mdf-fulltex

مجلد 30

2019

ص 58
الملف (فلسطين في مرايا الثقافة العربية)
تكامل معركتَي التحرر من الاحتلال ومن الاستبداد
النص الكامل

 

دخلت فلسطين والعالم العربي في سنتَي 2011 و2012 مرحلة جديدة: فالأولى عرفت تقدماً سياسياً ودبلوماسياً دولياً بلغ أوجه عند صدور الاعتراف الأممي بالدولة الفلسطينية، ثم انضمام هذه الأخيرة إلى عدد من المنظمات الدولية وفي طليعتها اليونيسكو، أمّا الثاني فشهد ثورات في تونس ومصر وليبيا والبحرين واليمن وسورية بعثت أملاً بالتغيير وبتحرير المجتمعات والأفراد من عقود من الاستبداد والقهر. لكن التراجع، ثم الانحدار، جاءا سريعاً في الحالين بعد ذلك: ففي فلسطين، تصاعدت شراسة إسرائيل الميدانية، وتعمقت الانقسامات الداخلية الفلسطينية، وعجزت قيادة السلطة ومثلها "حماس" عن إطلاق مبادرات مصالحة أو ديناميات سياسية تلجم تدهور الأوضاع وتقلص رقعة أضرارها، كما أن إسرائيل شنّت حرباً تدميرية على قطاع غزة في سنة 2014، كرست خلالها عزلة القطاع عن سائر الأراضي الفلسطينية المحاصرة بدورها، والمقطعة أوصالها بالمستعمرات والطرق الالتفافية والجدار والحواجز العسكرية. أمّا في العالم العربي (مع استثناء تونسي)، فإن الثورات المضادة، وتعثّر التجارب الانتقالية، والتمزقات المجتمعية، وضراوة القمع والمذابح والتهجير، والتدخلات العسكرية الإيرانية والروسية في سورية، والسعودية والإيرانية في البحرين واليمن، وصعود "داعش" واحتلاله مناطق واسعة في العراق وسورية، ثم التدخل الأميركي ضده، أمور أدت كلها إلى مآسٍ وخراب أطاحا بدءاً من سنة 2013 باحتمالات التغيير والتحرر.

ويصعب القول بعلاقة سببية حصرية بين الوضعين الفلسطيني والعربي في تلك المرحلة بأكملها، إذ إن أنظمة العالم العربي قبل سنتَي 2011 و2012، لم تكن بأي حال، سنداً للفلسطينيين، ولم يكن ما يسمى الاستقرار في البلاد المحكومة بأنظمة القمع والفساد مدعاة تحصين للقضية الفلسطينية. وإذا كانت فسحة انطلاق الثورات العربية قد أثارت مواقف متناقضة من أثرها المحتمل في فلسطين، بين مَن اعتبرها فرصة لتحرير شعوب مساندة للفلسطينيين من نير أنظمة تاجرت باسم فلسطين، وبين قائل بإمكان تسببها بتراجع الاهتمام بفلسطين وحجب أخبارها، فإن ما تبعها من صراعات وفظائع عدّل من وجهة التناقض المذكور، ذلك بأن التحرر من الأنظمة لم يتم، وجرائم الأخيرة ضد المدنيين، وفي طليعتها جرائم النظام السوري ضد السوريين والفلسطينيين السوريين، وخصوصاً في مخيم اليرموك، زاحمت جرائم الاحتلال الإسرائيلي وفاقتها توحشاً، بحيث تناوبت كل منها على الاستئثار بالتغطية على حساب الأُخرى لفترة.

بهذا يمكن القول إن الوضعين الفلسطيني الداخلي والعربي العام اليوم، على الرغم من اندلاع ثورتَي السودان والجزائر في مطلع هذه السنة الجارية (2019)، وما تحملانه من علامات تُظهر أن التوق إلى الحرية لم ينهزم تماماً في المنطقة، هما وضعان في حال من التهتك لم يُشهد له مثيل منذ عقود.

