عشرة أعوام على رحيل محمود درويش

أعلام >> عشرة أعوام على رحيل محمود درويش

 

 

 

عشرة أعوام على رحيل محمود درويش

 


في التاسع من آب/أغسطس 2008، رحل في أحد مستشفيات مدينة هيوستن الأميركية الشاعر الذي نقل، بشعره، فلسطين وقضيتها العادلة إلى العالم ولعب دوراً بارزاً في أنسنة مقاومة شعبها للاحتلال. وتخليداً لذكرى "عاشق فلسطين" وأحد أبرز رموز المشروع الثقافي الفلسطيني الحديث، تقرر أن يكون يوم الثالث عشر من آذار/مارس، يوم مولده، يوماً للثقافة الوطنية الفلسطينية.


ومساهمة منا في تخليد ذكرى محمود درويش، بعد عشرة أعوام على رحيله، ننشر ملفاً خاصاً عنه، يتضمن مقالاً للياس خوري كتبه بعد أيام قليلة على رحيل محمود درويش بعنوان: "مات الشاعر"، ومقالاً لماهر الشريف بعنوان: "رحل الشاعر وهو يحلم بكتابة 'الشعر الصافي'"، كما يتضمن سيرة ذاتية للشاعر وأهم آثاره الشعرية والنثرية .

 

 

 

مات الشاعر ... 

الياس خوري

 

  

في آخر مكالمة هاتفية، سألني محمود درويش عن رأيي في قصيدته الأخيرة "لاعب النرد"، فقلت له، كعادتي في ممازحته، انه صار يكتب مثل الشعراء، واخبرته حكاية عن ابي العلاء المعري. قلت ان شاعر المعرة، كان في نقده الأدبي يسمّي كل الشعراء بأسمائهم، ولكنه حين يصل الى ابي الطيب المتنبي لا يسمّيه، بل يطلق عليه اسم الشاعر، مع ال التعريف. سمعت ضحكته آتية من البعيد الأميركي. وعندما سألته عن الجراحة التي سيجريها في الشريان الأبهر، قال ان الطبيب اكد له ان الخطر لا يتجاوز الواحد في المئة.

هل صدّق الشاعر طبيبه، ام انه قرر الذهاب الى الموت بدل انتظاره؟

لا يملك احد الجواب عن هذا السؤال، فالشاعر كان يملك براءة الأطفال التي تخفي مكرهم. ولم يبح بسرّه الأخير الى أحد. كان يروي لأصدقائه انه لم يعد قادراً على احتمال قنبلة موقوتة في صدره وانه قرر اجراء العملية، على الرغم من نصائح طبيبه الفرنسي، الذي اجرى له جراحة مشابهة من حيث خطورتها عام 1998، كانت نتيجتها قصيدة كبرى عنوانها "الجدارية".

منذ عشر سنين، يعيش محمود درويش في "حضرة الغياب". يقف عاجزاً امام شريانه المعطوب، ويكتب اجمل دواوينه ونصوصه استعدادا للموت. عندما أعطاني مخطوط عمله النثري الذي يرثي فيه نفسه، أُصبت بالذهول. سألته ماذا يفعل بنفسه وبنا؟ ثم قلت له، مازحاً، ماذا نكتب بعد موتك؟ فروى لي حكايته مع كمال ناصر بعد اغتيال كنفاني.

لو سأله صحافي عن دلالات نصه هذا، لكرر عليه إجابته في "الجدارية"، بأن الفنون قهرت الموت، لكن الشاعر كان يعرف انه سيموت وهو يهزم الموت، لذا قرر ان يلاعب الموت ويتلاعب به، في الصراع الكبير بين موسيقى الكلمات، وصمت الغياب.

روى درويش انه فوجئ بالشاعر الفلسطيني كمال ناصر يدخل عليه مكتبه في مركز الأبحاث الفلسطيني غاضباً وهو يحمل مقال الرثاء الذي كتبه الشاعر بعد اغتيال كنفاني. رمى كمال ناصر المقال على الطاولة، وسأل معاتباً: ماذا ستكتب عن موتي، بعدما كتبت كل شيء في هذا المقال؟

عام 1973، حين اغتال الاسرائيليون كمال ناصر وكمال عدوان ومحمد يوسف النجار، كتب محمود قصيدة العرس الفلسطيني، حيث "لا يصل الحبيب الى الحبيب الا شهيداً او شريداً".

ينطلق سؤال القلق الدرويشي من فرضية المعلّقات: "هل غادر الشعراء من متردمِ"؟ كأن الشاعر العربي كان يقف مذهولاً امام "الصاحب" او الجنّي الذي يملي عليه كلاماً جديداً، على رغم ان الشعراء الذين سبقوه قالوا كل شيء. لكن درويش لم يستسلم لذهوله بكلامه الجديد وحدسه الشعري المدهش، وطراوة زهر اللوز في موسيقى شعره، والماء الذي يرقق كلماته، إنما اضاف اليها قدرته الواعية على تلخيص الشعر العربي الحديث بأسره، قبل ان يرفع اشرعته للسفر الى كل الشعر، من قدماء اليونان الى نيرودا.

كان فيه شيء من المتنبي، الذي لخّص شعر زمنه. لكن الفرق بين الشاعر الحديث والشاعر القديم هو ان الأول رفض السلطة عندما اتته من دون جهد، بينما ارهق الثاني حياته كلها بحثاً عن سرابها. وان الأول كان بداية الشعر الذي يصنع الأرض على رغم غربته عنها، بينما بقي المتنبي تائهاً في وعود الكلمات. لم يجد درويش الأرض التي صنعها بكلماته قبل ان تتحول الى واقع ملموس. بقي درويش في فلسطين التي عاد اليها من دون عودة حقيقية، غريباً في بلاده، على رغم انه كان سيد الكلمة فيها، في وصفه اميراً للكلام، وهي الصفة التي اطلقها الخليل بن احمد على الشعراء. كان غريباً لأن فلسطين صارت غريبة عن نفسها.

اثنان صنعا اللغة الفلسطينية، الأول روائي من عكا، صار لاجئا في سورية ثم في لبنان، وتشظى جسده في الحازمية بالقرب من بيروت، والثاني شاعر من البروة في قضاء عكا، لجأ الى لبنان عام 1948، ثم تسلل بعد عام امضته العائلة في ثلوج جزين، عائداً الى الجليل. كنفاني صنع حكاية العودة الافتراضية الى حيفا، بينما لم يعد درويش الا الى جزء من وطنه. كان كنفاني صانع بدايات اللغة، بينما بلور درويش الحكاية في نفس غنائي- ملحمي. ولم يكتمل التأسيس الا حين اضاف اليه ادوارد سعيد فكره النيّر وثقافته الموسوعية المدهشة، ونكّهه اميل حبيبي بالسخرية السوداء في "متشائله".

المؤسسان ماتا انفجاراً، كنفاني قتله الاسرائيليون ودرويش انفجر من الداخل. الاول لم يخش الموت، والثاني ذهب الى مغامرته الأخيرة مع الموت بإرادته.

"ماذا لو خسرنا الجولة يا صاحبي"؟، أردت ان اقول، وانا ابدي رفضي ثم ترددي امام قرار إجراء الجراحة في هيوستن، تكساس.

الحكاية بدأت في بيروت، منذ عامين. جاء محمود حاملا معه صور الأشعة لشريانه الأبهر الذي توسع الى حدود خطر الانفجار. ذهبنا الى أطباء القلب في "اوتيل ديو"، ومستشفى الجامعة الأميركية، وكانت الآراء متطابقة حول الخطر الداهم، وحول صعوبات الجراحة، بعد جراحة اجريت منذ ثمانية اعوام، وكادت تودي بالشاعر.

