mdf-fulltex

مجلد 30

2019

ص 145
الملف (فلسطين في مرايا الثقافة العربية)
فلسطين والغرب: الاستعمار ونقطة اللاانتماء الراديكالي
النص الكامل

 كانت المذيعة غاية في اللطف وفي منتهى الليبرالية. راق لي ما فعلَتْه، وأعجبها كلامي عن قضايا التعددية الثقافية والعنصرية ضد المهاجرين في أستراليا. أجرت معي العديد من المقابلات وباتت تعتبرني ضيفاً معتاداً في برنامجها. شعرتُ بأنها ترتاح لي شخصياً، وارتحت لها بالمثل. وبصورة عامة، شعرت بأن علاقة مهنية جيدة حقاً تجمعني بها. هذا ما كانت عليه الأمور إلى أن قررت أن تجري معي مقابلة عن فلسطين. لقد رأت صراحة أن ما أقوله هو غير مقبول وفظ وليس في حدود ما تعتبره معقولاً، وكردة فعل سألتني: "لكن هل تقبل حق إسرائيل الأساسي في الوجود؟" وجدتُ السؤال في غير محله ومقززاً، لأسباب ليس أقلّها أنها عاملتني لأول مرة ليس كأستاذ يتحلى بالخبرة والمعرفة، وإنما كشخص يمثل تيار التعنت السياسي العربي. ومنذ ذلك الحين، لم تعد علاقتنا إلى ما كانت عليه.

يلتقي العديد من الأكاديميين والناشطين الذين يضعون قضية فلسطين في صدارة النضال العالمي من أجل العدالة باستمرار، أناساً يعتبرون أنهم يتفاهمون معهم تماماً على كل شيء إلى أن تبرز قضية فلسطين إلى الواجهة. ويسري الاعتقاد في كثير من الأحيان أن هؤلاء المفكرين والناشطين ليسوا "راديكاليين بما يكفي"، كما لو أن كل ما يحتاجون إليه هو دفعة قوية على المسار الراديكالي. وبالمثل، اختار اليسار الأميركي المؤيد للفلسطينيين اسماً لهؤلاء فسماهم "تقدميون ما عدا فيما يتعلق بفلسطين" (Progressive Except for/on Palestine)، أو اختصاراً "ببس" (PEPs). وهذا التصنيف أيضاً، يجعل الأمر كما لو أن فلسطين تقع في أقصى نهاية خط متواصل من نقاط التقدمية صعوداً من الأدنى إلى الأعلى، ويتم وضع جميع التقدميين على امتداده. إن كلاً من فكرة "ليس راديكالياً بما يكفي"، و"تقدمياً ما عدا بالنسبة إلى فلسطين"، يجعل الأمر يبدو كما لو أن "التقدمية" هي من نوع واحد، وأنها يمكن أن تقاس بوحدة قياس واحدة. ومع ذلك، فإن هذا الإحساس بالاستمرارية تكذّبه الطبيعة الفجة للتجربة التي وصفتها أعلاه. وهناك عدد قليل جداً من الروايات عن أشخاص يتجولون بسلاسة على طول الخط التقدمي عندما يتعلق الأمر بفلسطين، وتكون القصص عن مقابلة أشخاص مصنفين "ببس" على شاكلة: "مضى كل شيء بخير حتى لفظتُ كلمة فلسطين"، أو "أعجبتني هذه السياسية واعتقدت أنها تعبّر عن توجهاتي، وفجأة بدأت تتحدث عن إسرائيل"، أو "لقد شعرت بانتماء حقيقي إلى المجموعة وأفكارها فيما يتعلق بالمجتمع والميول الجنسية، وشعرت لنحو ساعة بأنني في حلم، واعتقدت أخيراً أنني وجدت مجموعة يمكن أن أنتمي إليها، ثم طُرحت قضية فلسطين، واستغرق الأمر أقل من ثانية لأشعر بالوحدة من جديد." هذا الانهيار المفاجىء في مشاعر الرفقة والتكاتف والشراكة، ثم الشعور المفاجىء بالوحدة وبأنك خارج ما كنتَ قبل ثوانٍ جزءاً منه، هو ما أريد أن أشير إليه على أنه النقطة الراديكالية لعدم الانتماء.

