mdf-fulltex

مجلد 30

2019

ص 142
الملف (فلسطين في مرايا الثقافة العربية)
فلسطين: بقايا ظلال
النص الكامل

أنتمي إلى جيل لم تكن القضية الفلسطينية بالنسبة إليه مجرد أرض مغتصبة، مع ما نجم عن الاحتلال من تشريد لشعب، وحروب متصلة مع دول الجوار العربي، ولم تكن فقط مسلسل صراع تحول إلى مسلسل بحث عن تسوية، بل كانت مجالاً عاطفيا امتزج فيه المقدس بالدنيوي أيضاً؛ فضاء حج إليه المغاربة لقرون طويلة من التاريخ، واستوطنوه، وانصهروا بأهله وأرضه، قبل أن يكون فكرة، وأدبيات ثورة، وفصائل عمل سياسي، وأيديولوجيات يسار، وفكراً تحررياً، وروايات، وأشعاراً، وأفلاماً ولوحات، ممتدة من إبراهيم طوقان إلى مريد البرغوثي، ومن إدوارد سعيد إلى محمود درويش، ومن غسان كنفاني إلى ناجي العلي...

وبناء عليه، فقد كان انتمائي، مع عدد كبير من كتّاب تسعينيات القرن الماضي، منذ مرحلة الحركة الطلابية، ليس فقط إلى عقائد أحزاب ومنظمات يسارية مغربية، بل إلى نظائرها في الفصائل الفلسطينية أيضاً، ولهذا حين أستعيد اليوم ذلك التعبير الأثير في أدبيات الحقل السياسي المغربي، عن اعتبار القضية الفلسطينية "قضية وطنية"، فلأنها كانت كذلك واقعاً لا مجازاً؛ لأن قسطاً غير يسير من شعارات الدولة، والأحزاب والنقابات المغربية، ومواقفها السياسية، وأدائها أمام الرأي العام، فضلاً عمّا تصدره من بيانات، وترتكز عليه في أدائها الإعلامي، لا بد من أن يتضمن إعلان موقف من مستجدات النضال الفلسطيني، من أجل استعادة الأرض، وعودة اللاجئين، واعتبار القدس عاصمة أبدية للدولة الفلسطينية المستقلة.

هل باتت هذه الصورة من الماضي؟ سؤال يُحال جوابه إلى ما تنطق به حصيلة التحولات المتسارعة للوعي الجماعي في المغرب الراهن، مثلما بات من الماضي شيء اسمه اليسار المغربي، والحركة الديمقراطية التقدمية المغربية. وذلك ليس لأن القضية الفلسطينية أُفرغت من محتواها القومي حين حُصرت في تفصيلات تسوية فلسطينية ـ إسرائيلية، ولا لأن الوجدان المغربي تخفف عبر مرور الزمن من انتمائه القومي الذي كان بين عناوينه الرئيسية "فلسطين" و"القدس"، وإنما لأن الصورة فقدت بالتدريج نسغها "التحرري" الذي كان يرسم مدارات الاختراق الفكري والثقافي للقضية الفلسطينة في الساحة العربية، ويمنحها الجاذبية لدى النخب ولدى الرأي العام، من المحيط إلى الخليج. وأيضاً لأنها توارت أمام الانهيار المتتالي لبلاد كانت بالأمس القريب كيانات ناهضة، من العراق إلى سورية وليبيا واليمن ومصر، وهي أقطار ارتبطت تاريخياً، في مجملها، بالشأن الفلسطيني.

هل تلاشت العقيدة التي ترى في فلسطين قضية وطنية في السياق الثقافي المغربي؟ أعتقد أن قضية فلسطين عُوّمت في مستنقع الشكوك والالتباسات الفكرية، بعد تفاقم الارتداد المطرد إلى الانعزالية الهوياتية (ولا سيما في نطاق الحركات الأمازيغية المتطرفة)، التي جعلت قسطاً ملحوظاً من المغاربة يجاهر بتطبيعه مع الكيان الصهيوني. وأضحى من النادر أن يثار نقاش اليوم، سواء على المستوى الرسمي، أو في المنظمات المدنية، يتناول مستجدات القضية الفلسطينية (الحصار؛ الاستيطان؛ تهويد القدس...)، وانحصر الأمر فيما يشبه الأداء التضامني (المالي تحديداً، لبيت مال القدس، التابع للجنة القدس التي يرأسها ملك المغرب)، وفي انشغال موسمي لروابط وجمعيات أهلية شُكلت للتضامن مع الشعب الفلسطيني، والتي غالباً ما ينحصر أداؤها في الدعوة إلى وقفات احتجاجية رمزية ضد الحصار، أو في أثناء الغارات المتكررة للجيش الإسرائيلي على غزة، وهو أداء شكلي في النهاية، وفاقد لروح التماهي مع القضية مثلما كان سائداً إلى حدود تسعينيات القرن الماضي. وأكبر دليل على تعويم القضية هو مرور قرار نقل السفارة الأميركية إلى القدس، الشبيه في خطورته بوعد بلفور، في ظل لامبالاة قاتلة، ومواقف تقصر حتى عن التصريحات السياسية للدول الغربية الداعمة التقليدية لإسرائيل.