ثم ذهبنا الى باريس، ليلى شهيد اخذت موعداً من الطبيب الفرنسي الذي اجرى الجراحة الأولى، وكان تقديره ان الشريان لم يصل الى حدود الانفجار، وطمأننا من دون ان يخفي الخطر الذي يلوح في الأفق. يومذاك احتفلنا في مطعم "الكوبول" الباريسي بالسمك. جاء اللقز مستسلماً ومشوياً، وضعنا فوقه زيت الزيتون وشربنا النبيذ الفرنسي الأبيض، واحتفلنا بالنجاة.

لكن الموت بقي كامناً، وأطل برأسه من جديد مع بدايات هذا الصيف. ذهب الشاعر الى باريس في تموز، وسمع من طبيبه كلاماً مخيفاً. ضحك وهو يروي لي ان الطبيب اخبره ان شارل ديغول كان مصاباً بالمرض نفسه، وان الرئيس الفرنسي الراحل فضّل انتظار الموت رافضاً إجراء الجراحة. "يعني دار درويش زي دار ديغول"، قال الشاعر ممازحاً طبيبه. لكنه بعد شيء من التردد قرر الذهاب الى هيوستن في رفقة اكرم هنية وعلي حليلة، لاجراء الجراحة الخطرة.

سألته عن احتمالات الخسارة، لكن الرجل لم يجاوب. رأيت في ظلال عينيه الرماديتين الخضراوين، حيرة من لا يعرف كيف يجيب عن سؤال لن يكون في استطاعة الخاسر سماعه.

مرةً سألته عن لون عينيه، كان ذلك بعد رحلتنا الى جزين. يومذاك ذهبنا معه، باسكال فغالي وماهر جرار وأنا، الى البلدة التي اتاها طفلاً لاجئاً عام 1948، كان يبحث عن ذكريات الذاكرة، في البلدة اللبنانية التي جاءها في السابعة من عمره، بعد سقوط قريته البروة مرتين في ايدي الاسرائيليين. مشينا في الطرق لكننا لم نهتد الى البيت الذي عاشت فيه العائلة. وسط البحث التفت اليّ وقال: "بلاش ذكريات، الكبّة النية افضل من الذكريات"، وذهبنا الى مطعم يشرف على واد سحيق، وأكلنا الكبة، وشربنا العرق البلدي، واستمعنا الى حكايات الكبة النيئة الجليلية التي تصنعها حورية، والدة الشاعر. وعادت ذكريات الذاكرة لتروي عن القرية الفلسطينية، التي جرف الاسرائيليون بيوتها واقاموا على ارضها كيبوتسا لليهود اليمنيين، وكيف وجدت العائلة العائدة تسللاً نفسَها في العراء، فذهبت للاقامة في قرية دير الأسد، قبل ان تنتقل الى قرية الجديدة. اخبرنا عن المغنّي الأعمى، الذي عثرنا عليه في ديوان "لماذا تركت الحصان وحيدا؟"، وعندما سألته عن سقوط البروة مرتين، قال انه لا يذكر ذلك لأن النكبة تتراءى له ككابوس طفولي غامض الملامح.

سقطت البروة مرتين. في 11 حزيران 1948، اجتاحها لواء كرملي وطرد سكانها الذين التجأوا الى الحقول المجاورة. لكن اهل البروة قرروا العودة الى قريتهم من اجل حصاد محاصيلهم، فعادوا الى القرية بالعصي والمعاول وما تيسر من اسلحة في 22 حزيران، لكنهم اضطروا الى تسليم القرية الى جيش الانقاذ، الذي انسحب منها بعد اسبوع تحت ضغط عملية "ديكل".

لم يبق من تفاصيل الحكاية سوى الواقع الوحشي الذي جعل الشاعر يصرخ: "وأنا اسيل دماً وذاكرة اسيل".

هذا التزاوج الذي صنع من الذاكرة دما، هو الحكاية التي صاغها درويش، حاملاً رائحة القمح الجليلي، كي يطلب الى مشيّعيه ان لا يضعوا على نعشه سوى سبع سنابل وشقائق النعمان: "فيا موت انتظرني ريثما انهي/ تدابير الجنازة في الربيع الهش/ حيث ولدت، حيث سأمنع الخطباء/ من تكرار ما قالوا عن البلد الحزين/ وعن صمود التين والزيتون في وجه/ الزمان وجيشه. سأقول: صبّوني/ بحرف النون، حيث تعبّ روحي/ سورة الرحمن في القرآن. وامشوا/ صامتين معي على خطوات اجدادي/ ووقع الناي في ازلي. ولا/ تضعوا على قبري البنفسج، فهو/ زهر المحبطين يذكّر الموتى بموت/ الحب قبل اوانه. وضعوا على/ التابوت سبع سنابل خضراء ان/ وجدت وبعض شقائق النعمان ان وجدت...".

لن اسأل الخطباء لماذا لم ينفّذوا الوصية، فحين نخون الموتى نكون في اكتمال الخيانة، لكن علاقة تشبيه الذاكرة بالدم من خلال الفعل وليس عبر اداة التشبيه، هي المؤشر الى الحكاية الفلسطينية، والى مأساة البروة، وهي واحدة من مئات القرى الفلسطينية التي دمرت وازيلت من الوجود.

لم أسأله اذا كان قد سرق القمح من ارضه التي طُرد منها. فالشاعر لم يكن روائياً كي يسرد، بل كان شاعراً يلخّص العالم ويعطيه لغته.

كانت الذاكرة مرسومة على عينيه الخضراوين الرماديتين. سألته عن لون عينيه، فنزع عويناته ونظر اليّ، ثم نظر الى الأصدقاء والصديقات المتحلقين حوله، وقال انه يحار في تحديد اللون، فهو يحب الخريف على رغم انه ولد في الربيع، وقال ان الاخضرار الرمادي فيه الكثير من تلاوين الخريف، حيث يختلط الأخضر باحتمالاته.

لا ادري لماذا بدأت برواية حكاية لون العينين، ربما لأني اردت ان اقول شيئا عن علاقة الطفولة بالمكر، وعن شعوري الملتبس وانا ارى كيف كان الشاعر قادرا على الانتقال بينهما بسهولة ورشاقة.

لكن الحكاية تجددت منذ عامين، حين اتى الشاعر الى بيروت حاملاً ملفّه الطبي، الذي اوصله الى هيوستن. منذ تلك اللحظة لم أعد أرى سوى الطفل الخائف من القدر. ليس صحيحاً أننا لا نخاف، لكن هذا الطفل أتى الى بيروت حاملاً معه كتابه المدهش "في حضرة الغياب"، وكان يخبئ "أثر الفراشة"، ويستعد لانجاز مجموعة شعرية جديدة، نشر منها قصيدة "لاعب النرد"، وهي احدى ذراه الشعرية.

روت ليلى شهيد انه في لقائه الأخير مع طبيبه الفرنسي سأل الى متى يمهله الشريان الأبهر اللعين؟ قال انه لا يريد شيئاً سوى القليل من الوقت من اجل انجاز ديوانه الجديد.

هل اعتقد الشاعر ان ديوانه انتهى فذهب الى جولته الأخيرة مع قلبه؟ ومن قال له ان الديوان انتهى؟

ذهب الشاعر الى معركته الثالثة مع الموت باختياره. لا، لم يذهب الى الموت، لكنه سبق الموت الى موته. رضي بإجراء عملية تمييل للشرايين، ودخل الى العملية الجراحية الكبرى حيث تم استئصال 30 سنتيمترا من الشريان الأبهر واستبدالها، لكنه اوصى بأن لا يتركوه حياً في شكل اصطناعي. كانت ذكريات التخدير الطويل في الجراحة الباريسية قد تركت بصماتها المخيفة على "الجدارية"، حيث خيّل للشاعر انه سجين يتعرض للضرب، ورأى الممرضين والأطباء على شكل جلاّدين ومحققين يقومون بتعذيبه.

