mdf-fulltex

مجلد 30

2019

ص 135
الملف (فلسطين في مرايا الثقافة العربية)
الحكي عن فلسطين في ثلاثة فصول
النص الكامل

 

الفصل الأول

 

الزمان: أيلول / سبتمبر ٢٠٠٠

المكان: الفصل "أ"، الثالث الابتدائي

 

كيف حدث وتلاقت البدايات، فتصادف كل من اللقاء الأول، والمعلمة الأولى، وكذلك السنون الأولى، مع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية، فتداخلت الحدود الفاصلة بين اللغة والأدب والزمن، تداخلاً جعل من كل منها امتداداً للآخر؟

لا يغيب عن ذاكرتي غير المستقرة أول لقاء جمعني بالأدب، أو جمعه بي، لا أعرف أي التعبيرين أصدق. لقاء في مطلع الألفية الثالثة صيغت تفصيلاته داخل فصل مدرسي سعى بين جدرانه عشرون طالبة، وجاء مدبَّراً من طرف معلمة اللغة العربية ذات الشعر الأحمر الكاريه، الأستاذة ف.

قصتي مع فلسطين تبدأ عند هذه المصادفة، وخصوصاً في أواخر أيلول / سبتمبر٢٠٠٠، حين كنت طالبة في المرحلة الابتدائية في إحدى مدارس مصر الجديدة في القاهرة. كنت قد سمعت أشياء على مدار اليوم توحي بأن أمراً جللاً يحدث في أرض فلسطين. بقيت على حيرتي إلى أن حان موعد العودة إلى البيت، وما إن صعدت إلى السيارة مع والدتي حتى انهلت عليها بوابل من الأسئلة عمّا وصفه المعلمون بالانتفاضة، وعن كونها ثانية، وعن سابقتها الأولى؛ والأهم من هذا كله، تساءلت عن سبب انتفاض الفلسطينيين والحكمة اللغوية وراء اختيار لفظ الانتفاضة للتعبير عن الحدث. وعلى الرغم من عدم تذكري تفصيلات ما قالته أمي في محاولة الرد على تساؤلاتي الملحة، فإنني أتذكر جيداً كيف أمضينا ليلتنا أمام شاشة التلفاز نشاهد الصور واللقطات الحيّة التي كانت تُبثّ لثوار فلسطين، والتي بقيت محفورة في ذاكرتي.

في اليوم التالي، وعند بداية حصة اللغة العربية، دخلت علينا الأستاذة ف.، وكانت فلسطينية، وأعلمتنا نبأ تخصيص فقرة طابور الصباح في اليوم التالي لما "يحدث في فلسطين"، كي تتداول الطالبات قراءة نشرة الأخبار المدرسية، بالتركيز على آخر تطورات الموقف هناك، ثم إلقاء مقاطع شعرية. أناطت المعلمة بي مسؤولية إلقاء المقاطع الأولى من قصيدة مشهورة غنتها السيدة فيروز، فأمضيت ليلتها أتدرب على إلقائها بعد أن كانت الأستاذة قد شرحت لي بالتفصيل معنى القصيدة. وعلى الرغم من أن فكرة تخصيص الطابور الصباحي لمثل هذا الحدث لم تكن إلاّ إجراء روتينياً من طرف إدارة المدرسة، وكذلك اختيار القصيدة التي كانت مفعمة بالكليشيهات، فإنني وجدت في شغف أستاذة اللغة العربية بالقصيدة، وفي حماستها تجاه فكرة إلقاء الشعر كفعل تشاركي مع المنتفضين في أرض فلسطين القريبة ـ البعيدة، إيماناً ملهماً بأهمية الأدب كأصدق ممثل للتجربة الإنسانية. حفظت القصيدة عن ظهر قلب، حتى زال أي اغتراب سبق أن حال بيني وبينها، وكانت هذه المصادفة الشعرية باكورة علاقتي بالأدب، وخصوصاً بالشعر، فتوالت المشاركات في مسابقات الإلقاء الشعري التي كانت تنظَّم على مستوى مدارس المنطقة. لكن لعل الحدث الأهم هو أنني، ومنذ لحظة وقوفي مرتبكة في طليعة طابور الصباح محاولة إلقاء قصيدة عن حدث بعيد ـ قريب، أحببت كثيراً الحكي عن فلسطين.

 

الفصل الثاني

 

الزمان: شباط / فبراير ٢٠١١

المكان: الجامعة الأميركية في القاهرة

 

أخيراً بدأ الفصل الدراسي بعد عدة تأجيلات بسبب ثورتنا الجليلة. وصلت إلى الجامعة، واتجهت لحضور أول حصة من درس عن الصهيونية واليهودية الحديثة تقدمها دكتورة في قسم التاريخ لم أكن قد درست معها من قبل، وسط تحذيرات من زملائي بأنه كورس "تقيل"، وأن فرص الـ "A" فيه لن تكون كبيرة.

ما إن دخلت الفصل حتى وجدت شيرين صيقلي واقفة في الأمام ترحّب بالطلاب الوافدين واحداً تلو الآخر. ابتسمت لي ثم علقت على زيي مداعبة: لابسة أسود وأحمر وأبيض؟ فضحكت لأنني لم أتقصد مثل هذه المواءمة. شعرت بودّ سريع تجاه هذه الدكتورة الحيفاوية، ربما لأنني، وعلى مدار الأسابيع السابقة للقائنا، انشغلت كثيراً بمقاربة ما كان يحدث في ميداننا بفلسطين، كأنني وجدت في حماسة الثورة ملامح من الانتفاضة الثانية التي حفظتُ صورها عن ظهر قلب، أو ربما لأنني وجدت في مداعبة د. شيرين تشديداً ضمنياً، حتى إن كان غير مقصود، على مثل هذا الربط. المهم أنه سرعان ما زال قلقي من صعوبة الفصل، وخفّ معه هوسي الشديد بالعلامات.

