mdf-fulltex

مجلد 30

2019

ص 117
الملف (فلسطين في مرايا الثقافة العربية)
أسئلة فلسطين لم تثمر سوى أسئلة
النص الكامل

 

أسئلة فلسطين لم تثمر سوى أسئلة

 

كان الأستاذ السوري أبو عزمي، في الفصل الرابع الابتدائي، يقول لكل طالب مشاغب: لو علمت بك إسرائيل لاتخذتك جاسوساً لها.

يومها لم أكن أعرف ماذا تعني إسرائيل، كما لم أعرف ما هي فلسطين حتى وصلنا إلى دروس الجغرافيا والتاريخ.

بعدها، وحين صرت في عمر المراهقة، كنت أتردد على المنتديات الأدبية بقصائدي الشعرية القليلة التي كان معظمها موجهاً إلى فتاة انجذبت إليها. كانت جميع الفاعليات الأدبية التي يقيمها اتحاد الأدباء والكتّاب اليمنيين في تعز تقام لذكرى الثورات اليمنية والاستقلال (26 أيلول / سبتمبر 1962؛ 14 تشرين الأول / أكتوبر 1963؛ 30 تشرين / الثاني نوفمبر 1967)، وكذلك ذكرى مولد النبي محمد.

ومع كل حدث يجرى في فلسطين كان هناك أمسية شعرية يصدح شعراؤها ضد "إسرائيل وحليفاتها الدول الإمبريالية". ولأن الفتاة التي أحببتها كانت تتردد دائماً على هذه الأمسيات وعلى كتفيها الشال الفلسطيني الشهير، فقد كتبت قصيدة بعنوان "ذات الشال الفلسطيني"، ليُسمح لي فوراً بالمشاركة في إحدى هذه الأمسيات، على أساس أن القصيدة موجهة إلى مناضلة فلسطينية! وللأسف، غابت حبيبتي في تلك الأمسية.

بعدها، وجدتني أقرأ دواوين محمود درويش وسميح القاسم وفدوى طوقان وتوفيق زيّاد، وأسمع أغاني مرسيل خليفة، كي أستهلم منها قصائد أُخرى تتيح لي المشاركة في أمسيات مقبلة تكون فيها حبيبتي موجودة، وهو ما حدث فيما بعد. ففي إثر حصار بيروت في سنة 1982، نُظّمت مسابقة شعرية عن الحدث فزت فيها بإحدى جوائز المسابقة. وإذ سُمح لي أن أقرأ القصيدة الفائزة، فإنني ما إن أنهيتها حتى أضفت إليها قصيدة "ذات الشال الفلسطيني"، مخالفاً رغبة المنظمين، وبالتأكيد كنت أشير بإصبعي إلى الفتاة التي كانت تجلس بين الحضور وسط اندهاش الجميع.

وهكذا، صار حال فلسطين موضع تدريب لي على كتابة الشعر، بقصائد كثيرة كان يشذّبها الشاعران محمد عبد الباري الفتيح، وعبد الله قاضي.

وأول تظاهرة سمحت بها السلطات، وشاركت فيها، كانت مناصرة لفلسطين.

لم يعد الأمر يتعلق بهوى أو انجذاب نحو فتاة تتزين بالشال الفلسطيني، وإنما بانشغال دائم في كل ما يتعلق بهذا الشعب المنكوب والمعذب. بقيت أتابع وأقرأ الأدب الفلسطيني، وكل ما يُنشر من أدبيات عن تاريخ فلسطين وتحولاته مع الاحتلال الإسرائيلي. وكان أكثر سؤال يشغل هواجسي، وأنا أتابع تهجير الفلسطينيين وتشريدهم من مدنهم وقراهم، هو: هل يمكن لإنسان أن يبقى طوال حياته بلا وطن؟

عادة ما كانت السلطات العربية ترفع اسم فلسطين كقضية قومية أولى، لها أولوية على جميع القضايا الوطنية القطرية الأُخرى، وبعضها، كما صرت أدرك لاحقاً، يبرر تضييقه على الحريات السياسية بوجود قضية كبرى على الجميع الاصطفاف معها، وهي قضية فلسطين. وفي المقابل، كنت أجد أن الشعب الفلسطيني، وعلى الرغم من ظروف الاحتلال والتشرد، عصيّ على التدجين أو القولبة، وأنه يمارس ديمقراطيته بشكل لافت وغير مسبوق في الدول العربية كلها، فمن خلال الصحف والمجلات الفلسطينية التي كانت تصلنا عرفنا أن هناك قوى وأحزاباً سياسية متنوعة، وأنها على الرغم من اتفاقها على مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، تختلف في رؤاها وبرامجها وخططها لكيفية المواجهة.

لهذا، صارت فلسطين بالنسبة إليّ نافذة لتعلم الديمقراطية. عرفت من خلال تتبّع حيوات شعبها العظيم، أن هذا الشعب على الرغم من المعاناة كلها، قادر على الإبداع والخلق في التعامل مع مأساته.