المفارقة المدهشة ان جميع اعضاء الجسم الحيوية اصيبت بالعطب جراء انفجار جلطات الكولسترول، التي انهمرت في كل مكان. وحده القلب استمر ينبض ويعمل في شكل طبيعي. لو يستطيع القلب ان يحكي؟ لكن القلب لا يحكي الا شعراً، ولم يكن هناك في غرفة العناية المركّزة من يفهم لغة الشعر وايقاع نبضات القلب، كي يروي لنا ما قاله الشاعر وهو يبحر في البياض الأسود الذي يشبه ثلج المتنبي في رحلته الوحيدة الى جبال لبنان.

قال مارسيل خليفة جملة مفيدة. قال ان قصائد درويش تحمل معها موسيقاها، كأنها ليست في حاجة الى تلحين. هذا هو عروض الشعر الدرويشي. انه موسيقى القلب، التي تعيد نسج عروض الخليل وتصنع منها اغنيات للموت لا تموت.

 2

حين استعيد تهديدات ادوارد سعيد بأنه سيكتب رواية كبرى، وكيف انتهى المشروع الى كتابة سيرته الذاتية الرائعة "خارج المكان"، أكتشف أني لم أفهم الا متأخراً معنى قرار إدوارد سعيد التخلي عن كتابة الرواية. فالرواية هي حقل الابطال الهامشيين والفاشلين بامتياز، اما المذكرات فهي حقل الناجحين. حين شرع ادوارد في كتابة سيرته التي صدرت بترجمة عربية ممتازة وقّعها فوّاز طرابلسي، لم يكن يمتلك الوقت للنجاح من خلال الفشل، فقدّم الى الادبين الاميركي والعربي سيرة ذاتية فذة ومدهشة في قدرتها على التقاط التفاصيل، ورسم المصائر.

لكن الشعر يمتلك الحيلة التي لا يمتلكها اي فن كتابي آخر. هذا ما علّمنا اياه مالك بن الريب حين رثى نفسه:

"تذكرت من يبكي عليّ فلم أجد

سوى السيف والرمح الرديني باكيا

 يقولون لا تبعد وهم يدفنونني

واين مكان البعد الا مكانيا"

يتفوق الشعر، لأنه يستطيع ان يروي الحكاية مثلما تفعل الرواية تماما، عبر الإيهام بأن الحكاية يمكن ان تبدأ من البداية، كما ان الشاعر يستطيع ان يخاطبنا من غيب ما بعد الموت، اي ان يتابع الحكاية حتى بعد نهايتها. الصوت النبوي الذي يمتلكه الشعر هو جذر القطيعة بين الأدب والدين في الثقافة العربية الكلاسيكية، لكن هذه مسألة تحتاج الى مبحث خاص بها.

روى محمود درويش بداياته باقتضاب شديد، لكنه حين كتبها شعراً، تركها في الغموض الذي يليق بالشعر، واقام حواراً بين الرجل والطفل.

"عد طفلا ثانية/علّمني الشعر/ وعلّمني ايقاع البحر/ وأرجع للكلمات براءتها الأولى/ لِدني من حبة قمح، لا من جرح، لدني/ وأعدني، لأضمّك فوق العشب، الى ما قبل المعنى/ هل تسمعني: قبل المعنى/ كان الشجر العالي يمشي معنا شجراً لا معنى/ والقمر العالي يحبو معنا/ قمراً/ لا طبقاً فضياً للمعنى/ عد طفلاً ثانية/ علّمني الشعر/ وعلّمني ايقاع البحر/ وخذ بيدي/ كي نعبر هذا البرزخ ما بين الليل وبين الفجر معا/ ومعا نتعلم اولى الكلمات/ ونبني عشاً سرياً للدوري/ اخينا الثالث/ عد طفلاً لأرى وجهي في مرآتك/ هل انت انا/ وانا انت؟/ فعلّمني الشعر لكي ارثيك الآن الآن الآن/ كما ترثيني!"

كان المثنّى حيلة درويش الأخيرة لاكتناه العلاقة بين البداية والنهاية، الشاعر الحديث ينقسم اثنين، لا ليبكي، إنما ليكتشف سر العلاقة المعقدة بين الموت والحياة. لذا يدمجهما في نسيج رؤيوي، ويحوكهما في خيطان متقاطعة.

تقول الحكاية ان ابن البروة الذي اقام في دير الأسد ودرس في كفر ياسيف كان شاعراً منذ طفولته، وفي حكاية اخرى انه كان يعشق الرسم. ابن اللاجئين في وطنهم، الذين تحولوا من فلاحين الى عمّال مياومين، لم يكن يملك ثمن اقلام التلوين فقرر ان يصير شاعراً. تقول الحكاية ان ابن الثانية عشرة دعي الى القاء قصيدة في المدرسة. كتب قصيدة عن طفل فقد بيته واستولى الغرباء على ارضه. لم يكن الطفل يعرف ان قصيدته سوف تلقى في مناسبة ذكرى النكبة التي يسمّونها هناك عيد الاستقلال. استدعي في اليوم التالي الى مقر الحاكم العسكري، حيث تم تهديده بمنع ابيه من العمل، "ساعتها فهمت ان الشعر اكثر جدية مما اعتقد، وكان عليَّ ان اختار بين مواصلة هذه اللعبة وبين التوقف عنها، وهكذا علّمني الاضطهاد ان الشعر قد يكون سلاحاً".

في حكاية اخرى ان الفتى بدأ الكتابة بنسخ كتب الأدب العربي المعاصر على دفاتره، لأن الكتب كانت نادرة جدا.

اذكر اننا كنا نسهر مع الكاتب المصري الكبير يوسف ادريس. قلت لمحمود ان ادريس يشبه الكتّاب، بكتفيه العريضتين وسمرته وعينيه الخضراوين، وأنها المرة الأولى التقي فيها كاتباً لا يخيّبني، فالكتّاب في العادة، لا يشبهون ما نتخيله عنهم. نظر اليَّ درويش وسألني: "وأنا، ألا اشبه الشعراء"؟ قلت: "لا، فأنت تشبه نجوم السينما"! في تلك الأمسية التي لا تنسى، قال يوسف ادريس شيئا عن ضرورة ان يكون التشبيه دقيقا، واعطانا مثلا من احدى قصصه، حيث يقول: "يتشابهون كحبات المطر". التفت اليَّ درويش موشوشاً بيتاً من "احمد الزعتر" يقول: "إن التشابه للرمال وانت للأزرق". سألني يوسف ادريس ماذا نقول، فرويت له السطر، فغمغم كلاما غير مفهوم. لكن الشاعر تدارك الموقف بأن روى انه كان ينسخ قصص يوسف ادريس على دفاتره، وانه من خلال النسخ تعلّم الكتابة.

في حكاية ثالثة ان البداية كانت مع قصيدة بطاقة هوية"، وان صرخة "سجِّل انا عربي" جعلت الشاعر ضميراً لشعبه، وصوتاً للمأساة الفلسطينية. وان الشاب الذي انتقل الى العمل في حيفا وصار رئيساً لتحرير "الجديد"، ومحرراً في "الاتحاد". كان احد أبناء "جهينة"، وهو الاسم الذي كان يوقّع به اميل حبيبي. وان ابناء حبيبي كانوا يتشابهون في انتسابهم الى التيار الواقعي الذي اسسته مجلة "الطريق"، مع انطون تابت ورئيف خوري وحسين مروة. في تقديمه كتاب الرسائل المتبادلة بين درويش وسميح القاسم، وصف حبيبي الشاعرين، بأنهما كشقّي برتقالة. وعندما ذهبنا الى براغ لاجراء حوار مع حبيبي للعدد الأول من مجلة "الكرمل"، فوجئت بالاستاذ يتتلمذ والتلميذ ينظر الى استاذه بعيني الطفل الذي كانه. بعد "بطاقة هوية" جاءت "عاشق من فلسطين". يومذاك تبلور المشروع الشعري الفلسطيني في وصفه تأسيساً للغة جديدة، واستعادة للأرض باللغة.

