التنمية الاقتصادية الفلسطينية وآفاق حل الدولتين

Languages

التاريخ: 
الأربعاء, 18 آذار / مارس, 2015 - 14:00
المكان: 
موضوع الحدث: 
اللغة: 
عربي
سلسلة / طبعة خاصة: 
نوع الحدث: 
المتحدثون: 

بدعوة من مؤسسة الدراسات الفلسطينية، وفي إطار "ندوة برهان الدجاني" التي تنظمها المؤسسة سنوياً، ألقت الدكتورة ليلى فرسخ، الأستاذة في جامعة مساتشوستس بمدينة بوسطن، محاضرة بعنوان: "التنمية الاقتصادية الفلسطينية وآفاق حل الدولتين"، وذلك مساء يوم 18 آذار/مارس 2015، في الكولدج هول بالجامعة الأميركية في بيروت.  

في مقدمة المحاضرة، أشارت الدكتورة فرسخ إلى أنها ستتطرق، في ضوء الإرث الفكري والنضالي الذي خلفه الدكتور برهان الدجاني،  إلى طبيعة التنمية الاقتصادية في الضفة الغربية وقطاع غزة بعد 22 عاماً على انطلاق عملية السلام، لتتساءل عما إذا كان ممكناً أن تكون الدولة الفلسطينية التي أعلنت منظمة التحرير عن قيامها، وحظيت  باعتراف أكثر من 139 دولة، ومُنِحت صفة دولة غير عضو في الأمم المتحدة، قابلة للحياة اقتصادياً وقادرة على أن تدعم حق الفلسطينيين في تقرير المصير.

وقد انقسمت مداخلة الدكتورة فرسخ إلى أجزاء ثلاثة؛ في الجزء الأول منها، توقفت عند  التغييرات البنيوية الأساسية التي شهدها الاقتصاد في الضفة الغربية وغزة بعد إنشاء سلطة وطنية فلسطينية؛ وفي جزئها الثاني، تطرقت إلى عناصر الأبارتهايد الإسرائيلي التي تسبّبت في تحويل الضفة الغربية وغزة إلى بانتوستانات على النمط الجنوب أفريقي؛ بينما ركّزت في جزئها الثالث على التداعيات السياسية لهذه التطوّرات وإلى أي حد ترغم الفلسطينيين على إعادة النظر في مشروع الدولة الفلسطينية، والعمل على رد الاعتبار إلى القضية الفلسطينية بوصفها نضالاً من أجل الحرية والمساواة في الحقوق، وليست نضالاً من أجل الدولة بحد ذاتها.

التغييرات البنيوية الأساسية التي شهدها الاقتصاد الفلسطيني

لدى النظر إلى حصيلة الاقتصاد الفلسطيني في الأعوام الاثنين والعشرين الماضية، استنتجت الدكتورة فرسخ حدوث أربعة تغييرات بنيوية أساسية : أولاً، أصبح القطاع العام لاعباً أساسياً في اقتصاد الضفة الغربية وغزة، وتحوّل إلى المستخدِم الأول، لا سيما في قطاع غزة ؛ ثانياً، بات الاقتصاد الفلسطيني يعتمد، اعتماداً أساسياً، على المساعدات الدولية، التي تزايدت  من 0.5 مليار دولار في التسعينيات إلى أكثر من 1.2 مليار دولار سنوياً منذ العام 2002، أي ما يوازي نحو 20 في المئة من إجمالي الناتج المحلي في الضفة الغربية وقطاع غزة؛ ثالثاً، تراجعت حصة القطاعين الصناعي والزراعي في الاقتصاد، بينما سجّل القطاعان العمراني والمالي الجزء الأكبر من النمو؛ رابعاً، اتسعت  دائرة التفكك الجغرافي والاقتصادي داخل الاقتصاد الفلسطيني، وبخاصة بعد أن انفصل اقتصاد الضفة الغربية عن اقتصاد  قطاع غزة، وتراجعت التجارة بين المنطقتَين، وداخل كل منطقة، نتيجة  العوائق والقيود الإسرائيلية، كما ارتفعت مستويات الفقر ارتفاعاً كبيراً  وتزايد التفاوت في المداخيل.

-الأبارتهايد الإسرائيلي

لقد ولّدت عملية السلام في أوسلو، كما ذكرت الدكتورة فرسخ، واقعاً من الأبارتهايد يستند إلى الهيمنة الاستعمارية عن طريق الفصل العرقي. وأتاح هذا الواقع لإسرائيل أن تستمر في الاستيلاء على الموارد الفلسطينية، ومراقبة حركة السكّان، وكبح الاستقلال الذاتي للاقتصاد الفلسطيني، وربط النمو الفلسطيني بالاعتبارات العسكرية والجغرافية الإسرائيلية. وضاعفت إسرائيل عدد مستوطنيها أكثر من مرّتَين بين العامَين 1993 و2012، ليبلغ 325500 مستوطن في الضفة الغربية، وأكثر من 192000 في المستوطنات الأربع عشرة في القدس الشرقية. كما بنت جدار فصل يمتد على طول 708 كلم ويؤثّر مباشرة في أرزاق 71 مجتمعاً محلياً (نحو 264000 نسمة). ومن المتوقع أن يضم لدى إتمامه 85 في المئة من المستوطنين (438000 ألف مستوطن)، و95 في المئة من المستوطنات، فضلاً عن الأراضي الزراعية الفلسطينية الأكثر خصوبة والموارد المائية الفلسطينية الأكثر وفرة.