لم يكن من قبيل المصادفة أني بدأت أفهم الطبيعة الاستعمارية والبنيوية لهذه النقطة الراديكالية لعدم الانتماء، عندما كنت أتأمل وأفكر في وضع وموقف السكان الأصليين إزاء المجتمع الأسترالي. لقد لاحظت في كثير من الأحيان أن سكان أستراليا الأصليين يعبّرون عن تجربة مماثلة في عدم الانتماء. وقد أوضح لي أحد الزملاء من السكان الأصليين صراحة كيف أنه عندما يلتقي بأشخاص بيض يعلنون مناهضتهم للعنصرية ويساندون السكان الأصليين في الحكومة، يشعر بالانتماء الجماعي وباهتمام مشترك حقيقي من طرف الجميع من أجل "جسر الفجوات" والعمل على تحسين الظروف المعيشية للسكان الأصليين. لكن، قال زميلي: "إذا انتقل الحديث عن طريق المصادفة إلى مسائل الاستعمار المتعلقة بالأرض والتعويض، تراهم جميعاً، باستثناء عدد قليل من البيض، يبدأون على الفور بالنظر بعضهم إلى بعض بطرق تجعلك تشعر: لا، إنهم لا يعتقدون أنني واحد منهم... وأنا لا أريد أن أكون واحداً منهم كذلك."

برزت المسالة الاستعمارية إلى الواجهة كجزء من تحليلي في إطار طرحي الفكري عندما كنت أتحدث في مؤتمر نظّمته جامعتي في ملبورن عن "جغرافيا عدم المساواة". وطرحت خلال عرضي أفكاراً بشأن الفرق بين ما سمّيته "عدم المساواة التوزيعية" (distributional inequality)، و"عدم المساواة الانتزاعية" (extractive inequality)، فيما يتعلق بالسكان الأصليين الأستراليين. بدأت بالإشارة إلى أن هذين النظامَين من عدم المساواة هما من منظور عام، حقيقتان مختلفتان تماماً: فانعدام المساواة الانتزاعية تفترض علاقة مباشرة بين مَن يمارسون فعل الانتزاع، ومَن يقع عليهم فعل الانتزاع أو تجريدهم من أشياء ملموسة، في حين أن انعدام المساواة التوزيعية لا يفترض بالضرورة وجود علاقة بين طرفَي المعادلة غير المتساويين. وينتج عدم المساواة الانتزاعية من العلاقة ذاتها تحديداً بين الطرفين غير المتكافئين، مثلما هي الحال مع مفهوم ماركس للاستغلال، والذي ينمو فيه طرف ويحصل على المزيد على حساب الانتقاص من الآخر. أمّا في حالة عدم المساواة التوزيعية فالعلاقة ذات طبيعة معرفية وليست وجودية، وهي تحضر إلى حيز الوجود من خلال ملاحظتها "استدلالياً"، عبر عملية الملاحظة المقارنة. وليس هناك ضرورة للعلاقة بين الطرفين غير المتكافئين، أي أنه يمكن للمراقب أن يعلن أن مجموعتين تملكان العنصرين "أ" و"ب" بصورة غير متكافئة، وذلك من دون أن تلاحظ المجموعتان ذاتهما أنهما غير متساويتين، أو أن يكون بينهما أي علاقة - وهذا بالطريقة ذاتها التي يمكن للمرء فيها أن يقول إن كمية الأوكسجين في الغلاف الجوي للأرض ولكوكب المريخ غير متساوية.