في حكاية رابعة ان درويش صار شاعراً كبيراً بعد خروجه من الجليل. مرّ بالقاهرة قبل ان يأتي الى بيروت ويلتحق بمنظمة التحرير الفلسطينية. في مؤتمر اتحاد الكتاب الفلسطينيين الذي عقد في الجزائر عام 1977، ألقى درويش قصيدته "كان ما سوف يكون"، في رثاء راشد حسين. يومذاك شاعت تسمية الشاعر العام. اعتقد ان معين بسيسو هو الذي اطلقها، كي يقول انه الى جانب القائد العام ياسر عرفات، يقف اليوم شاعر عام اسمه محمود درويش. كان مزيج الغيرة والخبث والاعجاب يقف خلف اطلاق هذه المداعبة، لكن أحداً لم يفاجأ بأنها كانت حقيقة لا تنطبق الا على شاعر "احمد الزعتر".

في حكاية خامسة، ان الشاعر الذي صقلته تجربته البيروتية وفتحت امامه آفاق التجريب الشعري، وخصوصا مع ديوانه "محاولة رقم 7"، أخذته باريس وعزلتها الى آفاق القصيدة الجديدة، التي بدأت مع ديوانه "ورد اقل"، لتصل الى اكتمالها في ملحمته الغنائية الرائعة "لماذا تركت الحصان وحيداً؟". يقول النقد ان درويش الناضج، دخل في "مشمش" الأربعين، بكامل اجتهاده الشعري، وانه وهو ينقّب في "لسان العرب"، ويسافر في القراءة، اكتشف صوته الجديد، ودخل في معادلة الغنائي الذي يتشكل في داخل البعد الملحمي، مقدماً رؤيا شعرية فذة، تقوم على تحويل القصائد القصيرة المكثفة الى فواصل في نسيج ملحمي يروي المأساة التي تشخصنت.

في حكاية سادسة انه يجب ان نعود الى شخصية ريتا كي نفهم البداية. ظهرت ريتا للمرة الأولى في ديوان "آخر الليل"، وستسحب ظلالها على كل تجربة درويش الشعرية، ولن تختفي الا بعد "الجدارية". بصرف النظر عن الأساس الواقعي للعلاقة القصيرة التي ربطت بين درويش وشاعرة اسرائيلية رفض ان يبوح باسمها، ولن ابوح أنا ايضا به، فإن ريتا، سوف تتحول رمزاً، لا لاستحالة الحب بين عدوّين، ولكن لأنها ستكون اطار انقسام الأنا نصفين. هنا سوف يعود درويش الى اكتشاف مثنّى امرئ القيس، وسوف يرسمه كلحظة تراجيدية انسانية. خصص درويش ديواناً كاملاً للحب، انطلق فيه من ريتا، ليصل الى شفافية العلاقة التي تصنعها الرغبات والمشاعر. "سرير الغريبة"، هو احد اجمل قصائد الحب واكثرها التصاقاً بالتجربة الذاتية. مع ذلك، رفض الشاعر في مرثيته، "في حضرة الغياب"، ان يستعيد حكاية حب واحدة، او ان يشير الى تجربتَي زواجه بكل من رنا قباني وحياة بلحيني، كما رفض ان ينجب اولاداً، وقدّم لنا خلاصات غامضة عن حب لا يتجلى الا "في غياب كثيف الحضور". فالانسان بحسب درويش "يخترع الحب عند الضرورة".

لم يكن درويش يروي عن قصص حبّه الا نادرا، وفي شكل لا يترك مجالا لأي سؤال، وكان يخشى من تلك المرأة المجنونة، التي أتت الى احدى امسياته لابسةً فستان العرس الأبيض وصارخةً بأنها زوجة الشاعر، ما اضطر درويش الى الهرب الى الكواليس ريثما أُخرجت المرأة من القاعة.

كلامه الدائم عن ضرورة الهرب من النساء لم يكن صادقا، وحده شعره يكشف مكابداته مع الحب، لأن "اصدق الشعر اكذبه"، مثلما قالت العرب.

في حكاية سابعة، ان نجومية درويش الباهرة، تبلورت عبر العلاقة، التي كانت دائما ملتبسة، مع السلطة، وخصوصا مع ياسر عرفات. عرفات حضر زفافه الأول، كشاهد وبديل من الأب الغائب، وكانت علاقتهما اشبه بالعلاقة بين رمزين. لعبة الرمز التي سادت طويلا تخللتها لحظات صعبة، كان تطويق "القوة 17" التابعة للقائد العام مركزَ الابحاث عام 1979 احدى محطاتها الأكثر سخونة، ما دفع درويش الى الاستقالة والذهاب للعمل في تونس في "الاليكسو"، كما اجبرتني انا ايضا على الاستقالة من عملي، والبدء برحلة العمل الصحافي.

كانت علاقة درويش بالسلطة شبيهة بعلاقته بالسياسة، كان يعرف ان يحتفظ بالمسافة الضرورية التي يحتاجها شعره. عمل على بناء شخصيته الرمزية على رغم برمه بها، واقترب من السلطة على رغم رفضه لها. لعبة معقّدة لا يتقنها الا من وظّف ذكاءه الحاد وحدسه في خدمة مشروعه الشعري. نقده لأوسلو واستقالته مع شفيق الحوت من اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، لم يحولا دون سفره مع عرفات الى جنوب افريقيا، او "العودة" الجزئية الى رام الله، رافضاً منصب وزير الثقافة الذي عرض عليه.

كان يحلو له ان يطلق على اصدقائه لقب "الأمير"، لكن اناقته ولطفه ونبله، جعلت هذه الصفة لا تنطبق الا عليه. ولأنه امير في سلطة الكلام، كان يحسن اقامة العلاقة مع السلطات، وكان يتقبل انتقاداتنا اللاذعة في بعض الاحيان بصبر، وينهي الخلاف بنكتة تلتمع فلا نستطيع صدها.

لم نكن نحب هذا الجانب فيه، لكننا اعتدنا ان نتقبل وجوهه المتعددة، لأننا كنا نعرف ان وجهه الحقيقي هو شعره الذي لم يتوقف سحره منذ اربعين عاماً.

في حكاية ثامنة ان الشاعر بدأ بعد الجراحة التي اجريت له في باريس، وكادت تودي بحياته. عندما زرته في المستشفى الفرنسي احسست برهبة النهاية. كان الشاعر ينام في فراش الموت. لكنني لم انتبه الى انه كان يستعد للبدء من جديد، وان قصيدته الكبرى "الجدارية"، سوف تكون ميدان تبلور علاقته بثلاثة اقانيم: المثنّى والحصان والموت. سوف يأتي من بعدها اصفى دواوينه، "لا تعتذر عما فعلت"، وسوف ينتقل من "حالة حصار"، الى "كزهر اللوز او ابعد"، وسيذهل النثر بمرثيته المدهشة، قبل ان يأخذنا الى "أثر الفراشة".