لكن إذا عدنا قليلاً إلى الوراء من لحظة توقيع اتفاق أوسلو، إلى الانقسام الوطني الفلسطيني (سلطة غزة، وسلطة الضفة)، وانتهاء بانتفاضات الربيع العربي، نستطيع القول، بقدر غير قليل من الثقة، إن صورة فلسطين، لحظة انتقالها من حضن حركة "التحرير" إلى "السلطة"، مع ما استتبعه هذا التحول من تخفف متدرج من الالتزام النضالي بمبادىء تربط استرجاع الأرض ببناء مجتمع وثقافة سياسية قائمة على ركائز الديمقراطية والعلمانية وتداول السلطة والتقاسم العادل للثروة الوطنية والمساواة في الحقوق، قد تحولت إلى مجرد عيّنة من عيّنات متعددة لأزمة السلطة في العالم العربي، وأعطابها، وارتهانها الدائب لأبوية متجددة. وبتعبير آخر أضحت نسخة أُخرى من النسخ المحلية للنظم التقليدية التي يسعى المواطن العربي لتخطّيها وإسقاطها. كما أن تحليل مستقبلها اليوم لم يعد ينفصل عن تحليل أشكال الاستبداد والفساد وتغوّل الإسلام السياسي في المجتمعات العربية، وما جرّته من ويلات وخيبات ودمار لروح النهضة العربية الحديثة وتطلعاتها.

من هنا يمكن أن نفهم كيف انزوت بالتدريج فلسطين ـ القضية، وكيف أضحت بعيدة عن اهتمامات عدد كبير من أفراد جيلي من الكتّاب والباحثين والنقاد ممّن كان لهم دوماً اصطفافات سياسية وطنية وقومية، ليتحول نقاش القضية، في مقامات متنوعة، إمّا بصفتها منجزاً فكرياً وأدبياً وفنياً مشتركاً، وإمّا باعتبارها جزءاً من معضلة جماعية لا تمتلك فيها القضية الفلسطينية أي امتياز: أي أن النقاش تحول في اتجاه إشكالية السلطة في البلاد العربية.

أذكر في هذا السياق أنني حين كنت بصدد العمل على كتابي "الفتنة والآخر: أنساق الغيرية في السرد العربي"، توقفت عند مفهوم "فتنة الشرق" في متخيل المغاربة، والذي كان من ركائزه الأساسية فلسطين وحركاتها التحررية، وتوقفت عند روايات: "مبارك ربيع" و"أحمد المديني" و"خناثة بنونة" وروائيين آخرين ممّن استقطبوا فلسطين لمداراتهم التخييلية، لكن في مرحلة معينة من التحليل عجزت عن تبيّن هذا الولع في العقدين الأخيرين، حين توقف الروائيون المغاربة عن استدعاء الأمثولة، بل إنني أحسست كأن تلك الصورة مُحيت، وبقي فقط هيكل قديم يطفو على السطح بين الفينة والأُخرى في قصيدة قد تُكتب كمرثية لشهداء فلسطينيين جدد؛ أقول قصيدة ولا أقول قصة ولا رواية ولا فيلماً ولا لوحة تشكيلية ولا منحوتة، في السياق الإبداعي الأدبي والفني المغربي الراهن.

هل انتهت القضية بصفتها مصدر إلهام فني وأدبي وثقافي؟ الحق أنها إلى حد كبير كفّت عن الوجود من حيث هي رافد مؤسس ومنتج للأثر، في المغرب الثقافي، لكنها لم تنتهِ بصفتها كياناً عاطفياً متغلغلاً في الوجدان الجماعي. كما أن استمرار الإيمان بأخلاقية فكرة مناهضة التطبيع لدى شرائح واسعة من المجتمع المغربي، يتجلى أيضاً بالرفض لتسلط أنظمة استبدادية بات يزعجها استمرار القضية، وتسعى لإنهائها بأي ثمن.

انطلاقاً من هذه الاعتبارات كلها يمكن أن نفهم ذلك النقاش الذي لا يزال له وقع ثقافي، كلما تعلق الأمر بزيارة كاتب مغربي للضفة الغربية أو للداخل الفلسطيني، عن مدى أخلاقية ذلك الفعل. بيد أن هذا النقاش سرعان ما ينطفىء ولا يكون له أي امتداد قاعدي، إذ تفاقمت قضايا محلية شديدة التعقيد، ولم يعد من الممكن الاستمرار في جعل "فلسطين" استعارة لها، ومدخلاً لنقاشها، فصارت تلك القضايا المحلية المباشرة عنواناً جديداً للاحتجاج، وسطراً له شعار: "تازة قبل غزة" ( تازة مدينة في الشرق المغربي، وهي عبارة تبريرية متداولة)، فللمغرب كما لسائر البلاد العربية لاجئوه، ومعتقلوه السياسيون، وشهداؤه إن لم يكن فوق الأرض، ففي عرض البحر.