mdf-fulltex

مجلد 30

2019

ص 96
الملف (فلسطين في مرايا الثقافة العربية)
فلسطين أيقونتي
النص الكامل

حين كنت طفلاً طوقتني، كأبناء جيلي، صور فلسطين كالتمائم من كل حدب وصوب: الأغاني، والملصقات، والقصائد، وصور الشهداء. كنت مولعاً بالإصغاء إلى قصص المحاربين القدماء في جيش الإنقاذ الذين يختتمون حديثهم بأن الخيانة هي سبب هزيمتهم؛ يصمتون والدمع في عيونهم، ويتذكرون بمرارة، المحارب المهزوم، والفرصة الضائعة لتحرير الأرض.

لاحقاً، سمعت قصص الفدائيين الذين كانوا يفعلون الشيء ذاته: يختمون أحاديثهم متحسرين بأن الخيانة هي التي جعلتهم ينسحبون من مواقعهم.

ما سمعته من المحاربين القدماء والفدائيين، رُبط في ذاكرتي بالخيانة التي تعرضت لها فلسطين التي ارتبطت في ذاكرتي بالقداسة والطهر. ولم يكن لديّ أي شك في أنني لن أموت قبل أن أزورها، وكان يتراءى لي في الأحلام، أنني أعيش في القدس أو حيفا.

لكن هذه الصورة المتفائلة بدأت تبهت، وشرع الشك يتسرب إلى داخلي. لم أكن أفهم حين كنت طفلاً لماذا مجزرة تل الزعتر هي التي جرحت وعيي؟ كنت في الثانية عشرة من عمري، أجلس قريباً من إخوتي ورفاقهم الغاضبين الذين يناقشون كل شيء، ويؤكدون أنه لا يمكن تحرير فلسطين من دون تحرير سورية ومصر والعراق والبلاد العربية كافة. بعدها فهمت لماذا وقع أيلول الأسود، وتل الزعتر، وصبرا وشاتيلا وعشرات المجازر.

ما زلت أذكر دموعي من دون أن أفهم أي شيء، حين بثت إذاعة "مونتي كارلو" خبر سقوط تل الزعتر. بعدها، لم أعد أنتظر سوى المجازر؛ الفلسطيني طعم دائم للصيادين، وللخونة، وللقتلة. الصور التي رأيتها فيما بعد لم أستطع تصورها، وبقيت في ذاكرتي تولد حقداً لا يمكن نسيانه.

صورة الجيوش العربية التي ستقطع الحدود وترمي باليهود في البحر سقطت يوم زيارة السادات. كانت زلزالاً آخر لم يستوعبه الطفل الذي كنتُه. الجيوش العربية أصبحت صورة كرتونية زائفة، مخادعة؛ الجيوش تلك وُجدت لحماية الإسرائيليين وليس لتحرير فلسطين، هذه القناعة كانت زلزالي الآخير.

كنت في الثامنة عشرة حين سقطت بيروت. كنت فرداً ضائعاً يبحث عن طريق إليها. ذهبنا إلى مكاتب الفصائل في المخيمات، قالوا لنا لا نحتاج إلى رجال، ثم أضافوا: اذهبوا إلى مدارسكم، ولن تسقط بيروت. لكن بيروت سقطت ورأينا مجزرة صبرا وشاتيلا، ولم يبقَ من رحيل الفلسطينيين إلى المنافي إلاّ قصيدة محمود درويش عن بيروت وتلك الأيام الدامية. ولم يبقَ لنا إلاّ الاستماع إلى صوت محمود درويش المهرّب على كاسيت، وهو يعلن: "بيروت خيمتنا... بيروت نجمتنا". لم أعد أصدق أنني سأقضي حياتي ضحية لزلازل غير مفهومة. كان يجب أن أنهض مع جيلي. وكانت عدميتنا في بعض تفصيلاتها، تشبه نفقاً رأينا منه الحقيقة التي لا يريد أحد أن يراها: فلسطين لن تتحرر إلاّ إذا تحررت جميع البلاد العربية، أو على الأقل البلاد الرئيسية، سورية ومصر والعراق ولبنان والأردن.

كنت أسخر من خطابات الحكام العرب الذين ما زالوا يبيعون هذه البضاعة، على الرغم من أنهم في الثمانينيات لم يعودوا يحتاجون إليها؛ لقد استقرت لهم عروشهم، وبدأ الانحدار الكبير. لكن فلسطين كانت بضاعة مجانية تثير الحماسة والخيال، وما تبقّى من ذكرى كرامة داستها أحذيتهم. كانوا يشددون في نهاية كل مؤتمر قمة على ذكرى فلسطين وثوابتهم تجاهها، فهذا شيء غير مكلف: لن يحاسبهم أحد، ولن يسألهم في المؤتمر المقبل ماذا فعلتم لفلسطين؟ أردد في نفسي أنه سيأتي يوم تخرج فيه فلسطين من دائرة التبادل كسلعة، وتفقد رونقها، وسيخرج ما تحت الطاولة إلى فوقها، وينتهي كل شيء. تبقى لنا قدسنا وبحرنا وبرّنا، وتبقى لهم خياناتهم.