كنت اخاف من عزلته في عمان. اسأله كيف يحتمل عزلته، فيخبرني عن سعادته بالوحدة، ويسخر من خوفنا عليه. وكان الشاعر يخاف. انا لا اتحدث هنا عن الخوف من المرض او الموت، بل اتحدث عن خوف آخر، لم يخطر لي على بال. كان محمود يخاف قبل امسياته الشعرية. هل يصدّق احد ان سيد المنابر الذي كانت الالوف تتدفق لسماعه في بيروت وحيفا ورام الله ودمشق وتونس والدار البيضاء، كان يصاب بالغثيان ويرتعد قبل ان يصعد الى المنبر، كأنه مجرد هاو؟! بقي محمود درويش يتعامل مع الشعر ومع قراءته كأنه يكتب للمرة الأولى، وكأنه يكتشف ان الكلمات تولد على يديه جديدة وشفيفة، فيخاف من هذا السر الذي لا يستطيع احد الاحاطة به.

حاولت ان ابحث عن بداية يبدأ منها السرد وتبدأ معها الحياة، فاكتشف ان هناك احتمالات لا تحصى للبداية، لكن احتمالها الأكبر هو حين تمتزج بالنهاية، فتصير النهاية بداية، او تصير عتبة لبداية جديدة. لذلك لن اصدّق موت الشاعر. سوف اعتبر موته مجرد استعارة للحياة. منذ اليوم سيبدأ الشعر رحلته متكئاً على الشعر وحده، وسوف ينتصر الشاعر على الطفل، تاركاً لنا عبء البحث في المثنّى عن وسيلة لاعطاء المعنى لحياة لا معنى لها.

 3

عندما استفاق محمود درويش من التخدير الذي اعقب الجراحة عام 1998، طلب قلماً وورقة. قال انه كان خائفاً من ان يكون قد نسي اللغة. لذا صرخ في جداريته: "... من انا؟ هذا سؤال الآخرين ولا جواب له. انا لغتي انا/ وانا معلّقة معلّقتان... عشر، هذه لغتي/ انا لغتي، انا ما قالت الكلمات:/ كن/ جسدي فكنت لنبرها جسدا".

كانت لعبة درويش صريحة منذ البداية، لذا لم يعبأ بما قيل عن التزامه وعن تخليه عن شعر المقاومة، والى آخر الدروس التي يلقيها سفهاء هذه اللحظة المنقلبة. لأن محمود لم يكن يوما باحثا عن صفة لشعره. كان شاعراً فقط، والشاعر هو من يلخص زمنه ويكثفه ويفارقه ويعيد تأليفه. هذه هي اللعبة. لذا اقول ان الشاعر لم يكن في وارد كل الكلامولوجيا التي صاحبت شعره، لأنه كان يرى في نفسه ناياً للقصيدة. ذنبه انه فلسطيني، وان نكبة شعبه لم تتوقف منذ ستين عاما، وانه ابن تراجيديا العرب في العصر الحديث، لذا صار شاعر الأرض والحلم. كان مشروع درويش الشخصي الوحيد ان يصير شاعراً، وفي هذا السياق حمل فلسطين الى الشعر جاعلا منها استعارة كونية كبرى، واخذ الشعر الى فلسطين، كي يعطيه مذاق زيتون الجليل، ونكهة الجمال الممزق بالمحن. لذا كان خوفه الوحيد على اللغة، وليس على الجسد. هناك في المستشفى الفرنسي، حين كان الشاعر محاصرا بآثار التخدير التي ادخلته في الهلوسة، فاجأني بمناقشة ادبية تفصيلية، قبل ان يعود الى خوفه من السجن الذي جاءه من ذاكرة معاناته مع القمع الاسرائيلي. قلت له بعد ذلك ونحن نحتسي النبيذ الأحمر في منتوفا في ايطاليا، ان كلامه في المستشفى ذكّرني بأبي العلاء في "رسالة الغفران"، حيث دخل شاعر المعرة في مناقشة ادبية ولغوية مع شعراء العرب في رحلته الى ما وراء العالم. هوس الشعراء هو الشعر، ولا شيء آخر. اعرف ان في كلامي هذا شيئاً من التعسف، لأن مسيرة الشعراء والأدباء لا تبدأ هكذا. يبدأون في شروط زمنهم ولغته، لكنهم يكتشفون ان الأدب لا يخاطب الأحياء فقط، بل يخاطب الموتى ايضا، وانهم يحملون في داخلهم تاريخ الأدب كله. هذا يحصل في النهاية، اي في مراحل النضج التي هي اسم آخر لبداية الرحلة الأخيرة الى الموت. تختلط النهاية بالبداية، بل تصير النهاية هي البداية الحقيقية. "ومثلما سار المسيح على البحيرة/ سرت في رؤياي لكني/ نزلت عن الصليب لأنني اخشى العلو/ ولا ابشر بالقيامة". المسيح بدأ في لحظة الصليب، قبل ذلك لم يكن مسيحاً، والشعر يبدأ لحظة الصعود الى الصليب، حيث تصير النهاية تأويلا للبداية، وبدايتها الفعلية.

في منتوفا حيث شاركنا في ندوة عن الأدب العربي المعاصر، جاء محمود درويش حاملاً "جداريته". وكي اخفف من وقع النبرة الحزينة، قلت انني في شبابي حفظت الكثير من شعره لأسباب عملية، اذ كنت استخدم هذا الشعر وسيلة لغواية الفتيات، وان هذه الوسيلة اثبتت انها ناجحة جدا. لم اقل انني لا ازال الى الآن احفظ هذا الشعر للسبب نفسه ولسبب آخر يتعلق بسيكولوجيا ابطال الروايات، اذ لا استطيع ان اتخيل خليل او منصور من دون شعر يؤهلهما لاحتمال الحياة. ضحكت القاعة، قبل ان تستمع الى درويش يطلب من الجمهور ان لا يصدّقني، فنحن من جيل واحد قال، وقال ايضا انه لا يكبرني الا بست سنوات، سبع سنوات صححت له، وضحكنا. يومذاك جاءتني ميليا في المنام وقالت مخاطبةً منصور: "هالبلاد مش ارض، هيدي كلام معجون بالقصص، من وقت ما مشي المسيح على الارض صار التراب مصنوع من احرف وكلمات، في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله. يعني هو الكلمة، والشعر اعلى درجات الكلام، وبُكرا يا حبيبي بعد شي خمسين سنة لمن بيولد بهالارض شاعر عظيم ساعتها بتصيروا تعرفوا ان الحرب ما رح تربحوها الا بالكلمة يللي هي اقوى من السلاح". جاء الشاعر يا ميليا ومات يوم السبت الماضي، فهل عرفوا ما اردتِ لهم ان يعرفوه؟

عندما مات ادوارد سعيد، رأى الشاعر نسرا: "نسر يودّع قمته عاليا/ عاليا/ فالاقامة فوق الاولمب/ وفوق القمم/ قد تثير السأم/ وداعا/ وداعا لشعر الألم".

وعندما ودّع حبيبته رأى الغريبة: "لم يبق مني سواكِ، لم يبق منك/ سواي، غريبا يمسّد فخذ غريبته: يا/ غريبة، ماذا سنصنع في ما تبقّى لنا من/ هدوء... وقيلولة بين اسطورتين".

وعندما رأى حصان امرئ القيس، انتصبت اللغة امامه ألفاً: "... توتر يا حصاني، وانتصب ألفاً ولا/ تسقط على السفح الأخير كراية مهجورة".

وعلى حافة الموت اعتصر الليل في كلماته: "هو هذا الذي يكتب الآن هذي القصيدة/ حرفا فحرفا، ونزفا فنزفا/ على هذه الكنبة/ بدم اسود اللون، لا هو حبر الغراب/ ولا صوته/ بل هو الليل معتصرا كله/ قطرة قطرة، بيد الحظ والموهبة".