وإلى حد كبير بالطريقة ذاتها، فإن عدم المساواة التوزيعية يطال الأشخاص من خلال علاقتهم بالدولة، وهم في الأساس من المواطنين. ويمكن أن يكون هؤلاء المواطنون أفراداً أو جماعات، لكن هنا أيضاً، لا توجد علاقات فعلية بينهم (فهم موجودون في الشكل الذي أشار إليه جان بول سارتر باسم البنية التسلسلية seriality). ونظراً إلى طبيعته المقارنة بشكل أساسي، فإن عدم المساواة التوزيعية يشارك في ترتيب القيمة المجردة، كما يشمل في الوقت نفسه الأفراد بالمعنى المجرد لتعريفهم من طرف الدولة (المواطنون). أمّا عدم المساواة الانتزاعية، من ناحية أُخرى، فيتعلق بانتزاع القيمة الملموسة (العمالة والأرض والموارد) من الآخرين، وعلى هذا النحو، يتدخل في نظام حياة أشخاص لديهم خصائص ملموسة تجمعهم بعضهم ببعض. وقد جادلت في عرضي أن في إمكاننا تكوين فهم أفضل لموقف السكان الأصليين تجاه المجتمع الأسترالي من خلال التفكير في الطريقة التي يتعايش بها نظاما انعدام المساواة التوزيعية والانتزاعية داخل مجتمع استعماري - استيطاني مثل أستراليا. وهنا بالضبط برزت مسألة النقطة الراديكالية المتمثلة في عدم الانتماء.

في أثناء شرح تأثير الاستعمار الفرنسي في الجزائر، يبحث بيير بورديو في الطريقة التي حرمت بها الرأسمالية الحديثة التي جاء بها الفرنسيون، الفلاحين الجزائريين من واقعهم الاجتماعي والثقافي، ويوضح أن هذه ليست حالة يصبح معها الفلاحون الجزائريون مثل العمال الفرنسيين أو الطبقة الدنيا الفرنسية المضطهَدة داخل المجتمع الرأسمالي الفرنسي. فبدلاً من أن يكونوا تحت السيطرة داخل ذاك الواقع، يخضعون للسيطرة بواسطة ذاك الواقع، وهي سيطرة قوضت العالم الذي اعتاد الفلاحون العمل ضمنه. والنقطة التي أراد بورديو الإشارة إليها هي أن الاستعمار لا يكتفي فقط بوضع الفلاحين المستعمَرين في رتبة مجتمعية دنيا، بل إنه في الواقع يسرق منهم واقعهم أيضاً. إن هذا التمييز بين "الخضوع للسيطرة ضمن واقع ما"، و"الخضوع للسيطرة بواسطة ذلك الواقع"، يوفر لنا وضعاً استعمارياً نموذجياً يوضح الفرق بين نظام عدم المساواة التوزيعية ونظام عدم المساواة الانتزاعية التي ناقشتها أعلاه عندما يكون هذا النظام الانتزاعي استعمارياً كذلك. ويحدث هذا لأنه، منذ لحظة الاستعمار، يواجه المجتمع الاستعماري الاستيطاني والدولة الاستعمارية المستعمَرين في إطار علاقة استعمارية انتزاعية مستمرة هي بحكم تعريفها علاقة حربية يتم فيها موضعة المستعمَر سياسياً كعدو خارج النظام الاجتماعي. وفي الوقت نفسه، يهدف المجتمع الاستيطاني الاستعماري عاجلاً أم آجلاً إلى "دمج" الأفراد الخاضعين للاستعمار كمواطنين يشكلون، في أكثر الأحيان، الطبقة الدنيا في إطار النظام الاجتماعي. إن خصوصية السياسة المتبعة تجاه السكان الأصليين في أستراليا نشأت بالضبط لأن مجتمع السكان الأصليين لديه علاقات متشابكة مع هذين الواقعين. فمن ناحية، لا يزال لدينا وضع استعماري ونظام انتزاعي من عدم المساواة، إذ ما زال الأستراليون من غير السكان الأصليين يقهرون ويحرمون السكان الأصليين الأستراليين من الأراضي والموارد، مع كون الدولة طرفاً في هذا القهر والتجريد من الملكية. ومن ناحية أُخرى، لدينا مجتمع ما بعد استعماري من المواطنين تحكمه دولة ما بعد استعمارية، دولة إدارية تعامل جميع سكان أستراليا كمواطنين، بمَن فيهم سكانها الأصليون. ويناضل السكان الأصليون من أجل تحسين الخدمات والدخل والاعتراف بهم، وفي إطار هذه العملية يشكلون مواطنين يناضلون ضد عدم المساواة التوزيعية، لكنهم يكافحون أيضاً كأشخاص مستعمَرين لاستعادة كل ما يمكن استعادته ممّا انتُزع منهم، ولا سيما في شكل المطالبة بإعادة الأراضي وبتعويضات. عليّ أن أؤكد أن ما يرد هنا لأغراض تحليلية على أنه انقسام واضح، هو في الحياة الواقعية متشابك ومعقد، وهو مع ذلك تشابك منظم حول قطبية واضحة: بقدر ما هم مواطنون، فإن السكان الأصليين هم جزء، حتى إن كانوا الجزء الأكثر حرماناً، من المجتمع الأسترالي، وبقدر ما هم مستعمَرون، فإنهم موجودون خارج المجتمع الأسترالي، وفي علاقة نزاع / علاقة عداء معه. وفي معرض تفكيري في هذه المسألة، بات من الواضح جداً بالنسبة إليّ أنني كنت أتعامل مع الأسباب الهيكلية وراء تجربة نقطة عدم الانتماء الراديكالي. فهو راديكالي لأن الخارج الاستعماري الذي يوجد فيه المرء ليس أي مكان خارجي، بل إنه ما يعرّفه الفلاسفة والمحللون النفسيون بالخارج التأسيسي (constitutive outside)، والوجود فيه يعني التحلي بوجهة نظر فريدة من الوضوح الراديكالي حيال الداخل. وهذا ليس صحيحاً فقط بالنسبة إلى سكان أستراليا الأصليين، بل أيضاً إلى جميع أولئك الذين يؤسَّس موقفهم الراديكالي على تصور للعدالة معادٍ للاستعمار. وغني عن القول أن هذا يشمل موقف الفرد تجاه الكفاح الفلسطيني.