كبرتُ وكبرت معي المأساة. وإذ شهدت كثيراً من التحولات، بما في ذلك مفاوضات واتفاقيات السلام مع إسرائيل، وما آلت إليها على صعيد التنفيذ، بقيت أتساءل عن جذور هذا الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، أو الصراع العربي ـ الإسرائيلي؛ وبصيغة أُخرى الصراع الإسلامي ـ اليهودي: لماذا وكيف وإلى أين؟

هل من الاعتيادي أن أفتح عينيّ منذ أن ولدت، وأغمضهما عند الموت، على هذا الصراع الذي لا ينتهي؟ وهل فعلاً لن ينتهي؟

لقد انفتحت على الأدبيات اليهودية، وقرأت تاريخ اليهود في مختلف دول العالم، وقبل ذلك وجودهم في المنطقة التي صارت تُعرف بالعربية! لكن ما هو أساس هذا الصراع، إذا كان هناك من أساس، وكيف اتخذ شكله ليصبح محصوراً ومعايناً على هذا النحو الفلسطيني ـ الإسرائيلي؟

اختبرت حياة اليهود ومحاولات تهجيرهم من الدول العربية، وبالذات اليمن، أكان ذلك مع نشوء الحركة الصهيونية بصيغتها الحديثة، أم من خلال تلك الدعوات الدينية التي سبقتها، والتي ترجع إلى بداية الصراع الديني، بين الإسلام واليهودية من جهة، والإسلام والمسيحية من جهة أُخرى، وهو الصراع الذي كان يتخذ من التقسيم الجغرافي منطلقاً له، مثلما تبيّن الأدبيات التاريخية والدينية العربية.

وأهم من هذا كله، هو اقترابي من يهود اليمن وزيارتهم، فقد سمعت شكواهم من الممارسات العدائية من طرف بعض اليمنيين، والتي يقومون بها انتقاماً لما يجرى للفلسطينيين على يد الإسرائيليين في الأراضي المحتلة، بينما هم (يهود اليمن)، مثلما كانوا يقولون، متمسكون بالبقاء في اليمن، ويعلنون في معظم الأحيان عدم تأييدهم، بل رفضهم، للسياسات الإسرائيلية؛ وذلك في بيانات بدت كأنها تُطلب منهم، أو أنهم يقومون بإصدارها على أمل بأن تقيهم المضايقات المتوقعة.

وحين اعتدت جماعة من أتباع الحوثي في سنة 2007 على عدد من اليهود في قرية آل سالم في صعدة، شمال اليمن، بحجج واتهامات إضافية أُخرى تتعلق بشكل طقوسهم الدينية التي يقومون بها في منازلهم، قامت السلطة اليمنية بنقلهم إلى صنعاء، حيث عاش قسم منهم في مدينة سكنية شبه مغلقة، بينما بقي بعضهم الآخر في قريتَي ريدة وخارف في محافظة عمران شمالي صنعاء. وإذا كانوا في السابق يدفعون ضريبة مالية (جزية)، بحسب الشريعة الإسلامية، فإنهم صاروا يتلقون مساعدات مالية من الدولة بسبب عدم قدرتهم على العمل، بعد فقدهم أملاكهم في صعدة، وهي حال تشبه حال يهود ريدة وخارف في محافظة عمران، الذين يعيشون في فقر لا يستطيعون تجاوزه بسبب محدودية مهنهم المتواضعة الدخل: النجارة؛ الحدادة؛ إصلاح الأحذية؛ العمل الموقت في الزراعة لدى ملاّك الأراضي من المسلمين.

ما شاهدته من أحوال يهود اليمن، وأثر الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي في حياتهم، فضلاً عن المواجهات الدائمة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وتعنّت السلطة الإسرائيلية في رفضها القرارات الدولية، بل عدم تنفيذها الاتفاقات الثنائية مع الفلسطينيين، أمور حفزتني على مواصلة البحث عن إشكاليات هذا الصراع، وإن ذهبت هذه المرة نحو التساؤل عن مفهوم الوطن كفكرة وممارسة، وماذا يعني الوطن، والفرق بين الوطن المحقق والوطن الحلم. فلم أجد غير الرواية لأثير فيها أسئلتي هذه، فكانت رواية "اليهودي الحالي" (دار الساقي، بيروت 2009)، وبعدها "بخور عدني" (دار الساقي، بيروت 2014).

في الحقيقة، وعلى الرغم من انشغالي لأعوام في البحث والأسئلة، فإنني لم أصل إلى جواب لأسئلتي؛ وربما بسبب ذلك كتبت الرواية، فلو كنت أملك أجوبة لما كتبت.

لقد صار هذا الصراع، بالنسبة إليّ، مدخلاً لأسئلة وجودية لا حد لها، وجميعها يتعلق بإشكالية الوطن والبديل منه. فهل الوطن ضروري؟ وهل يمكن أن تتحقق ذواتنا من دونه، أو مع بديل منه؟ لماذا يعلو إلى درجة المقدس، في مقابل تهميش الإنسان، ويصير له سطوة قاسية في حياتنا منذ الولادة إلى الموت؟ وما الوطن في مقابل المنفى؟ وهل يمكن أن يتحول هذا المنفى إلى وطن؟

وإذ لم أجد الأجوبة التي كنت أتوخّاها، فإني تابعت باهتمام ما نُشر من ملاحظات على روايتَي لعلّي أجد بعض الأجوبة، لكنني لاحظت أن تلك الملاحظات باختلافها وتناقضها، أثارت، هي الأُخرى، أسئلة جديدة.