لقد أدّت سنوات أوسلو إلى تغيير نمط التبعية الفلسطينية لإسرائيل بدلاً من إنهائها. فقد توقّفت إسرائيل عن تأدية دور المدير المباشر للاقتصاد الفلسطيني كما كان الحال قبل سنة 1993، وأصبحت بمثابة البوّاب الذي يتحكّم بالمالية الفلسطينية وبوصول الفلسطينيين إلى العالم. وهي لا تزال وجهة 90 في المئة من الصادرات الفلسطينية، كما أنها مصدر 70 في المئة من الواردات الفلسطينية (لا تنويع للأسواق). أما العائدات الجمركية التي تدفعها إسرائيل للسلطة الفلسطينية، فقد تحوّلت أداةً أساسية تستخدمها  لشل الاقتصاد الفلسطيني والسلطة الفلسطينية على السواء.

- مشروع الدولة الفلسطينية

قضى نظام الأبارتهايد الإسرائيلي، في تقدير الدكتورة فرسخ، على أية إمكانية لبناء اقتصاد فلسطيني قابل للحياة. والأخطر من ذلك، أفرغ النضال الفلسطيني من أجل حق تقرير المصير من مضمونه. فمشروع الدولة الفلسطينية المستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة، وعلى الرغم من كل إنجازاته الكبرى لناحية بناء المؤسسات، والحصول على الاعتراف من المجتمع الدولي، تحوّل بانتوستانات قائمة على الحكم الذاتي. أما الفلسطينيون داخل الخط الأخضر فلا يزالون يواجهون التمييز على المستويَين المؤسسي والاقتصادي، بما يحول دون قدرتهم على التنافس بسهولة في السوق الإسرائيلية. وهكذا، بات في فلسطين اليوم دولةٌ واحدة؛ إنها دولة أبارتهايد حيث يتمتّع الإسرائيليون اليهود بكامل الحقوق السياسية، وحرية التنقل، وبالازدهار الاقتصادي، في حين يُسجَن الفلسطينيون خلف حواجز وجدران، ويُحرَمون من الحقوق الديمقراطية المتساوية، ويتعرّضون للتمييز بصورة مستمرة.

- الدولة الواحدة كحل بديل: التحديات والفرص

ولكن: ماذا يمكن أن يكون البديل عن مشروع الدولة الفلسطينية المستقلة؟

في إجابتها عن هذا السؤال، تلاحظ الدكتورة فرسخ  تزايد الأصوات الفلسطينية الداعية، بعد سقوط حل الدولتين، إلى العودة إلى حل الدولة الواحدة في فلسطين، باعتباره الخيار الذي يضمن الحقوق السياسية المتساوية لجميع من يرغبون في العيش في فلسطين، سواء كانوا يهوداً أم مسيحيين أم مسلمين، مهاجرين أم من السكان الأصليين. بيد أنها تشير، في الوقت نفسه، إلى أن عدداً كبيراً من السياسيين الفلسطينيين ما زال يرى أن الحديث عن خيار الدولة الواحدة إما طوباوي وإما انهزامي، ويُهدّد النضال الطويل والشاق من أجل الاستقلال الفلسطيني، معتبراً أن حل الدولتين هو الحل الوحيد الواقعي الذي يحظى بالإجماع الدولي.

وتخلص الدكتورة فرسخ إلى أن الفلسطينيين يقفون اليوم أمام منعطف تاريخي يقتضي منهم أن يعيدوا تعريف هدفهم واستراتيجيتهم السياسيين، وأن يعيدوا موضعة نضالهم من أجل التحرر ضمن إطار من الحقوق، وليس ضمن إطار الدولة بحد ذاتها. فالأمة يجب، في تقديرها، أن تسمو فوق الدولة، لا أن تختطف الدولة الأمة. وقبل كل شيء، عليهم أن يعيدوا  صوغ الشعار الذي أُطلِق في العام 1971 بإقامة دولة ديمقراطية في فلسطين وتحويله إلى مشروع سياسي يأخذ في الاعتبار مستجدّات الأعوام السبعين الماضية بدلاً من نكرانها.

وتختم الدكتورة فرسخ مداخلتها بنفحة تفاؤلية، بالوعد الذي يحمله الربيع العربي. صحيح أنها ترى أن هذا الوعد يبدو اليوم حلماً بعيد المنال، لكنها تعتقد أن رسالته لا تزال حاضرة بيننا، لا سيما حق جميع الشعوب في المنطقة بالحرية والكرامة، وقيام  الدولة بحماية مواطنيها لا ترويعهم، والخضوع للمساءلة أمامهم لا قمعهم، والحفاظ على تنوّعهم بدلاً من بثّ التعصب المذهبي أو الخوف في وسطهم.