mdf-fulltex

مجلد 30

2019

ص 77
الملف (فلسطين في مرايا الثقافة العربية)
هذيان
النص الكامل

كدت أقول للصديق الياس خوري: "يا الياس، سيسفر هذا الملف عن بيان الإفلاس، وعن الخسارة الأكيدة، وربما النهائية لجيل كامل، بل أكثر من جيل؛ عن إعلان رسمي بالفقد الثقافي النوعي؛ عن موت سريري لقضية أخلاقية تضيع بعد أن ضاعت متونها الأخرى..."

أو: "يا الياس، لماذا تريد التأريخ لهذا اليأس الذي بات مكتملاً كبيضة؟ دع للأمر بعض الشكوك أو بعض الالتباسات لأناس ربما قادمين يأتون بما لم نستطع أو يستطع سوانا..."

أو: "يا الياس، سيكون ملفّك ورقة نعوة، وإعلاناً واضحاً عن التخلي، وعن النكران الذي لن يصيح بعده ديك، وسيبدو المصرّ على المعنى الذي لفلسطين في ضمير ثقافتنا العربية مطرباً فولكلورياً منقرضاً من دون جمهور، أو سبّاحاً رومنطيقياً غلبه التيار وهو في الرمل ما زال يتخبط متوهماً أنه يعارك أمواج وأوهام الزمن..."

أو: "يا الياس، يا أخي، اِفتح جريدة، أي جريدة، من أي تاريخ، سيطلع في وجهك مسلسل لا ينتهي من الخلافات والخناقات والخيانات الفلسطينية / الفلسطينية، حتى العظم، حتى القتل. فهل يريد ملفك تشغيل الفيلم إياه؟ عن الغدر الصهيوني والتواطؤ الدولي؟ والخناجر العربية في الظهر وقد صارت في البطن صراحة؟؟

"اِفتح أي جريدة، أي قناة تلفزيونيّة، أي... لم يسبق أن شهدنا في تاريخنا هذه المجموعة الهائلة من الـ 'مفكرين'، الفهمانين الموكلين بإفهامنا وبتفهيمنا، الأذكياء اللماحين الشارحين المحذرين المستشرفين المستقبل، جميع آفاق المستقبل. ماذا لو جمعتهم في غرفة واحدة؟ أي مذبحة ومن دون سلاح؟"

أو: "يا الياس خلص، لم تعد فلسطين على الموضة، لا عند الشباب العرب، ولا حتى عند الشباب الفلسطينيين. حتى المفردات في رسالة دعوتك إلى الكتابة في المجلة أصبحت اليوم إشكالية، ومن عصر يصفون ثقله وعدم تنوّعه أو خفّته بالبائد. هل نحمد الله أن درويش مات قبل أن يقرأ بعض المتحررين، الطاعنين في 'رطانته'؟ اُنظر إلى عالمهم ما بعد الحداثي، مَن سيقرأ ملفك منهم؟ وبالعربي؟! أنت في فيلم عربي قديم، لكنه بلا تلك النوستالجيا العائدة بحنان إلى أسماء المطاعم الجديدة..."

لكن الياس خوري يعرف هذا كله...

تبقى إذاً حلقة النادبات. أي تبقى التراجيديا، أو احتمالاتها.

التراجيديا هي أسمى درجات العراك مع الأقدار، والتي من عناصرها الأولية أن تشدّ الناس وأن تثقّفهم ـ بحسب أرسطو ـ باستثارة الخشية والشفقة. هي قبل أي شيء بحاجة إلى جمهور، أي لخشبة مسرح، ولشخصيات بطولية تسقط في حربها مع أقوياء غاشمين فيتضرج الضمير بدماء الأبرياء. دعك ممّا أخذته اليونان من التراجيديا، ثم الأديان، ثم ثقافات العالم. نحن غير موجودين في المسرح، نحن لا نسقط مضرجين بأي من السوائل. ونحن لا تأخذنا خشية ولا تعلّم. والذين ماتوا في معارك التراجيديا سقطوا كأن سهواً في حروب نحن انتصرنا فيها على الدوام، وفي التحصيل الأخير... فيما عدا النكسات الصغيرة التي صححناها بحروب فذّة ردّت الاعتبار... يللا خلص. كل واحد عا بيتو.

"سنقف إذاً كالغربان. سنقف لننعي في عبث الغياب، من دون غابتنا. في سديم الفراغ الكوني، نحن أرباب النعي. هو موهبة في الجينات مذ قِفا نبكِ...