المفارقة الأبرز هي أن الأوضاع الدولية فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية من جهة، وقضايا التحرر العربي من الأنظمة الحاكمة من جهة ثانية، ليست متماثلة. ففي مقابل ثقافوية غربية لا ترى في قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان ما يمكن أن يصلُح لدنيا العرب، ثمة ميل متصاعد عالمياً، إذا ما استثنينا مواقف الإدارة الأميركية، إلى دعم حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم، ما دام هذا الدعم موجهاً ضد احتلال خارجي وفق قوانين وقرارات أممية وإجراءات حل نزاعات متوافَق على مبادئها العامة.

وهذا يحيلنا إلى تساؤل فلسطيني يتخطى الواقع العربي نحو البحث عن أسباب المفارقة، أو البارادوكس، بين "الخارج الدولي" المتحسن تجاه الحقوق الفلسطينية، والداخل الفلسطيني المتراجعة في الوقت نفسه أحواله وشروط مواجهته للضغوط الإسرائيلية، والأميركية، وخصوصاً منذ وصول ترامب إلى البيت الأبيض.

 

عن "الخارج" و"الداخل" فلسطينياً

يجدر التذكير بداية بأن 138 دولة في العالم تعترف الآن بفلسطين، العضو المراقب في الأمم المتحدة والكامل العضوية في العديد من المنظمات الدولية، وأن التصويت في الجمعية العامة على حق تقرير المصير الفلسطيني صار يحصد (مثلما جرى في سنة 2017) 176 صوتاً مؤيداً، في مقابل 6 أصوات معارضة (بينها صوتا إسرائيل والولايات المتحدة). وهذا يحدث في وقت يعلن العديد من المثقفين والهيئات المدنية والأحزاب السياسية والنقابات والمؤسسات الحقوقية في أوروبا والعالم، تضامنهم مع الفلسطينيين أكثر من أي وقت مضى، بل إن بعضهم يذهب إلى حد المطالبة بعقوبات سياسية واقتصادية على تل أبيب.

لماذا هذا التناقض الصارخ إذاً؟ ولماذا يبدو الفلسطينيون غير قادرين اليوم على قطف ثمار ما يزيد على نصف قرن من الكفاح والمعارك والتضحيات التي أثمرت أخيراً اعتراف قسم كبير من المجتمع الدولي ببعض حقوقهم السياسية؟ وما الذي يمكن لأفراد وجماعات يشتغلون في الحقول الثقافية فعله دعماً للقضية الفلسطينية؟

للإجابة، يمكن التوقف عند عاملَين، ثم البحث عمّا يمكن القيام به خارجهما:

العامل الأول، هو العجز الفلسطيني في مواجهة تطرف وعدوانية حكومات إسرائيلية متعاقبة منذ سنة 2009، من اليمين وأقصى اليمين، تثابر على توسيع المستعمرات في الضفة والقدس الشرقية وبينهما، ساعية لتحقيق عملية "إبادة سياسية" للكيانية الفلسطينية وللقضية بأسرها. وقد مررت حكومة نتنياهو في شباط / فبراير 2017 قانوناً جديداً يبيح ضم الأراضي الفلسطينية الخاصة (علماً بأن الأراضي المشاع قابلة للضم أو جرى ضمها وفق قوانين سابقة)، كما وعد نتنياهو بضم أراضٍ محتلة إلى إسرائيل رسمياً في حملته الانتخابية في مطلع نيسان / أبريل 2019. يضاف إلى هذا تنفيذ الرئيس الأميركي عملية نقل السفارة إلى القدس، الأمر الذي ينهي مرحلياً احتمالات حل الدولتين، من دون أن يعني احتمال حل الدولة الواحدة الذي يرفضه الإسرائيليون أصلاً بأغلبية أطيافهم.

