mdf-fulltex

مجلد 30

2019

ص 120
الملف (فلسطين في مرايا الثقافة العربية)
لم أعد أفكر في فلسطين كثيراً!
النص الكامل

 

وقد أتى عليّ حين من الدهر، كنت أفكر فيه في فلسطين كثيراً، أكثر ربما ممّا ينبغي لغير الفلسطيني أن يفكر فيها. ولم أكن في ذلك وحدي، وللأسف لا أظن أنني الآن وحدي الذي لم يعد يفكر في فلسطين، مثلما كان يفكر فيها من قبل.

لا زلت أذكر حلم يقظة طويل في الطفولة، راودني بعد أن قرأت قصة لكاتب الأطفال محمود سالم، عن حبة سحرية تمكّن مَن يتناولها من القدرة على التخفي، ليصبح قادراً على فعل ما يشاء من دون رقيب أو حسيب. كنت وقتها حديث عهد بالاهتمام بفلسطين وشؤونها، وكان الاجتياح الإسرائيلي للبنان قد وقع للتو؛ كنت في الثامنة وقتها، وبدأت أسمع من أبي وأمي وخالي حديثاً متكرراً عن مذابح متفرقة تعرّض لها الفلسطينيون، مذابح كنت أحفظ أسماءها قبل أن أعرف ملابساتها: دير ياسين؛ تل الزعتر؛ الطنطورة؛ صبرا وشاتيلا؛ كفر قاسم. أفزعني ما كنت أسمعه وما بدأت أقرأ عنه، وأصبحت أرى الشر المطلق متجسداً في وجه مناحم بيغن الذي كان متكرراً في الصحف والمجلات التي تدخل بيتنا، ولذلك لم يكن غريباً أن أحلم مراراً وتكراراً بتناول حبة الإخفاء السحرية، لأقتحم مكتب بيغن وأقوم بتصفيته ومغادرة المكان وسط ذهول حرّاسه. وفي كل مرة كنت أقوم بسدّ الثغرات الدرامية غير المنطقية في الحلم: كيف سأصل إلى إسرائيل؟ كيف سأعرف عنوان بيغن؟ من أين سأحضر السلاح؟ وكيف سأعود إلى البيت؟

كانت تلك أول عملية تأليف درامي أقوم بها، ولذلك استغرق إنجازها في خيالي بعض الوقت. وبعد مرور فترة تعاقبت فيها محاولاتي لتطوير الحلم، أضفت إلى الحلم الطويل بعض "التحابيش" التي تضم مضاجعة مقاتلات إسرائيليات كنت قد رأيت صورة لهن في إحدى المجلات، وشعرت بالخجل لأن نيتي لم تكن صافية لوجه فلسطين، فتلوث حلمي الطاهر بتحرير فلسطين بأفكاري المدنسة التي لم تدرك أن "عشق الروح مالوش آخر، لكن عشق الجسد فاني". ارتبكت حين عرفت بعد فترة وجيزة أن بيغن لم يعد يحكم إسرائيل، ولم أفهم كلمة "استقالة" التي قرأتها في الصحف، إذ لم أكن قد سمعت عنها من قبل، لكنني استبدلت بيغن على الفور في الحلم بخليفته يتسحاق شمير. واستمر تطويري لتفصيلات حلمي الذي سيحسم صراعنا مع إسرائيل، حتى وقعت انتفاضة الحجارة فقضت على حلمي الذي بدا لي شديد التفاهة ولا علاقة له بالبطولة ولا بالبسالة، إذ كيف ستحترم نفسك حين تتخفى بفعل حبة سحرية، لتقتل رئيس حكومة إسرائيل، في الوقت الذي ترى طفلاً يواجه دبابة بحجر؟

من أجل فلسطين، شاركت في أول تظاهرة في حياتي، لتتكرر مشاركتي في التظاهرات عقب كل مجزرة ترتكبها إسرائيل، وعقب كل انتفاضة يغيّر فيها الفلسطينيون شكل أحلامنا بتحرير فلسطين. في صحف الحائط المدرسية وموضوعات الإنشاء ودفاتري الخاصة، كتبت كثيراً عن فلسطين، كتابات خطابية ومتحمسة وساذجة أحياناً، لكنني كنت أصدقها وأشعر بأنها أقل ما يمكن فعله لمساندة الطفل الواقف أمام الدبابة. حين عملت في الصحافة، دخلت في معارك كثيرة ضد مَن كنت أعتبرهم يساعدون العدو في اغتصاب فلسطين إلى الأبد، بحديثهم عن التسوية والتفاوض والتنازلات والواقعية، لكنني اكتشفت بعدها أنني كنت منشغلاً بالدخول في "خناقات" ومعارك عن فلسطين، أكثر من انشغالي بمعرفة فلسطين والفلسطينيين، وأصبحت ألوم نفسي لأنني لم أكتب كثيراً عن فلسطين، بقدر ما كتبت في هجاء مَن أراهم يخونون فلسطين.

حين زرت الجنوب اللبناني بعد تحريره، ذهبت إلى بوابة فاطمة، ولم أشعر برغبة جارفة في تنفيذ ما كنت قد عزمت عليه بأن ألتقط حجراً وأرميه على العدو في الجانب الآخر، مثلما رأيت إدوارد سعيد يفعل من قبل، فقد كنت لا أزال "مكبوساً" من تأثير زيارة معتقل الخيام الذي قدمت منه للتو، أحاول مغالبة شعوري بالفزع بعد أن شاهدت الزنزانات الانفرادية، وأحاول التوقف عن البكاء منذ أن قرأت كتابات المعتقلين على حيطانها. جلست على أقرب نقطة ممكنة من أرض فلسطين وبكيت مجدداً، ثم غنيت مع فيروز: "كانت لنا من زمان بيارة جميلة وضيعة ضليلة ينام في أفيائها نيسان، ضيعتنا كان اسمها بيسان"، تلك الأغنية التي كانت أحب أغنية عن فلسطين إلى قلبي، مع أنني ما زلت حتى الآن لا أعرف موقع بيسان على الخريطة.