كان وعينا كجيل يقف في منتصف الطريق؛ لسنا متشائمين ولا متفائلين. نعرف أن هذا ليس زمن فلسطين، إنه زمن خيانتها. لكن لم نفقد الأمل، على الأقل أنا لم أفقد الأمل بتحرير فلسطين. والأمر الرائع أننا شككنا في كل ما يقوله الحكام، ولم نصدق أحداً منهم، ولم يبقَ لنا إلاّ تكفين شهدائنا ومناضلينا الذين بدأنا نتريث في تعليق صورهم وتحويلهم إلى أيقونات في قلوبنا. يحق لنا أن نتريث بعد كل ما حدث من خيانات وبيع وشراء، واعتبار فلسطين كأي ورقة ممكن اللعب فيها على طاولة قمار. لكن فلسطين لم تفقد ألقها، بقيت أيقونتي المقدسة، ويكفي أن يردد أحد اسمها لأجرح إصبعي ، وأمزج دمي بدمه، وأعتبره أخي. أمّا بعد الربيع العربي الدامي، فلم يعد هذا كافياً: بعد أن تضاعفت مأساتنا.. وبعد أن رأيت رفاقاً يصفقون لخونة فلسطين، ويدعمونهم، ويعتبرون أن الكلام يكفي، وبعد أن لم يعد هناك أحد يجيب عن سؤال: هل تصدق مَن دمر فكرة فلسطين عبر احتكارها؟ كان ذلك هو الزلزال الأخير الذي صنع هذه الفوضى كلها.

كانت حافة الوعي قاسية تنذر بالسقوط، لكني أعتبر نفسي محظوظاً بأنني ما زلت أتحدث عن حلمي كأنه لم يُخدش. رفاق لي صدقوا أننا أمّة ستبقى خارج التاريخ إلى الأبد، وبحثوا عن خلاصهم الفردي في التصالح مع فكرة وجود إسرائيلي لطيف يمكن التعامل معه.

كنت في الثانية عشرة من عمري حين بدأت أشكك في كل ما تقوله الأنظمة عن تحرير فلسطين، وأنتظر تقاطر الحكام العرب كلهم إلى خطب ودّ المحتلين الصهيونيين مثلما فعل النظام المصري، وإلى تصفية القضية الفلسطينية. انتظرت هذه اللحظة التي كان يجب أن تتكرر في ذلك الوقت، قبل الثمانينيات وحصار بيروت في سنة 1982، لكنها تأخرت إلى أيامنا هذه، وأصبحت إسرائيل دولة شقيقة لبعض الحكام العرب، والقديس الحامي لحكام آخرين من خطر السقوط والسحل على أدراج القصر الجمهوري إلى المحاكم.

من هنا، ومع الربيع العربي بدأت حكاية فلسطين الحقيقية، أي السير على طريق التحرير؛ من هذه اللحظة التاريخية الشديدة المرارة والقسوة، مع صرخة البوعزيزي المدوية التي ظن الجميع أنها لن تنفلت في الفضاء الواسع وتقلب عالي الأمة العربية إلى سافلها خلال أشهر قليلة.

مع هذه اللحظة التاريخية تساقطت قلاع الوهم التي ارتفعت أسوارها على جماجم شعوب دفعت أثماناً باهظة من حياتها، ومن أملها، ومن آلامها، ولسبعين عاماً، لتغذّي وحش الوهم المسمى جيوشاً وأنظمة عربية معادية لإسرائيل.

ما زلت أفكر في عمري الذي ضاعت أغلبية أعوامه في العيش مع الخونة، ولذلك كانت أعوامه الثمانية الماضية هي حياتي الحقيقية التي عشتها. فيها استعدت تلك اللحظة التي توهّم فيها الحكام العرب جميعاً، وما يسمى دول الطوق بصورة خاصة، أنهم أتموا المهمة المقدسة بتصفية القضية الفلسطينية حين كانت البواخر تنقل ما تبقّى من مقاتلين أشداء إلى تونس واليمن وقبرص، بعيداً عن الحدود. كنا، في حينه، لا نملك إلاّ الدموع والأمل ونحن نلوّح لهم، لكن في اللحظة الباردة كانت تنمو لحظة أُخرى، وهي أنهم، على الرغم من كل شيء، لم يقتلوا الفكرة، ولن يستطيعوا قتلها.

