mdf-fulltex

مجلد 30

2019

ص 82
الملف (فلسطين في مرايا الثقافة العربية)
مرايا فلسطين
النص الكامل

 

السنة 1995. الحديقة المجاورة لقاعة شاسعة في الجامعة. كان محمود درويش جالساً قبل أن يلقي قصيدة من شعره. كنت طالبة في الجامعة وكنت قد ترجمت قصيدته "سنونو التتار" إلى الإنجليزية، ونُشرت في العدد 5 ــ 6 من مجلة "جسور" (1995)، ثم في كتاب Mahmoud Darwish: The Adam of Two Edens (2001). رحت أترجم الكلمات، متأملة جماليات القصيدة، ومتمنية أن أُوَفِّي المعنى حقه على الأقل. هكذا بدأت علاقتي الأدبية بفلسطين التي لازمتني في عملي الأدبي.

قابلت محمود درويش في الحديقة، قبل أن أكون في حضرة الشاعر. في تلك الأمسية الشعرية انتابتني الدهشة أمام وقع الشعر وأصدائه، إذ احتل حضور الشاعر القاعة فتجاوز حدودها وساقنا إلى الأرض المسلوبة. راح الشاعر يلقي قصائده، وعرفت أن الشعر يصير أجمل عندما يلقيه الشاعر. وأتاحت لي الفرصة أيضاً أن أسمع إدوارد سعيد يُلقي أكثر من محاضرة في القاعة نفسها. وكم كان شعوري بالدهشة والاعتزاز في آن واحد بأن عملاقاً في الفكر الأدبي طرح قضية فلسطين وناقشها وخاطب جمهوراً ومؤسسات غربية بالإنجليزية من مكانته في الغرب كمفكر وناقد مرموق. لقد فتح سعيد الباب لجيل من الأدباء والنقاد العرب الذين مزجوا بين الثقافة العربية والثقافات الأُخرى، وأدى دوراً محورياً في تكويني الفكري، وظلت فلسطين حاضرة في دراساتي وتدريسي وعملي الأدبي.

تأملت فلسطين في مرآة الثقافة العربية ما بين روايات وشعر وسير ذاتية ونقد أدبي. كانت فلسطين حاضرة في الثقافة العربية، وظلت في الواقع الثقافي الذي امتد إلى نتاج أدبي عالمي شمل ثقافات ولغات متعددة. عرفت فلسطين من خلال شعر محمود درويش ومريد البرغوثي، وفكر إدوارد سعيد، وأعمال جبرا إبراهيم جبرا، وروايات غسان كنفاني، والتفتّ إلى الكتابة عن فلسطين بالإنجليزية والإسبانية في سيرة إدوارد سعيد وسير ذاتية أُخرى.

كانت قضية فلسطين محوراً أساسياً في الثقافة العربية، فقد ظهرت ملامحها، وعكست صورها روايات غسان كنفاني وإميل حبيبي وسحر خليفة وإلياس خوري. سردت الرواية والشعر والقصة القصيرة حكاية فلسطين، وتأملت مصيرها. فالثقافة العربية هي المرآة التي عكست لي صورة فلسطين: النكبة والاحتلال والعودة والمخيمات والحروب، وأيضاً فلسطين من خلال الثنائيات التي خلّدها شعر محمود درويش مثل الذاكرة والنسيان؛ الحضور والغياب.

سرد إلياس خوري حكاية فلسطين امتداداً من روايته الملحمية "باب الشمس" إلى "أولاد الغيتو ـ اسمي آدم" و"نجمة البحر". وصلت رواية "باب الشمس" إلى العالمية، فقد تُرجمت إلى الإنجليزية والفرنسية والإسبانية والإيطالية والبرتغالية، وصارت تُدرّس في مناهج جامعية إلى جانب الأدب العالمي. إنها رواية مرتبطة بقضية فلسطين، فهي ترسخ تاريخ النكبة، وأصبحت جزءاً من الأدب الفلسطيني لما تحتوي عليه من صور للنكبة والقرى الفلسطينية والمقاومة والفدائي والمخيمات وأشجار الزيتون. رواية إلياس خوري، "أولاد الغيتو ـ اسمي آدم" تدور حول النكبة في سنة ١٩٤٨ ومجزرة اللدّ. يجمع إلياس خوري المرآة المهشمة لفلسطين من شظايا مبعثرة، ويعكس لنا قصصاً عن المسكوت عنه. تروي "أولاد الغيتو" حكاية مدينة اللدّ في نص متعدد المستويات، وتدور الرواية حول مخطوطات تصل إلى شخصية في الرواية تحمل اسم الكاتب نفسه، إلياس خوري، مؤلف رواية "باب الشمس"، الذي يتأمل روايته والدفاتر في النص، وتشير إلى أعمال أدبية في الثقافة العربية والتراث العربي القديم، مازجة بين القصّ وما خارج النص، بين الحقيقة والتخييل. تتكون الرواية من محاولات للكتابة ومداخل ومشروع رواية ومشاهد، في إشارة إلى صعوبة البدايات والكتابة عن المذابح والصمت الذي تلاها، مثلما يقول آدم دنون، مؤلف الدفاتر في الرواية: "هذه ليست رواية ولا حكاية ولا سيرة" (ص 99). يروي آدم دنون، ابن الغيتو، قصة الغيتو وهجرته إلى نيويورك في دفاتره، والغيتو هو الحي الذي جمع جنود الاحتلال فيه الفلسطينيين الذين لم يهاجروا من المدينة.