والآن، وانت حيث انت، سوف نقول لك: "على هذه الأرض ما يستحقُ الحياة: على هذه الأرضِ سيدة الأرضِ، امّ البداياتِ امّ النهاياتِ. كانت تُسمّى فلسطين. صارت تُسمّى فلسطين. سيدتي: استحقّ، لأنكِ سيدتي، استحقّ الحياةْ".

 4

ثلاثة ماتوا، وكانوا يلخصون في حياتي الصداقة والحب والذكاء وحلاوة العيش ومتعة الثقافة والمعرفة والفن.

الأول جاء من القدس، ودرس في مصر، وهاجر الى اميركا، وكان يتوقد موهبة وعقلا ورؤية، مات بسرطان الدم في نيويورك، واسمه ادوارد سعيد.

الثاني من بيروت، لكنه من يافا ايضا، كان مؤرخا وصحافيا لامعا ومناضلا وحبيبا، قتلوه في بيروت وهو يحاول ان يمزج حلم لبنان بحلم فلسطين وسوريا، واسمه سمير قصير.

 والثالث ولد في البروة وكان لاجئا في بلاده، جاء الى لبنان، واسس مجلة "الكرمل"، وحوّل الشعر قهوة للصباحات، والحلم وشاحاً للحب. كتب موته قبل ان يموت بعد جراحة في الشريان الأبهر في هيوستن. كان امير الكلام، واسمه محمود درويش.

عندما يموت احد الأصدقاء يموت جزء مني، فكيف لي ان اتحمل مشقة ما تبقّى من الحياة وانا اشهد موت اجزائي!

ليس لي سوى ان استعير ما قاله الشاعر العربي القديم:

"ما ان جزعت ولا هلعت/ ولا يرد بكاي زندا

ذهب الذين احبهم/ وبقيت مثل السيف فردا"

آب/أغسطس 2008

 

رحل الشاعر وهو يحلم بكتابة " الشعر الصافي " 

ماهر الشريف 

 

محمود درويش فلسطيني امتهن كتابة الشعر، ونجح في أن يكون واحداً من أهم الشعراء العرب والعالميين. ومع أنه كان يؤكد باستمرار أنه لا يشعر بالحاجة إلى التنظير لشعره، أو لكتابة "بيانه" الشعري، من منطلق قناعته بأن " الشعر يسبق التنظير "، وأن " نظريته " الشعرية موجودة في قصائده، إلا أن من يتتبع المواقف التي تبنّاها في الحوارات العديدة التي أجريت معه، لا سيما حواراته مع عبده وازن وعباس بيضون - التي نشرت في صحيفتي " الحياة " و " السفير " ثم صدرت باللغة الفرنسية سنة 2006 عن دار نشر سندباد - أكت سود - وكذلك مع فخري صالح (موقع " جهة الشعر " الإلكتروني) وعبد الصمد بن شريف (القدس العربي، 22 آذار/مارس 2005)، يلحظ أن هذا الشاعر الخجول، الذي كان ينظر إلى الشعر بوصفه، إلى جانب الموسيقى، " من أرقى أشكال التعبير الإنساني "، كان يعرف إلى حد كبير ماذا يريد من الشعر وإلى أين يريد أن يصل به. 

فكتابة الشعر كانت، في نظره، صناعة، تتطلب الموهبة والتجربة، من جهة، والحساسية والإتقان، من جهة ثانية. ولهذا فهو لم يكن ينشر قصائده من الكتابة الأولى، ولا يؤمن " بأن الوحي الشعري ينزل مرة واحدة "، بل كان يرى أن على الشاعر أن يتعاون مع الإلهام الذي لا يأتي وحده، معتبراً أن الكتابة الشعرية مغامرة ليست محسوبة النتائج سلفاً. وإلى جانب الموهبة والحساسية والإتقان، كان على الشاعر، في رأيه، أن يشتغل كثيراً على لغة قصيدته، وأن يستفيد من غنى اللغة العربية، " حيث الكلمة الواحدة فيها تحمل معاني عدة "، وذلك على اعتبار " أن لا جمالية شعرية من خارج اللغة "، وأن على النص الشعري، باعتباره أرقى الأشكال اللغوية، " أن يحمي اللغة العربية ويجدّدها ". 

ويعترف محمود درويش بأنه تأثر بعدد من الشعراء العرب والأجانب، مثل أبي الطيب المتنبي وبابلو نيرودا وناظم حكمت وفردريكو غارسيا لوركا و ت. س اليوت. فالتأثر والتأثير أمران طبيعيان في الكتابة الشعرية، كما ذكر في حواره مع فخري صالح، وما من شاعر قد ينجو من التأثر بمن سبقوه، " فلا أحد يولد من فراغ ليقول إنه لم يتأثر، الذي لم يتأثر هو الذي لم يقرأ، والشاعر الذي لا يقرأ لا يستطيع أن يكتب ". المهم، كما أضاف، هو أن ينجح الشاعر في أن يجد صوته الخاص، بعيداً عن المؤثرات التي هي حتمية. والشعر، في آخر المطاف، " ليس له وطن ضيق "، بل هو " يتحرك في فضاء إنساني، وفي كل شاعر منا كل تاريخ الشعر ". 

وعن سؤال الحداثة " المحيّر " وعلاقة شعره بها، رأى محمود درويش، في حواره مع عبده وازن، أن القصيدة تكون حديثة " عندما تنجح في الإصغاء إلى إيقاع الزمن الحديث وتحاول أن تبقي اللغة حية ومتجددة باستمرار "، لكنه لاحظ أن مأزق الحداثة العربية يتجلّى في كونها " متحققة في الشعر وربما في مراكز الشرطة أو الأمن ، ولكنها غير متحققة في المجتمع "، معتبراً أن على الحداثة الحقيقية أن تكون منظومة أفكار تشمل كل مستويات المجتمع وليس الشعر وحده. وبلوغ مثل هذه الحداثة المجتمعية يستدعي – كما أضاف - إعادة النظر في التراث والتاريخ ونقد الذات وفهم العالم الجديد والانفتاح على " الآخر "، إذ لا يمكن، في نظره، الحديث عن حداثة عربية بمعزل عن تأثرها بالحداثة الغربية، شرط أن يكون هذا التأثر " عن طريق الهضم والاستيعاب وليس عن طريق النسخ ". وبعد أن أشار إلى أن الحداثة الشعرية ليس في وسعها أن تقوم مقام الحداثة الفكرية والفلسفية والاجتماعية، انتقد " الفوضى الفكرية " التي عُرفّت الحداثة بها في العالم العربي، وما نجم عنها من " فلتان شعري"، في ظل غياب الرقابة الأدبية والإبداعية على النشر، بحيث أصبح " كل شيئ غير منضبط في شكل يستطيع أن يدّعي شاعره أنه ينتمي إلى الحداثة "، كما استغرب حديث البعض عن ما بعد الحداثة في مجتمعات عربية لا تزال تعيش في عصر ما قبل الحداثة. 

وعن تطوّر تجربته الشعرية، أشار محمود درويش إلى أن هذا التطوّر قد تمّ من خلال المراكمة، ومرّ بمراحل مختلفة " كان لكل واحدة منها أدواتها التعبيرية وأسلوبيتها"، كما ترافق مع الشعور المستمر " بالقلق والتمرد الدائم على النفس وعدم الاطمئنان إلى التجربة الشعرية "، التي تظل - كما أكد – " في حاجة إلى تجربة وتجريب جديدين، وإلى تجاوز الإنجاز الراهن ". وكان طموحه المستقبلي، الذي عبّر عنه في أكثر من مناسبة في سنوات عمره الأخيرة، هو أن يعمل بدأب كي يحقق المشروع الذي لا يتحقق، وهو " البحث عن الشعر الصافي "، أي عن الشعر " المتحرر من عبء التاريخ ومن عبء الواقع "، بما يمنح النص الشعري "قدرات جمالية تسمح له بأن يحقق حياة أخرى في زمان آخر، ليكون ابن تاريخه وليستقل، في الوقت نفسه، عن تاريخه وعن ظرفه الاجتماعي ". 