"أو سنقف لنقول إن فلسطين صارت جزءاً مجزأ من 'ثقافة عربية' ليست ملزمة أن تكون واحدة، وهي أنهت فعل التجزيء والجميع بخير، ولو متفرقين. صرنا نفهم في فلسفة النسبية، وفي حرية التفرد وأحقيته. كل راح إلى همّه. هل سنردد مجدداً وتكراراً أن خسارة فلسطين هي أم الخسارات التي تلتها؟! يعني لو لم نخسر في فلسطين لما فسد الملح في لبنان، ولما وقعت سورية على ركبتين مطحونتين؟ ولا اليمن السعيد؟ ولا العراق العلماني؟ ولا ليبيا الجماهير؟ ولا مصر التحرير؟! سيقول لك الجمهور 'هذا كلام غير دقيق يا عمّ. هذا أشبه بالكوميديا يا رجل. لقد استغفلتم أبانا طويلاً؛ يكفي'."

ثم: "أين أنت من هموم العصر إن كان الكوكب برمّته آيلاً إلى الخراب بعد خمسين عاماً على أبعد تقدير بفعل الاحتباس الحراري؟ أفلسطين أهم للأرض من الدب القطبي الذي ينقرض أمام أعيننا؟؟"

شقّتْنا فلسطين كسيف الفضيحة. وضعت الكتابة على شفرة حادة، وصار المعنى موقعاً اصطفافياً. أنت تكتب هنا؟ مع جماعة قطر؟ أم هناك؟ مع جماعة السعودية ـ الإمارات؟ وإن حاولت الابتعاد عن حدّة السؤال فإنها تكون على الأغلب في نيات التطبيع المستترة، المتلطية وراء "العالمية". وفي أفضل الأحوال أنت أبله لا تعي إلى أين يجرّك المتآمرون.

حتى لو ذهبتَ إلى آخر كهف في آخر غابة على شفير آخر الأراضي ستجد هناك مَن ينبري إلى اصطيادك.. لجرّك إلى خريطة الأفخاخ من دون أن يقرأ نصّك. ما علاقة النص؟! ما علاقة النصّ بحرب داحس والغبراء؟!

اِنسَ فلسطين. ننسى... لكنها تعود من بوابات بعيدة. يبثّ التلفزيون الفرنسي أفلاماً تسجيلية، فيها قرى صغيرة تتظاهر عند شريط شائك أو جدار، ويُقتل أولاد يرفعهم شبان إلى أهاليهم ويعودون في اليوم التالي. ثم يعودون في اليوم التالي. بعد الفيلم تُعقد حلقة نقاش مع ضيوف أجانب أوروبيين من المشهورين بوقوفهم مع قضايا إنسانية عادلة. لا أحد يبكي أو يُغمى عليه أو يعلن إضراباً عن الطعام حتى الموت. ميشيل خليفي بدا أمس في إحداها دخيلاً، لا أحد يفهم ما يقول أو يهمّ بقوله، شاحباً وعلى وشك أن يُصاب بذبحة قلبية.

اِنسي فلسطين. ما لك ولفلسطين؟ قالت الأم الرئيسة التي علمت بهربي إلى التظاهرة بعد أن تهت في وسط البلد وبُلْت على نفسي، وبعد أن ذهبت أمي تسأل عني في المدرسة حين تأخرت عن العودة إلى البيت.

ثم، لماذا فلسطين؟ ما لك أنت والكتابة عن فلسطين؟ ألا يكفيك ما يحصل لعمّال التبغ في الجنوب؟ فساد اليمين اللبناني؟ معركة الجبل؟ مذبحة الدامور؟ الحرب اللبنانية؟

****

تبقى خسارة واحدة. فشل وحيد ومرارة بلا حدود. اللغة المضروبة بعبث المعاني.

ذلك الصمت في الخيال المنكسر. حين أكلم أصدقاء فلسطينيين.

"فـ" لم يعد يردّ على الرسائل الإلكترونية التي أُرسلها موسمياً للاطمئنان على صحته.

"تـ" تقول بنصف الحروف: "ماذا أقول عن وضعنا؟" وتسكت لتنتقل إلى موضوع لا يكدر الصباح.

"ي" لم تعد تريد حضور أي عرس أو عزاء "هناك".

"أ" أقلع عن تعليم حفيدته العربية، وزوجته الأجنبية نسيت وصفة طبق المسخّن ثم قالت إنه طبق خليجي.

"ع" قال أنه لا، لم يكتب رواية فلسطينية، بل رواية عربية بالمقاييس كافة.

"ن" قالت إن الناشرين الأجانب لا يطلبون روايات فلسطينية للترجمة حالياً. يريدون موضوعات.. معاصرة.

.. وفي آخر الأخبار المفرحة في جميع الصحف العربية، أن رئيس إلسلفادور من أصل فلسطيني.

****

ماذا يفيدني أن أكرر لحفيدتي ياسمين ما سبق أن قلته لأمها عندما كانت طفلة في المناسبة نفسها، واضعة إصبعي على نقطة هي نفسها، على الخريطة نفسها: هنا تقع بلاد ميلاد الطفل الذي اسمه يسوع، في هذه النقطة المهشمة بالألوان التي اسمها فلسطين. وما زال. قولي للمعلمة.

هاتي إصبعك ياسمين.