في فلسطين، يمارَس عدم المساواة التوزيعية وعدم المساواة الانتزاعية في مناطق جغرافية متنوعة، فعلى سبيل المثال، إن الفلسطينيين خارج إسرائيل في الضفة الغربية وقطاع غزة يتعرضون بصورة محددة تقريباً لعدم المساواة الانتزاعية، بينما يخضع الفلسطينيون داخل إسرائيل لكليهما. ويمكن للفلسطينيين داخل إسرائيل الكفاح من أجل العدالة التوزيعية الاستعمارية، في حين لا يمكن للفلسطينيين في الأراضي المحتلة سوى الكفاح من أجل العدالة الاستعمارية. لكن بالنسبة إلينا جميعاً، نحن الذين نتعاطف مع النضال الفلسطيني ونعيش خارج فلسطين، فإننا نختبر فلسطين في المقام الأول باعتبارها ظاهرة استعمارية انتزاعية عالمية نرى جميع العالم الغربي متورطاً فيها. وقد يكون الصهيونيون هم المستعمِرين المباشرين للأرض، إلاّ إننا جميعاً نعلم من الطريقة التي جرى بها تيسير الأمر تاريخياً، ومن الطريقة التي لا يزال يتم بها تسهيل الأمر، أن فلسطين هي مشروع استعماري غربي. وفي الواقع، فإن فلسطين هي أحد الأماكن القليلة التي لا يزال "الغرب" فيها قادراً على الوجود كقوة استعمارية جماعية في التاريخ اليوم. ولهذا السبب بالتحديد، فإن أولئك بيننا الذين تمثل معارضتهم لإسرائيل معارضة نظام استعماري انتزاعي، سيكونون دائماً خارج الغرب ككل عندما يتعلق الأمر بهذا الموضوع، ذلك بأن نقطة عدم الانتماء الراديكالي هي بالضبط النقطة التي يتحول فيها الانتماء إلى داخل المجتمع فجأة إلى الانتماء إلى الخارج. إنها حيث يتوقف المرء عن تجربة الذات، وعن أن يكون محط تجربة للآخرين، بصفته مواطناً من الداخل، ويصبح بدلاً من ذلك عدواً للاستعمار من الخارج. هذا هو السبب في أن التماهي مع النضال الفلسطيني ليس مجرد مسألة أن يكون الإنسان "أكثر تقدمية"، فمثل هذا التعريف لا يتطلب فقط "أكثر" من الشيء نفسه، بل يتطلب أيضاً الانتقال من التقدمية التوزيعية للمواطنين إلى التقدمية المناهضة للاستعمار. إنه ليس مساراً يمكن لأي شخص غربي تقدمي أن يتحرك فيه بسلاسة بمجرد أن يتحلى بقدر أكبر قليلاً من الراديكالية، وإنما يتطلب تحولاً جوهرياً في النظرة السياسية وتحديد الموقع، كما يتطلب من الشخص التقدمي أن يصبح "عدواً" من الخارج، وهو صيغة أُخرى لما يسميه الأميركيون الراديكاليون بحق وبصورة إيجابية "خائن لأهله". ولعدم وجود كثير من الغربيين على استعداد للقيام بتلك القفزة، فإننا نحن الذين ننظر إلى فلسطين باعتبارها فضاء للكفاح الاستعماري نجد أنفسنا في نهاية الأمر لوحدنا، ونشعر بأننا محاصرون من الواقع ذاته الذي يجب بدلاً من ذلك أن نشعر بأننا ننتمي إليه تماماً. وعلى غرار جميع المحاصرين، فإننا نحفر الأنفاق، وحتى مع كوننا مثقفين محاصرين، تأخذ كتابتنا شكل حفر نفق بهدف الوصول إلى خارج فضاء الحصار.

