وأدباً وأسلوب حياة. أن نقبل صورة فلسطين مثلما هي ومن دون إطار، وليست بالضرورة تلك التي تسكن خيالنا، وتقتات عليها محاولاتنا كلها للتطهر من عجز مقيم.