الجزء الثاني من "أولاد الغيتو"، "نجمة البحر"، هو إشارة إلى ستيلا مارس، أو نجمة البحر المطلة على حيفا، وفيه عودة إلى أصل حكاية آدم دنون. وهكذا يرسم لنا إلياس خوري صور النكبة والمذبحة، القرى الفلسطينية وغيتو الفلسطينيين، وما بين روايتَيه يقدم لنا قضية فلسطين المحتلة من خلال انعكاس الاحتلال على القرى والمدن والغيتو. يقول إلياس خوري في رواية "أولاد الغيتو ـ اسمي آدم": "فأنا لم أكتب تاريخاً، بل كتبت قصة" (ص 14). إنها حكاية تكشف حقيقة، مثلما يصفها الراوي ـ البطل: "أن الفلسطينيات والفلسطينيين الذين استطاعوا البقاء في أرضهم، هم أولاد الغيتوات الصغيرة التي حشرتهم فيها الدولة الجديدة التي استولت على بلادهم ومحت اسمها" (ص 18). وبذلك ساهم إلياس خوري في سرد حكاية فلسطين من خلال نتاجه الأدبي، وطرح القضية عربياً وعالمياً.

أمّا قصص محمود شقير فرسمت صوراً مفصلة لمدينة القدس، وجسدت واقعاً من خلال الكوميديا السوداء التي تستوحي شخصية المتشائل لإميل حبيبي. سردت قصصه سيرة القدس التي عاش فيها واستبعد منها، فقدم لنا شخصيات عادية والحياة اليومية ومفارقات تحت الاحتلال الإسرائيلي، بسخرية متميزة تشير إلى مصير فلسطين المأسوي.

علاوة على الثقافة العربية، توجهت إلى صور أُخرى لفلسطين في ثقافات أُخرى، أحدثها سيرة كتبتها كاتبة تشيلية من أصول فلسطينية، هي لينا مِرواني، بعنوان: "أن تعودي فلسطين" (Volverse Palestina, 2014). فقد لفت هذا العمل الاستثنائي اهتمامي في أثناء بحثي في العلاقات الأدبية بين الأدب العربي وأدب أميركا اللاتينية. كتاب "أن تعودي فلسطين" يتكون من سيرة ومذكرات ومقالة وأدب الرحلة، والعنوان له عدة دلالات، منها: أن تعود الكاتبة إلى فلسطين؛ أن تصير فلسطينية، ذلك بأن كلمة “Palestina” بالإسبانية تشير إلى "فلسطين" و"فلسطينية"، فتتماهى الكاتبة بذلك مع فلسطين. وترجم شادي روحانا العنوان إلى "أن تعودي فلسطين"، وهذه ترجمة ملائمة، بل بارعة، لأنه بذلك يربط بين "العودة" و"فلسطينية" الكاتبة، فترجمة العنوان هكذا فيها الأصداء التالية: أي أن تعود الكاتبة إلى فلسطين، أو أن تصير فلسطينية مجدداً، أو أن تعود فلسطين. يسرد كتاب "أن تعودي فلسطين" رحلة الكاتبة لينا مِرواني إلى فلسطين في آذار / مارس 2012، للبحث عن أصل اسم عائلتها مِرواني (Meruane)، والكتاب يسلط الضوء على المهاجرين الفلسطينيين في أميركا الجنوبية حيث يوجد في تشيلي أكبر جالية فلسطينية خارج العالم العربي. هذه "العودة المستعارة"، مثلما تسميها لينا مِرواني، هي بمثابة العودة البديلة لعودة أبيها المهاجر. الكتاب يقدم مرآة أُخرى لفلسطين، وينتمي إلى أدب عالمي معنيّ بالهوية الفلسطينية، كُتب باللغات العربية والإنجليزية والإسبانية. تكتب لينا مِرواني في "أن تعودي فلسطين": "أعود. هذا هو الفعل الذي يداهم ذهني في كل مرة تثب إليه إمكانية فلسطين. أكلم نفسي: هي ليست بعودة، بل مجرد زيارة أرض تطأها قدماي لأول مرة، أرض ليس لها أي وجود في ذاكرتي، ولو صورة واحدة منها. فلطالما كان كل ما هو فلسطيني، بالنسبة لي، مجرد همهمة يُسمع صوتها في الخلفية، قصة نلجأ إليها لننقذ أصلنا المشترك من الاندثار. إنها عودة، نعم، ولكنها ليست بعودتي أنا. هي عودة مستعارة، أي أن أعود بدل آخرين. بدل جدي. بدل والدي."