العامل الثاني هو تشظي الحركة الوطنية الفلسطينية وتمزقها سياسياً وحتى ترابياً، وترهلها وسوء إدارتها للأحوال الفلسطينية، ونشوء طبقة مستفيدة من الأوضاع الراهنة وصامتة عن الانتهاكات الإسرائيلية (والعربية، ولا سيما في سورية) ضد المدنيين الفلسطينيين.

في مواجهة هذين العاملين وآثارهما المعطِلة لمفاعيل التقدم الذي أحرزته القضية الفلسطينية دبلوماسياً، يبدو العمل على مستويَين هو الأمر الممكن اليوم من أصدقاء الفلسطينيين عامة، ومن المثقفين العرب خاصة:

المستوى الأول يرتبط بالمعركة الثقافية والسياسية من أجل فلسطين في العواصم الغربية، وهذا يشمل : أولاً، العمل الدائم على الاستفادة من التقدم الدبلوماسي وتكريسه والدفاع عنه وتوسيع الدعم للحقوق الفلسطينية في أوساط الرأي العام، وجعل هذا الأخير معنياً بها لعدالتها من جهة، ولارتباطها بالأمن والاستقرار فيما يتخطى رقعتها الجغرافية من جهة أُخرى؛ ثانياً، العمل الحقوقي لإيجاد آليات مقاطعة ومحاسبة لإسرائيل، تماماً مثلما كانت الحال مع جنوب أفريقيا خلال ثمانينيات القرن الماضي ومطلع تسعينياته. وإذا كان الجهد على هذا المستوى قائماً في بعض الأوساط، إلاّ إنه لم يتحول بعدُ إلى عمل منسق ومستديم يعتمد لغة ومصطلحات قانونية موحدة تركز على مسائل الاحتلال والاستيطان وانتهاك حقوق الإنسان ومؤدياتها.

المستوى الثاني يتعلق بإعادة البحث في معنى القضية الفلسطينية عربياً، وإعادة تعريف "مركزيتها"، الأمر الذي يتطلب من الفلسطينيين اعتبار توقهم إلى التحرر من الاحتلال الإسرائيلي مرادفاً لتوق الشعوب العربية إلى التحرر من أنظمة الاستبداد جميعها، وعدم اعتبار المسألتين متنافستين أو متنابذتين أو خاضعتين لترتيب أولويات هرمية. كما يتطلب من المواطنين العرب أن يتذكروا بدورهم أن معركة تحررهم من أنظمتهم ترتبط ارتباطاً عضوياً بمعركة تحرر الفلسطينيين من الاحتلال، وأن الرد على مَن ابتزوهم بالقضية الفلسطينية كي يبرروا قمعهم لا يكون باعتبارها ثانوية أو قليلة التأثير في مصائرهم.

أكثر من ذلك، يجدر تذكير الفلسطينيين والعرب على السواء بأن حصانة منتهكي القانون الدولي الإسرائيليين سهلت حصانة منتهكي القانون العرب، وأن بربرية الأخيرين في التعامل مع شعوبهم سهلت على إسرائيل الاستمرار في جرائمها. وإذا كان المعنى القديم لـ "مركزية القضية الفلسطينية" قد استُهلك وحولته أنظمة وتيارات سياسية عربية إلى عبء على قضية الديمقراطية في المنطقة، فإن الملحّ اليوم هو إعادة تعريفه وفقاً لأفق تحرري نهضوي يمتد من فلسطين إلى المنطقة بأسرها.

بهذا فقط يمكن الانتقال إلى حقبة جديدة من الكفاح المتكامل المسارات في لحظة تردٍّ سياسي وميداني فظيعة. وبالعمل في أوساط الرأي العام الغربي، والتواصل مع مثقفيه وقواه السياسية والاجتماعية التقدمية، يمكن تعزيز المساهمة في دعم الفلسطينيين في مواجهة الهجوم الإسرائيلي المتجدد، المغطى أميركياً، والهادف هذه المرة إلى تصفية قضيتهم والانقلاب نهائياً على إنجازاتها "الخارجية" الدبلوماسية والقانونية.