mdf-fulltex

مجلد 30

2019

ص 87
الملف (فلسطين في مرايا الثقافة العربية)
القضية تخرج من ألبوم الصور
النص الكامل

 أربكتني كتابة هذه المقالة. جلست أياماً أتامل الشاشة البيضاء أمامي، أفكر في الرسالة التي جاءتني من الكاتب العزيز الياس خوري يدعوني فيها إلى المشاركة في هذا الملف. وقد يكون الارتباك هنا هو الإجابة الأكثر صدقاً عن أسئلة الصديق الياس بشأن "رؤيتي لفلسطين وقضيتها في ظل الواقع العربي"، أو بشأن "آفاق علاقة الثقافة العربية بالقضية الفلسطينية". هل أحتاج إلى أسئلة مباشرة عن القضية الفلسطينية، لأعرف مدى الارتباك الذي يغلّف علاقتي بها؛ أو بشكل أدق، لأواجه عجزاً ما في التعبير عن فيض من المشاعر المتضاربة والصعبة؟ أفكر الآن، في أن ذلك الارتباك وتلك المشاعر الصعبة، ليسا سوى رفض للتسليم بما أُجبرنا لأعوام طويلة على التسليم به. ليست مهمة الكتابة عن قضية تكبرني في السن، سهلة، عدا أنها ليست أي قضية! القضية الفلسطينية، عنوان مرحلتَي الطفولة والمراهقة اللتين عشتهما في سورية.

لاحظت قبل مدة، أن زملائي في المدرسة، في معظمهم، معارضون للنظام. رحت أتذكر عائلاتهم، والأحياء التي سكنوها، ومواقفهم آنذاك في أثناء دروس التربية العسكرية مثلاً أو الديانة، فتبيّن لي أنهم معارضون الآن بغضّ النظر عن انتماءات أهلهم السياسية، وعن المحيط الذي نشأوا فيه. فواحدة من الزميلات المعارضات مثلاً، لا يزال والدها حتى تاريخ كتابة هذه المقالة يعمل لمصلحة النظام. إذاً لم يكن الفضل في انتصار قيم العدالة والحرية يعود فقط إلى البيوت التي نشأنا فيها، وإلى النقاشات التي تدور خلف الجدران، بل إلى نظام الأسد الأب نفسه أيضاً. لم يكن عصياً علينا أن نقرأ العنف والميل إلى الكراهية والتفريق والعنصرية لدى كل المكلفين بتلقيننا "حب الوطن"، و"حب القائد"، و"حب القضية الفلسطينية". لم يكن الحب تلقائياً ولا التقديس كذلك. ثمة إكراه ولّد لدى معظمنا تمرداً ومقاومة.

عائلتي أنقذت القضية الفلسطينية في وجداني، على عكس النظام التعليمي الذي كان قائماً ولا يزال. لو أن فلسطين لم تكن حاضرة في بيتنا بكيانها الطبيعي والإنساني، لكان حبي لها سقط ربما مع حبي للقائد وتقديسي له. لم نكن نعرف في المدرسة أن لفلسطين قائداً أو زعيماً، لا بل زعماء أحزاب وجبهات. لم نتعلم أسماء فلسطينيين لا في السياسة ولا في الثقافة ولا في الفكر. كبرت فلسطين في وجداننا وأذهاننا كمكان منعزل كأنه قائم على كوكب آخر. كبرت معنا وحدها، من دون شعبها! ففي أدبيات المكلفين بتلقيننا بالغصب، لا وجود للشعوب. ولولا أن تعرّفت إلى الحكيم جورج حبش في بيتنا، وإلى آخرين كثر لن أذكر أسماءهم تفادياً لإحراجهم (قاطعونا أمي وأنا بعد انطلاق الثورة السورية)، ولولا أن عثرت في مكتبة والدي على غسان كنفاني ومحمود درويش وناجي العلي وجبرا إبراهيم جبرا، لما عرفت أن فلسطين ليست مجرد قضية مقدسة، القضية هي ناسها. ظننا لأعوام في المدرسة أن فلسطين كلها كانت جزءاً من "سورية الأسد"، وأن حافظ الأسد كان قائد البلدين، من قصره في دمشق.

جيلي لم يقرأ في الكتب المدرسية عن أي هزيمة قط، إذ كيف لمنتصر يهتف لحرب تشرين "التحريرية" أن يفهم المعنى الحقيقي للاحتلال؟ أربعة كتب فقط، كانت قادرة على زعزعة جميع تلك "المكاسب" التي تعلمناها، وجميع الهتافات التي رددناها احتفالاً بـ "الانتصارات": "النقد الذاتي بعد الهزيمة" للمفكر السوري صادق جلال العظم؛ "جيل الهزيمة" للكاتب السوري بشير العظمة؛ مسرحيتا "حفلة سمر من أجل ٥ حزيران"، و"الاغتصاب" لوالدي سعد الله ونوس. نشأنا في المدارس كمنتصرين، فعمّا ندافع؟!