"سلاح النقد لا يمكن، طبعاً، أن يحل محل نقد السلاح، فالقوة المادية لا يمكن القضاء عليها إلاّ بالقوة المادية؛ لكن النظرية تغدو هي أيضا قوة مادية حين تستحوذ على الجماهير"، هكذا علمنا ماركس. وغالباً ما تُستخدم هذه الجملة لتسليط الضوء على مخاوف ماركس المادية: كان يبحث عن نظرية لها تأثير في العالم المادي، لا عن نظرية تطوف في العالم الأيديولوجي فتغير الأذهان في الوقت الذي تترك العالم الاجتماعي كما هو. ومع أنه يتم التطرق في كثير من الأحيان إلى هذا البعد، إلاّ إنه قلما يلاحَظ كم أن هذه الجملة أساسية في إطلاق وهم أو فانتازيا قابلية المنظّر الفكري الملتزم سياسياً للبقاء، إذا أردنا استخدام أحد مفاهيم التحليل النفسي. وإلى جانب الجملة الأُخرى الشهيرة: "الفلاسفة اكتفوا بتفسير العالم، بينما المطلوب هو تغييره"، فإنها حددت البنية التي ينبغي للمنظّر الراديكالي أن يطمح إليها إذا أراد لحياته الفكرية أن تكون قابلة للحياة، أي تستحق العيش. ولقد كان الأمر كذلك فعلاً، بالنسبة إلينا نحن المثقفين / المنظّرين الذين يتطلعون إلى أن يكون لهم تأثير سياسي في الواقع، فليس هناك ما هو أكثر أهمية من إيجاد موضوع جماعي "يستحوذ على" أفكارنا، ويتحول في خضم هذه العملية، إلى قوة مادية. وكمثقفين محاصرين موجودين في الغرب عند النقطة الراديكالية لعدم الانتماء، يصبح هذا هدف حفر النفق.