قامت لينا برحلة إلى فلسطين كانت بمثابة العودة على الرغم من أنها كانت أول زيارة لها؛ رأت فيها جنود الاحتلال، وكتبت عن المستعمرات وكاميرات المراقبة والجنود المدججين ببنادقهم والأسلاك الشائكة ونقاط التفتيش والعودة. استدعى الاحتلال الإسرائيلي، لدى الكاتبة، الديكتاتورية التشيلية، فربطت بين الجنود الإسرائيليين وبلطجية الديكتاتورية في تشيلي، إذ إن مظهرهم متشابه؛ لكنها لم تعتد مشاهد تداخل جنود الاحتلال في الحياة اليومية. حجبت الكاتبة سطوراً في النص، مستدعية الملفات السرية من عهد أوغستو بينوشيه، والتي كُشف كثير منها لاحقاً، لكن كثيراً من المعلومات بقي سرياً أو حُذف، مع أن القارىء التشيلي يعرفه معرفة كبيرة. أرادت لينا مِرواني أن تبرز العلاقة بين الاحتلال الإسرائيلي والديكتاتورية التشيلية بصرياً في النص.

وفي "أن تعودي فلسطين"، تزور لينا مِرواني بلدة بيت جالا في الضفة الغربية، وهي البلدة التي جاء منها والدها، ولا تزال تقيم فيها عمّات تربطها بهن قرابة بعيدة. تعكس الكاتبة الحياة اليومية في حيفا والقدس: نقاط التفتيش والمستعمرات والجدار العازل والقرى التي دُمرت. تتشكل العودة إلى فلسطين كعودة إلى جذورها، أي تصير لينا مِرواني فلسطينية، على الرغم من أنها لم تحل لغز اسم عائلتها، ولا تعرف إذا كانت قد عادت حقاً، أو تستطيع أن تعود مرة أُخرى. بذلك تنتمي السيرة إلى نتاج أدبي فلسطيني عالمي يطرح الهوية الفلسطينية، ويتكون من سير ذاتية وروايات بلغات متنوعة.

قراءة فلسطين في الشعر والنقد الأدبي والرواية والسيرة الذاتية والقصة القصيرة، تقدم لنا رؤى متنوعة تعكس مشاهد ومساراً قاسياً، وتكاد تكوّن أدباً خاصاً غنياً هو الأدب الفلسطيني، أو مرآة لكل مَن لم يتسنّ له رؤية فلسطين، وتتيح لي أن أجمع من هذه المرايا صوراً متعددة لفلسطين. يطرح هذا الأدب حواراً ثقافياً وفكرياً يضيف إلى الثقافة العالمية، وهو بداية ثقافة جديدة تفتح آفاق الأدب العالمي على الأدب العربي. استوقفتني هذه العلاقات الأدبية التي كشفت عنها دراستي للأدب الفلسطيني في ثقافات متنوعة، وأنا الآن أُعدّ دراسة عن الكتّاب العرب والمهاجرين إلى أميركا اللاتينية الذين أنتجوا أدباً عن فلسطين، وعن كتّاب من أصل فلسطيني كتبوا عن فلسطين، وآخرين لا صلة لهم بها قاموا برحلات وكتبوا عن الاحتلال، مثل الكاتبة المكسيكية إرمغارد إميلهاينز التي كتبت: "السماء ليست مكتملة: دفتر رحلة إلى فلسطين" (Irmgard Emmelhainz, El cielo está incompleto: Cuaderno de viaje en Palestina, 2014).

في ظل الواقع الأليم الذي نعيشه، ها قد بدأت حملة قصف جديدة شنّها الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة في مناخ من العنف المتواصل، وهنا نسترجع كلمات من قصيدة محمود درويش: "خطبة الهندي الأحمر ـ ما قبل الأخيرة ـ أمام الرجل الأبيض". لا أدري كيف لجيلي التعامل مع العودة الافتراضية والتحرير اللذين تتضمنهما القصيدة، في ظل الظروف الصعبة التي نعيشها، نحن جيل نشأ على قضية فلسطين والإبداع الأدبي لجيل من الأدباء والشعراء الذين كتبوا عن النكبة، وفي ظل واقع تنهار فيه أسس العودة كلها، لكنها كلمات تتداعى، "سيرجعُ شعبي هواء وضوءاً وماء". إنها كلمات خالدة في حاضر نأمل بأن يزول.

 

المراجع

 

بالعربية

خوري، إلياس. "أولاد الغيتو ــ اسمي آدم". بيروت: دار الآداب، ٢٠١٦.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. "نجمة البحر". بيروت: دار الآداب، ٢٠١٩.

روحانا، شادي. "لينا مِرواني: أن تعودي فلسطين". "العربي الجديد"، ١٤ آذار / مارس ٢٠١٩، في الرابط الإلكتروني التالي: https://goo.gl/vRQw4y

مِرواني، لينا. "أن تعودي فلسطين". ترجمة غير منشورة لشادي روحانا.

 

بالإنجليزية

Abdel Nasser, Tahia. “Palestine and Latin America: Lina Meruane’s Volverse Palestina and Nathalie Handal’s La Estrella Invisible”. Journal of Postcolonial Writing, vol. 54, issue 2 (2018), pp. 239-253.

Meruane, Lina. Volverse Palestina. Barcelona: Penguin, 2014.