تغير كثير في تفكيري عن فلسطين، حين عشت في سنة 2006 اختبار الحياة تحت القصف الإسرائيلي لبيروت، فقد رفضت آنذاك الخروج مسرعاً من بيروت بعد أن بدأ العدوان الإسرائيلي عليها، وتذكرت لحظة سنة 1982، والتي بدأت معها علاقتي بفلسطين، وتملكتني رغبة في معاندة قدرة إسرائيل على فرض الأمر الواقع على بيروت، مثلما تفعل في غيرها، فبقيت أنا وزوجتي في بيروت وقتاً أطول ممّا كان يجب، وجربت الخوف مثلما لم أجربه من قبل، ورأيت حيرة الناس العاديين وقلقهم وضيقهم، حين يُفرض عليهم الدخول في معارك لم يختاروها، وبدأت أفكر بشكل مختلف في الفلسطيني الذي نتضامن معه دائماً من دون أن نختبر مشاعره، فنطالبه بالصمود والتصدي، ونستهجن لو طالب بالهدنة أو تحدث عن السلام؛ نحبه شامخاً متحدياً، ونستغربه باكياً متصدعاً، ولا نفهم لماذا ينضم إلى أحزاب متصارعة، مثلما يفعل الناس في كل مكان من العالم، ولا نتحمس له حين ينتج أدباً وفناً لا علاقة له بالمقاومة والشهداء والكفاح المسلح، ولا نبحث في أي فلسطيني إلاّ عن صورة الفلسطيني مثلما ألفناها وتعودناها. وعاهدت نفسي منذ ذلك الوقت أن أفكر في الفلسطيني ومطالبه وأحلامه ومخاوفه، أكثر من تفكيري في رغبتي في الحديث عن مطالب الفلسطيني وأحلامه ومخاوفه، وأصبحت حريصاً على الكتابة عن فلسطين وما جرى لشعبها وما يفكر فيه أدباؤها وفنانوها ومثقفوها، أكثر من حرصي على كتابة تصوراتي الخاصة عن فلسطين.

في العقد الأخير تغير مزيد من شكل تفكيري في فلسطين، فأنا حين أرى الجرائم التي يرتكبها الجنود الإسرائيليون بحق المتظاهرين الفلسطينيين العزّل في مسيرات العودة والتظاهرات المتضامنة معها في المدن الفلسطينية المحتلة، لا أستطيع منع نفسي من التفكير في آلاف المتظاهرين العزّل الذين قتلتهم الجيوش العربية بدم بارد في سورية ومصر وليبيا واليمن، وأقول لنفسي: لعل بنيامين نتنياهو يحسد عبد الفتاح السيسي وبشار الأسد على قدرتهما على العربدة الكاملة من دون أن تهاجمهما صحافة، أو يسائلهما عضو في برلمان. أصبحت حين أسمع كلمة مذبحة لا يتبادر إلى ذهني فقط المذابح التي حفظت أسماءها وأنا طفل، فقد أضيف إليها الآن مذابح رابعة وحمص ودرعا وحلب والمنصة. أصبحت حين أرى ما يُنشر عن أوضاع الأسرى الفلسطينيين في سجون إسرائيل، أشعر بالخزي حين أدرك أنها أفضل من أوضاع الأسرى العرب في معتقلات الأنظمة العربية. أصبحت حين أسمع كلمة الاحتلال أفكر في الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين والاحتلال الأميركي للعراق واحتلال الأنظمة العربية القمعية لبلادها واستحلالها لحرمات ومقدرات شعوبها، وبات يملأني سخط خانق مرير لم أعهده من قبل، على الجنرالات العرب والقضاة العرب والمخبرين العرب والمنافقين العرب الذين لم يكفهم كل ما ارتكبوه من جرائم التفريط في الحق الفلسطيني، واستخدام القضية الفلسطينية كحجة للنهب والسلب والقمع، فأضافوا إليها الآن جريمة غسل سمعة إسرائيل، وجعلها على الرغم من جميع جرائمها ومجازرها تبدو أقل وحشية، مقارنة بما يفعله حكام الأنظمة "الوطنية" بشعوبهم، ولذلك أصبحت أراهم مثل إسرائيل تماماً: عدواً واضحاً صريحاً، لا خلاص لي ولأبناء العرب إلاّ بالتخلص من احتلاله الكريه الذي يحرمنا من حقنا في الحرية والكرامة والعدالة.

مؤخراً ضبطت نفسي متلبساً بحلمي الساذج القديم باستخدام حبة الإخفاء السحرية، لكن الهدف لم يكن إسرائيلياً هذه المرة. لم يُشعرني حلمي الجديد بالنشوة الغامرة التي كان يُشعرني بها حلمي القديم، لأنني أصبحت أعرف أن طريق خلاصنا "طويل ويطول"، وأن فلسطين لن يحررها إلاّ أحرار، وأن أكثر الآراء وجاهة فيما يتعلق بالصراع العربي ـ الإسرائيلي قيل في لحظة ما، في السبعينيات ربما، لحظة ربما بدت لكثيرين عنترية وخطابية، مع أنها كانت رمية عقلانية من دون رامٍ، رأي لخصته عبارة تقول: "الطريق إلى تحرير فلسطين يبدأ بتحرير العواصم العربية".