على امتداد العصر الحديث، كان لدى المثقفين الراديكاليين قوتان ماديتان ممكنتان هما: "الطبقة العاملة" و"المستعمَرون"، وقد اندمجوا أو تذبذبوا بين الاثنين، فمال المثقفون الغربيون إلى التواصل أكثر مع الطبقات العاملة في بلادهم، بينما مال المثقفون غير الغربيين أكثر نحو المستعمَرين. ومن نواحٍ كثيرة، تتمثل إحدى سمات ما بعد الحداثة في أزمة فانتازيا القدرة على البقاء، في حين شهد المثقفون الراديكاليون الاختفاء المتدرج لعلاقتهم، ليس فقط مع "الطبقة العاملة" و"المستعمَرين"، بل بأي موضوع جماعي محتمل أيضاً. لقد ازدادت صعوبة تحديد القوة المادية المقبلة، فعلى الرغم من وجود قوى اجتماعية عرضية ظهرت هنا وهناك، فإنها كانت مجرد أحداث عابرة قصيرة الأجل لم يُثبت أي منها أنه يمثل سمة هيكلية دائمة للمجتمع مثلما كانت "الطبقة العاملة" و"المستعمَرون". وفي الغرب، ربما تكون الحركات البيئية هي الاستثناء الوحيد فيما يتعلق بالاستمرارية، لكن المدافعين عن البيئة بالكاد يعبّرون عن توجه واحد في طموحاتهم السياسية، فهذه الحركة تضم في داخلها مجموعة من القوى الاجتماعية المحافظة والإصلاحية والراديكالية.

إن هذه الأزمة العالمية المتصلة بأهمية المفكرين، أثّرت في نظرائهم من المثقفين العرب الذين يواجهون أيضاً، أو الذين واجهوا فعلاً، وعلى الدوام، صعوبة في العثور على "الطبقة العاملة" العربية. كما أنه، وعلى غرار العديد من غير الغربيين في جميع أنحاء العالم، وربما مع انعطافة مريرة على وجه التحديد، رأى المثقفون العرب الراديكاليون الآمال التي عُلقت على النضالات العربية المناهضة للاستعمار تتحول إلى كوابيس عسكرية ما بعد استعمارية، و/أو كوابيس استبدادية. لكن هناك حقيقة واحدة جعلت الأمور مختلفة بصورة خاصة بالنسبة إلى المثقفين العرب: إنها حقيقة الاستعمار الاستيطاني في فلسطين. وإذا كان الاستعمار في بقية العالم يتحول إلى ما بعد حداثي وما بعد استعماري، فإن المثقفين العرب هم بين القلائل الذين ما زالوا يواجهون ما هو إلى حد كبير، وعلى الأقل في كثير من أبعاده الأساسية، ظاهرة استعمارية حديثة جداً ومباشرة للغاية. هذا ما يميز خصوصيات إسرائيل كمفارقة تاريخية: إنه مجتمع استيطاني عنيف قائم على أشكال صريحة من سرقة الأرض تتسم بقدر أكبر من خصائص الاستعمار الأوروبي في القرن الثامن عشر والتاسع عشر، ومع ذلك، هي حقيقة نراها اليوم ماثلة أمام أعيننا. وربما يكون هذا هو السبب الذي جعل النضال الفلسطيني ضد الاستعمار الإسرائيلي ـ على الرغم من أنه يحمل أشكالاً من الانحطاط السياسي التي ميزت حقبة ما بعد الاستعمار ـ يواصل تجسيد وإلهام شكل معاصر من الأمل المناهض للاستعمار. هذه هي الحال بالنسبة إلينا نحن المثقفين المحاصرين الموجودين في منطقتنا الراديكالية الغربية المتمثلة في عدم الانتماء، ونحن نحفر بشراسة نفقاً بحثاً عن ارتباط دائم ومستديم: هناك دائماً سمة من سمات المقاومة الفلسطينية للاستعمار يمكننا أن نتمسك بها، وإن لم يكن ذلك سوى نظرة التحدي في عيون الأطفال الفلسطينيين في مواجهة أسلحة جيش الاحتلال.

 

 

المقالة خاصة بـ "مجلة الدراسات الفلسطينية"، وكُتبت باللغة الإنجليزية بعنوان:

Thinking Palestine in/from the West: Colonialism and the Point of Radical Non-Belonging.

ترجمة: صفاء كنج.