والواقع، أن تطوّر محمود درويش الشعري تجلّى في التحوّل الذي طرأ على تعامله مع سؤال الهوية، من جهة، وعلى فهمه لعلاقة الشعر بالسياسة، من جهة ثانية. 

فسؤال الهوية، الذي واجهه منذ شبابه الشعري، ظل يشغله في كل مراحل تطوّره الشعري، لكنه صار يعبّر عنه بأشكال تعبير مختلفة. من الصحيح أنه ظل مقتنعاً بضرورة قيام الشاعر الفلسطيني بدور " في بلورة الهوية الثقافية وفي حماية الروح من الانكسار"، وبقي يؤكد أن الفلسطيني، شاعراً، " مطالب أكثر من غيره بالتماهي مع هويته لأنها مهددة، ومع وطنه لأنه ليس محرراً "، ولكنه صار يرى أن هذا الأمر لا يجب أن يلغي حق هذا الشاعر الفلسطيني في التأمل في الطبيعة البشرية والبحث عن تفاصيل الحياة الإنسانية. 

وبخصوص علاقة الشعر بالسياسة، صار يرى أن على الشاعر " أن ينتبه إلى مهنته وليس فقط إلى دوره "؛ من الصحيح أنه ظل مقتنعاً بأن السياسة، في الحالة الفلسطينية، لا يمكنها أن تغيب عن هوامش القصيدة، لكنه بات يعتقد بأن التعبير عنها يجب أن يتم بلغة الشاعر التي تختلف عن لغة السياسي، بحيث " تحمل القصيدة في كينونتها بعداً سياسياً لا أن تكون قصيدة سياسية "، من دون أن يعني ذلك أن الشاعر متخلّ عن السياسة، " فالسياسة فينا والسياسة تعني في وضعنا الفلسطيني أن نكون منتمين إلى قضية وطنية ". 

لقد أراد محمود درويش التحرر من أسر التعريف، الذي لازمه طويلاً، بأنه شاعر فلسطيني متخصص في موضوع واحد هو القضية الفلسطينية، آملاً أن يجعل هويته الشعرية "تسبح في فضاء إنساني أوسع "، وذلك من خلال تطوير فهمه للشعر الوطني ولشعر المقاومة. 

فالمقاومة يجب فهمها، كما صار يؤكد، في معناها الواسع وليس الضيق، وذلك عبر أنسنة فعل المقاومة، والكتابة " عن إنسانية الفلسطيني، عن هشاشته وضعفه وخوفه وقلقه، كمركبات من شخصيته المقاومة ". وكما لاحظ عباس بيضون، أصبح الموضوع الفلسطيني، في قصائد محمود، " قاعدة لما يتعداه، لما هو ميتافيزيقي وأنطولوجي "، وتحوّلت الغربة الفلسطينية " إلى أوديسة كونية "، الأمر الذي صار "يمنح الشعر ميزة ويجعل قراءته غير مشروطة بمعرفة الطرف الفلسطيني ". 

وانطلاقاً من هذا الفهم الجديد للمقاومة، صار محمود درويش يرى أن على الشاعر الفلسطيني أن لا يقتصر على كتابة شكواه من الاحتلال والحصار، بل يمكن، ويجب عليه أن يكتب عن الحب، وعن المرأة، التي " تحمل معاني أخرى غير الأرض، والتي يجب أن تكون لها شخصيتها كامرأة "، وأن يكتب عن الوجود وعن الموت والماوراء. 

والواقع أن محمود درويش كتب أجمل القصائد عن الموت، الذي ارتبط سؤاله، ارتباطاً وثيقاً، بالبعد الميتافيزيقي الذي صارت تنطوي عليه قصائده. وعندما سأله عبده وازن، سنة 2005، هل تخشى الموت، أجاب أنه لم يعد يخشاه، بعد أن واجهه، كما كان يخشاه من قبل، لكنه يخشى " موت قدرته على الكتابة وعلى تذوّق الحياة ". وأشار، في حوار آخر، إلى أن كتابته لقصيدة " جدارية " نبعت من تجربته الشخصية، إذ جاءت هذه القصيدة إثر العملية الجراحية الخطيرة التي أجريت له في القلب والتي وضعته عملياً في مواجهة مباشرة مع الموت. لكنه لاحظ بعد أن انتهى من كتابة هذه القصيدة أنها " كانت مشدودة إلى سؤال الحياة أكثر من سؤال الموت، كانت نشيداً للحياة ". 

وعن سؤال الخلود، الذي ورد في إشارته في القصيدة نفسها إلى قدرة الفنون على هزيمة الموت، أكد أن هذه القدرة هي " وهم نختلقه كي نبرر وجودنا على الأرض، ولكنه وهم جميل ". من الصحيح أن الإنسان يسجل حضوره في هذه الدنيا من خلال الفن، لكن الخلود – كما أضاف – " هو وهم لا يستطيع الإنسان أن يعيش بدونه "، إذ يجد نفسه، في مواجهة الموت، أمام حلين لا ثالث لهما: " إما حل فني، أن يترك أثراً يعتقد أنه هزم به الموت، وهو فعلاً هزم به موته الشخصي، وإما حل ديني، مفاده أنه سيجد الحياة في العالم الآخر ". 

وفيما يتعلق بالنظرة إليه على أنه شاعر مراثٍ، أكد محمود درويش أنه لا ينظر لنفسه على أنه شاعر مراثٍ، لكنه أضاف بأنه " شاعر محاصر بالموت "، إذ قصة الشعب الفلسطيني كلها هي " قصة صراع الحياة مع الموت، وعلى المستوى اليومي كل يوم عندنا شهداء، الموت عندي ليس استعارة ولست أنا من أذهب إليه كموضوع بل هو يأتيني كحقيقة ". 

واعترف محمود درويش أنه اكتشف في وقت متأخر أن الشعر " لا يستطيع أن يحارب الحرب لا بأسلحتها ولا بلغتها، بل بنقيضها، نقيضها الهش "، يحارب الحرب بالهشاشة الإنسانية، " بنظرة الضحية في عيون الجلاد من دون أن يفهم الجلاد ما تقول الضحية، بعشب متروك على الطريق، بأولاد يلعبون بالثلج ". أي يحارب الحرب بجماليات الحياة البسيطة، الصغيرة، الهادئة، معتبراً " أن لغة الملاحم الكبرى والانتصارات الكبرى قد انتهت ". وبخصوص هذه النقطة، أكد محموددرويش أن الشعر، في نظره، هو غالباً ما يكون "حليف الخسائر الصغيرة والخيبات "، وتمنّى أن يصل الشعب الفلسطيني إلى الانتصار وأن يكون هناك شاعر آخر، غيره، يكتب عن هذا الانتصار، معتبراً أن لغته الشعرية ولفرط ما أدمنت الخسائر، أصبحت "غير قادرة على أن تكتب نشيداً وطنياً منتصراً ". 

وطالب محمود درويش النقاد بأن ينظروا إلى الإنجاز الشعري الفلسطيني بمقاييس أدبية عامة دون أن ينشغلوا بالتدقيق في جنسية هذا النص، مشيراً إلى أن النص، الذي هو نتاج ظرفه التاريخي، " يحمل، حال تشكّله، استقلاله الذاتي باعتباره أدباً ". 