وبدأنا. وعلى مدار الأشهر اللاحقة، قادتنا د. شيرين في رحلة عن بدايات الحركة الصهيونية وتطورها، مروراً بمأسسة المشروع الاستيطاني الصهيوني، ثم تداعيات هذا التأسيس على فلسطين. بدأنا حيث كان يجب أن نبدأ، تماماً عند إدوارد سعيد، فكان التعريف بالاستشراق كمدخل أساسي لفهم ما حدث في فلسطين. شغلتني علاقة السيادة الثقافية وفكرة تكوين "الخطاب" كامتدادَين للقوى السياسية التي تحكم هذا العالم. وتوالت الفصول مع د. شيرين، فسجّلت في فصل ثانٍ عن الدولة والمجتمع في الشرق الأوسط، ثم في سمينار عن الشرق الأوسط في القرن العشرين.

احتل الأدب، والتعبير الفني بصورة عامة، مساحة ليست بصغيرة في هذه الفصول، إذ لم يكن دوره مقتصراً على مجرد كونه مكملاً للمادة التعليمية المقدَّمة، بل كشريك أساسي في محاولة فك طلاسم التاريخ تلك. فكانت فصول د. شيرين بمثابة تثوير لثنائية الأدب والتجربة الإنسانية التي عرّفتني إليها الأستاذة ف. لتنبثق عندي ثلاثية فلسطين والأدب والتاريخ.

ولذلك أعدّ نفسي محظوظة. فإن قلنا إن أول عهدي بالأدب ومعرفتي به كانحياز إلى التجربة الإنسانية جاء خلال فترة المدرسة، فالفضل في أن يتخذ انشغالي بفلسطين بعداً أكاديمياً وأنا طالبة جامعية يعود إلى الدكتورة شيرين. وهذا الأمر أيقنته بعد عدة أعوام من تتلمذي على يدها، وخصوصاً في اللحظة التي دخلت مبنى عتيقاً له شرفة واسعة تطل على مسجدَي الرفاعي والسلطان حسن. وهذه حكاية ثالثة.

 

الفصل الثالث

 

الزمان: كانون الثاني / يناير ٢٠١٧

المكان: درب اللبانة

 

وأنا أتمم عامي الأول كطالبة ماجيستير في الأدب العربي، سنحت لي فرصة الانضمام كزميل زائر في معهد القاهرة للعلوم والآداب الحرة (سيلاس)، حيث قدمت مساقاً عنوانه "السرد الفلسطيني في الأدب العربي الحديث"، أو ما أحببت وصفه بشكل غير رسمي بـ "الحكاية الفلسطينية". ركز المساق على أدب ما بعد النكبة، وخصوصاً الرواية الفلسطينية وتطورها كفعل مقاومة ضد المشروع الصهيوني ومحاولاته محو الذاكرة الجماعية الفلسطينية.

على مدار ما يقرب من ثلاثة أشهر، كنت أنا والطلبة المسجلون في المساق ـ وكنا عشرة ـ نجتمع في مغرب كل ثلاثاء لنناقش رواية جديدة. لم يكن ما نفعله تسيير نقاش بالمعنى الرسمي والممل للكلمة: تخيلوا معي، غرفة في شقة قديمة في درب اللبانة بحي القلعة، تتوسطها طاولة خشبية معروض عليها صينية من المعمول السوري رُصّت حولها فناجين من الشاي، محاطة ببُسُط مفروشة على أرضية الغرفة نجلس عليها مكوّنين دائرة صغيرة. وما إن يبدأ أحدنا بالكلام عن النص حتى تستأثر بنا حكاية طويلة دائماً ما يصعب علينا اختتامها عند حلول الثامنة والنصف، موعد انتهاء الفصل. في تلك الغرفة أيقنت أن الرواية أبداً لا تقف عند حدود تفصيلاتها، ولا عند غسان كنفاني، ولا جبرا إبراهيم جبرا، ولا إميل حبيبي، وغيرهم من الروائيين، وأن الأدب، كونه أصدق معبّر عن الإنسان في سعادته ومأساته معاً، لا يمكن تقييده ببقعة جغرافية معينة، بل إنه موجود تماماً لنقد مثل هذا الطرح. والأهم أنني اكتشفت أن هذا الفصل الذي زعمت أنني مخرجة تفصيلاته، هو في كثير منه إعادة إنتاج لما سبق أن تعلمته من مدرِّستَي الفلسطينيتين، فأصبحت ساعات المغربية في سيلاس بمثابة امتداد للحظة وقوفي في طابور الصباح من أيلول / سبتمبر ٢٠٠٠ محاولة إلقاء قصيدة كفعل تضامني مع فلسطين، وكذلك في محاولاتي فهم تفصيلات علاقة الأدب المشتبكة بالتاريخ في فترة الجامعة. ولعلّي بعد هذه الاكتشافات، وبعد أن أيقنت أن حكايتي مع فلسطين طويلة بطول عمري كله، أصبحت أجد أريحية ما في الإجابة عن السؤال الملحّ إياه: هو أنتِ بتحبي فلسطين ليه؟ هو أنتِ فلسطينية؟

لا يا سيدي (أو يا ستي) أنا مش فلسطينية. بس بحب أحكي عن فلسطين.