تحولت فلسطين في الأعوام الماضية إلى فكرة عصيّة على الإمساك. انتهت أزمنة الخيانة، والتستر وراء الشعارات، والنفاق، والكذب، وبيع دم الشهداء تحت الطاولات. انتهى زمن الأنظمة الحامية لإسرائيل، وبدأ زمن آخر لن تستطيع إسرائيل وحلفاؤها الإمساك به. ستكون فيه إسرائيل بلداً مكشوفاً، وخلال الأعوام القليلة المقبلة ستنتهي حرب الضفاف. بقايا الأنظمة كلها، ومعها حلفاؤها من أحزاب وميليشيات احترفت الكذب عبر عقود، ستسير بتثاقل الآن إلى حيث إسرائيل: سيصير الواحد منها بلداً يجهد نفسه ليحافظ على أمنه، ولن يعرف من أي منعطف سيخرج العدو، لأن العدو ليس مجموعة جيوش منظمة يخطب قادتها طوال أعوام مهددين العدو بحرب شاملة، وفي الخفاء تُعقد اتفاقيات تنص على قبول توريث الحكم للسلالات في مقابل الاكتفاء بالحرب الصوتية. ولا هو مجموعة سياسيين ينتزعون التصفيق في أروقة الأمم المتحدة كلما نقصت شعبيتهم، أو ارتكبوا مجزرة، أو نهبوا بلادهم وارتدّوا إلى أشكال حكم بدائية وعشائرية من زمن ما قبل الدولة. ستكون أنظمتهم مجموعة محميات من الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن التي تبيع نفوذ الأمم المتحدة، وتقتسم العالم فيما بينها. طبعاً، لا يخفى على أحد أن الولايات المتحدة تأخذ الحصة الكبرى من ريع هذا التشبيح الذي لن يتوقف قريباً، تاركة الفتات لسائر الدول الأربع

الآن ستتوضح الصورة، ولن تكون فلسطين إلاّ مثلما كانت: قضية جميع البشر في أي مكان: الفلسطيني الطريد، والشهيد الموجود أيضاً في كل مكان. سأتخيل الصورة التالية بعد عشرة أعوام: ديكتاتور عربي يريد توريث الحكم لأحد أبنائه، وفي خطبة الوداع يهدد إسرائيل ويتباكى على فلسطين، في مشهد كوميدي لا يختلف عن أي مشهد في مسرحية تجارية هزلية تُعرض وقت الظهيرة أمام جمهور يرتاد صالة المسرح كي يحتمي من القيظ، ويلتهم أكياس البوشار. هذا بحد ذاته استعادة لجلال القضية ولجوهرها، وإعادة القضية إلى أهلها، وإلى شهدائها ودمهم الذي لن يذهب هدراً، مهما تبلغ دناءة المشهد المرئي حالياً.

في الأعوام القليلة الماضية، لم يعد سراً تجوّل الإسرائيلي في بعض الدول العربية؛ لم يعد سراً الحديث عن علاقات تربط هذه البلاد بحكام تل أبيب؛ لم يعد سراً حجم المشاريع التي يروَّج لها تحت مسمى التعامل الحضاري مع الآخر، كأننا نحن الذين نهبنا بيوت الفلسطينيين الآمنين، واستولينا عليها؛ كأننا نحن الذين حوّلنا شعباً كاملاً إلى لاجئين، ونحن الذين قمنا بتهجير اليهود العرب لدفعهم إلى العيش في الأرض المحتلة. لا يُخفى على أحد حجم التربص بكل مَن يريد تنظيف البيت من رائحة الخونة ومستثمري القضية.

أصبحت الصورة واضحة: انتهى هذا النفاق الذي احتملناه سبعين عاماً، ودفعنا ثمنه تدمير أكثر من أربع دول عربية كي لا تشهد لحظة حرية. انتهى اللعب تحت الطاولات، ولن يضير فلسطين خسارة جميع هؤلاء المرتزقة، الخونة؛ لن يضيرها أن تعود، مثلما هي دائماً، قضية أهلها، وأولئك الذين دفعوا أثماناً لا يمكن تخيلها. دقت ساعة الحقيقة، وإسرائيل ستصبح مكشوفة الظهر؛ كل أمل ينمو في بلد عربي سيقابله تهدم حجر في هذه الأسطورة التي تُدعى إسرائيل، وكل خطوة تحصل عليها هذه الشعوب، يقابلها على المدى المنظور أمل ينمو ببطء. كان يجب أن نفهم جميعاً أنه لا يمكن تحرير فلسطين من دون كشف اللثام عن الخونة الذين منعوا تحريرها عشرات المرات، كما يجب أن نفهم أن فلسطين لم تكن يوماً إلاّ لأهلها ولنا، نحن الذين دفنّا أبناءنا ورأينا الأقنعة تتساقط، وعشنا مع الذئاب في الوكر نفسه.