كان لا بد من تلك المقدمة وتلك العودة إلى ذاكرة الطفولة (وهذا بحث منفصل يستحق من "جيل البعث" الدراسة والتحليل)، كي أشرح علاقة النظام ومؤسساته بقضاياهم "الوطنية والجوهرية". النظام السوري كان المسؤول الأول عن تشويه فلسطين وقضية الشعب الفلسطيني في وجدان أجيال بأكملها، إذ إنه من حيث لا يدري ربما، ربط في أذهاننا القضية الفلسطينية بتقديس القائد، وبالخوف وبالإكراه وبالأيديولوجيا، وأخيراً بإنجاز لم يسبقه إليه أحد: "فرع فلسطين"، سيىء السمعة في دمشق "قلب العروبة النابض"!

ثم جاءت العلاقة مع الآخر. ففي الوقت الذي غُيّب الكائن الفلسطيني في المدارس السورية، بما أن فلسطين هي مجرد أرض وقضية، ظهر الكائن الإسرائيلي! العلاقة مع الكائن الإسرائيلي كعدو، أخذت حيزاً أكبر كثيراً من العلاقة مع الكائن الفلسطيني كشعب صديق ومحتل. صارت فلسطين في أذهاننا، هي المكان الذي يسكنه الإسرائيلي وليس الفلسطيني! وفي السياق ذاته، جاءت تهمة العمالة لإسرائيل والخيانة العظمى التي لاحقت كثيرين من المعارضين لنظام الأسد. إذاً، فلسطين يقطنها المحتلون الإسرائيليون. فلسطين قضية وليست شعباً. لا وجود لقادة فلسطينيين وطنيين لأن "الأب" حافظ الأسد هو القائد الوحيد والأوحد، ومعارضة القائد تقود صاحبها إلى تهمة التعامل مع العدو الصهيوني. فرع الأمن الأكثر بطشاً اسمه "فلسطين" وليس "إسرائيل". هكذا، شوّه النظام من حيث يدري أو لا يدري، علاقة جيلي بالقضية الفلسطينية، فالركوع للقائد مرتبط بالركوع لها، وشرعية نظام العنف والإجرام مكتسبة من شرعيتها.

الثورة السورية أعادت إلى الفلسطينيين الحق في أن يكونوا في أذهاننا بمعزل عن القضية وعن الأيديولوجيا والشعارات. الثورة التي مزقت صور "القائد" وهدمت تماثيله، حررت الفلسطينيين من الإطار المزخرف والثقيل الذي كان يؤطرهم، كصورة على جدران مؤسسة حكومية، أو تلفزيون رسمي. كسروا زجاج الصورة ونزلوا منها إلى الشارع مستعيدين أصواتهم التي أسكتها الاحتلال والنزوح والذاكرة المتروكة هناك في بيوت يسكنها ذلك الآخر. إلاّ إن النظام "الممانع" أرادهم في الصورة فقط، خلف الزجاج. صرت أتخيل تلك العصابة المدرسية المكلفة بترغيبنا بالإكراه، تجوب أزقة المخيم وبيوته لتعيدهم إلى الصور المعلقة على الجدران.

ولو أردنا الحديث عن القضية الفلسطينية بمعزل عن شعبها، فمن المحزن القول إنها لم تكن قضية عربية طوال تلك العقود. كانت قضية الزعماء العرب، قضية الصالونات والكلمات الافتتاحية في المهرجانات الرسمية، إذ كيف لها، كقضية تحرر، أن تعيش في بلاد يحكمها القمع والخوف وتغيب عنها مفردات التحرر كافة؟ ولمّا كانت قضايا التحرر واحدة، فربما لأول مرة تستعيد القضية الفلسطينية مكانتها الطبيعية كقضية إنسانية، كقضية شعب.

الانتفاضات العربية، بإعادتها الكينونة إلى الشعوب ، أعادت إلى الفلسطيني أيضاً قضيته. فلأول مرة ربما، تهتف الشعوب المنتفضة في سورية ومصر وتونس وليبيا واليمن والسودان والجزائر وغيرها، للفلسطينيين وليس للقضية. لأول مرة، تصبح القضية الفلسطينية قضية عربية، قضية الشعوب وليس الزعماء. لأول مرة، تخرج القضية من ألبوم الصور وأرشيف المحطات الرسمية، وتخطو مع باقي الشعوب إلى زمننا هذا. لقد حركت الثورات الزمن الذي توقف عند الانتصارات الوهمية.

حتى ثقافياً، ألم يتوقف الزمن الفلسطيني عند كتّاب وروائيي ومسرحيي تلك المرحلة؟ ليس مصادفة أن يعيش المشهد الثقافي الفلسطيني اليوم، حياة جديدة مع كتّاب جدد أطلقت الثورات أصواتهم. لم تتحرر فلسطين من الاحتلال الإسرائيلي بعد، إلاّ إنها تحررت من قمع الأنظمة العربية لشعوبها! تحررت من الصورة النمطية المعلقة على الجدار. تحررت من أغنية "وين الملايين"، وجوليا بطرس لم تعثر على إجابة عن سؤالها حتى سنة ٢٠١١! غنّتها في سنة ١٩٨٩ حين كان "الشعب العربي" مغيّباً، وحين توقف الزمن. القضايا تؤطر الزمن وتجمّده، الشعوب وحدها تعبث به وتمنحه قدمَين وتطلق صوته.