فرض إختلال ميزان القوة العالمي والإقليمي بشكل سافر لصالح إسرائيل على الفلسطينيين القبول بإتفاق أوسلو بكل ما حمله من إجحاف وظلم بحق الشعب الفلسطيني وحقوقه التاريخية. لكن ذلك لا يعني إنسلاخ المسؤولية كليا عن الطرف الفلسطيني عما آل إليه حاله بعد خمس سنوات من مسيرة أوسلو. فالفلسطينيون، سلطة ومعارضة، لم يرتقوا إلى حجم المخاطر التي رافقت أوسلو ونتجت عنه وانشغلوا بصراعات وتجاذبات داخلية أضعفت وحدتهم الوطنية. وقد تضافرت هذه العوامل جميعا لتخلق الواقع المأساوي الذي يعيشه الشعب الفلسطيني الآن : حكم ذاتي ممسوخ بعيد كل البعد عن ما يمكن وصفه بدولة، هوية وطنية فاقدة للمرجعية منذ غياب مؤسسات منظمة التحرير، فصل بين الضفة والقطاع وبين هذين ومدينة القدس، إذكاء للروح العشائرية بين الفلسطينيين في الداخل وسلخهم عن إخوتهم في الشتات. ومع سيطرة حال الفرقة والتشرذم هذه، يعتبر إنعدام الحلول لها أمرا طبيعيا في ظل غياب المؤسسات المؤطرة للجماهير وضعف برامج جادة للمعارضة وإستمرار تناحرها مع السلطة. وأمام هذا الواقع المرير، يجب على الفلسطينيين التخلص كليا من أوهام التوصل إلى إتفاق عادل يتجاوب مع الحد الأدنى من تطلعاتهم وطموحاتهم والإستعاضة عن ذلك بالسعي جديا إلى إمتلاك زمام المبادرة بأنفسهم عبر إعادة ترتيب أولوياتهم وتحصين جبهتهم الداخلية وإستعادة العمق الإستراتيجي العربي والدولي الذي حظيت به القضية الفلسطينية عشية مؤتمر مدريد والتمسك بالأسس الوطنية التاريخية للشعب الفلسطيني وعدم التفريط بها.

السياسة الفلسطينية مج 5، ع 20 (خريف 1998): 72-76