غير أن تطوّر التجربة الشعرية لمحمود لم تدفعه إلى التنازل عن مواقف ثابتة بقي متمسكاً بها، ومنها أن الشعر يجب أن يوجهه فكر ما وأن ينطوي على معنى ما. 

فهو بقي يرى أن الشاعر " لا يأتي من اللغة وحدها، بل من التاريخ والمعرفة والواقع أيضاً "، وأن " كل تخطيط لقصيدة هو عمل فكري واع ". لكن الشعر، مهما كان يحمل من أفكار وأبعاد فلسفية، يجب أن يبدو " كأنه عفوي "، ويجب على الفكرة " أن تتحوّل إلى صورة، والصورة إلى إيقاع ". وفي حواره مع عباس بيضون، أكد أن الشعر الكبير " لا بدّ من أن يخترقه فهم أو رؤية ما للكون والوجود، وأن النص الذي لا يحمل تاريخاً وثقافة هو نص هش "، لكنه أضاف بأن الأفكار في الشعر "يجب ألا تمر بشكل مقولات وإنما يجب أن تتغلغل في النص وتتجلّى عبر الحواس". 

وكان من المنطقي أن تسفر نظرة محمود درويش الجديدة إلى الشعر عن تطوّر موقفه من حضور المعنى في القصيدة. من الصحيح أنه رحّب بالأصوات الجديدة في الشعر العربي " التي صارت تشعر بأن عليها أن تكتب ذواتها الصغيرة، مشاكلها الصغيرة، هامشيتها "، وأن تبحث عن المعنى بصورة مختلفة، " بحيث لا يسبق المعنى النص، بل يتجلّى من خلال البحث عنه في داخل النص "، لكنه حذّر، في الوقت نفسه، من "الإسراف في قتل المعنى، بحيث يصبح الشعر الحديث كأنه لا معنى له إلا إنجاز اللامعنى "، لأن التمرد على المعنى إلى هذا الحد " هو تمرد على مفهوم حرية الإنسان ووجوده وإنسانيته ". 

طبعاً لم يغفل محمود درويش حقيقة أن حياتنا المعاصرة تشهد موت المعاني الكبرى وتداعيها، لكنه ظل مؤمناً بأن على الشعر " أن يصدّق أن هناك معنى "، وكذلك على الإنسان أن يصدّق أن هناك في الحياة معنى، " حتى لا ندخل في العدمية المطلقة، وفي اليأس عن الحركة ". 

وبخصوص العلاقة بين الشاعر وقرائه، أكد محمود درويش أن تطوير الفعل الشعري لا يتم إلا من خلال تفاعل ما بين القارئ والشاعر، وعبّر عن سعادته لتفاعل قرائه المستمر معه ومواكبتهم لتطوّر تجربته الشعرية، منتقداً، في هذا السياق، بعض الشعراء الذين " يستمرئون عزلتهم ويضعونها هدفاً ". وأشار إلى أن هذه الثقة التي أعطاه إياها القارئ هي التي سمحت له بتطوير أدواته الشعرية والبحث عن تطوير جماليات قصيدته، " وبالتالي أصبح القارئ أحد نقادي الذين ساعدوني على التطوّر، وأنا كذلك ساعدت القارئ على أن يتحرر من ذائقة شعرية ما نحو ذائقة شعرية أرقى، تكون فيها العلاقة بين الجمالي والإنساني أكثر انسجاماً من الشعر المباشر أو الشعر السياسي الخطابي ". وفي حواره مع فخري صالح، اعتبر أن العلاقة بينه وبين القارئ باتت علاقة جدلية وحرة وفيها تجاذب؛ فالقارئ " لا يشكّل رقيباً على عملي أثناء الكتابة ولكنه موجود فيّ لأني أعي تماماً أن كتابة بلا قارئ لا تحقق معنى "، مؤكداً أنه لا يقدم تنازلات على المستوى الفني، بل يفخر بأنه اكتسبت ثقة القارئ الذي " صار يصدقني، ولا يعتبر الشعرية الجديدة خروجاً عن جوهري الإنساني والوطني ". 

لقد بقي محمود درويش، الإنسان، مهموماً، طوال حياته القصيرة، بالهم الفلسطيني ومنتمياً إلى قضية شعبه الوطنية. وظل يدافع عن " حق الفلسطينيين في امتلاك مستقبل أفضل على أرض أوسع، مع الاحتفاظ بحريتهم في الحلم بشيئ يبدو مستحيلاً مثل العدل والسلام والتحرر ". ومع أن قضية شعبه واجهت ظروفاً صعبة، لكنه بقي واثقاً من أن تجربة الشعب الفلسطيني في علاقته بأرضه تثبت " أنه شعب غير قابل للخروج من التاريخ ولا من الجغرافيا كما يحاول الإسرائيليون أن يفعلوا "، وأن الخيارات التي ضاقت على الشعب الفلسطيني قد وضعت هذا الشعب أمام خيارين لا ثالث لهما: " إما الحياة وإما الحياة ". وأكد محمود درويش أن من حق الشعب الفلسطيني أن يدافع عن نفسه وأن يقاوم محتليه، معتبراً أن " أول سلاح هو أن يحافظ على ذاته وحقه وهويته، وثانياً أن يلجا إلى الوسائل التي تحفظ صورته الإنسانية والوطنية ولا تمد المحتل بما يريد لها من تشويش واضمحلال "، بحيث يكون الفلسطينيون "حريصين على التفوق الأخلاقي للضحية، وأن يميّزوا بين صورتهم وحقهم في العدالة وصورة المحتل". 

لقد رحل محمود، درويش الشاعر، وهو يحلم بأن يحقق مشروعه " المستحيل " في كتابة ما أسماه بـ " الشعر الصافي "، إلا أنه رحل وهو مطمئن إلى أنه قد انتصر بقصيدته، عندما استطاع أن يحرز، بشعره، التفوّق الحضاري والثقافي على " الآخر "، الذي قد يكون قد انتصر " بسلاحه النووي وطائراته ". 

 

 

محمود درويش

 

ولد في 13 آذار/ مارس 1941 في قرية البروة التابعة لقضاء عكا، وهو الابن الثاني لأسرة فلسطينية تتكون من خمسة أبناء وثلاث بنات. والده: سليم ووالدته: حورية البقاعي.

لجأ مع بعض أفراد أسرته في نهاية سنة 1947، بعد اندلاع الصدامات بين السكان العرب والمنظمات الصهيونية، إلى جنوب لبنان، واستقروا، لفترة قصيرة، في الناعمة بالقرب من بلدة الدامور.

عاد في سنة 1949 متسللاً مع جده إلى فلسطين، فوجدا أن قريتهما قد دمرتها القوات الإسرائيلية وأقامت مكانها مستوطنة زراعية وكيبوتس. فانتقلت العائلة إلى قرية دير الأسد لفترة قصيرة، ثم استقرت في قرية الجديدة، التي لا تبعد كثيراً عن قريته الأصلية، وعاش أفرادها من دون أوراق رسمية بصفتهم "الحاضرين- الغائبين" لكونهم قد عادوا إلى فلسطين بطريقة "غير شرعية".

تأثر محمود كثيراً، في صغره، بجده الذي ربّاه وعلّمه القراءة، وكان يشتري له الكتب من عكا. كما أخذ عن أخيه أحمد، الذي كان يعمل مدرساً، بدايات اهتمامه بالأدب.

أكمل تعليمه الابتدائي في مدرسة دير الأسد متخفياً، ثم تابع دراسته الثانوية في مدرسة قرية كفر ياسيف.

بعد أن أنهى تعليمه الثانوي، انتقل في سنة 1960 إلى مدينة حيفا، وانتسب إلى صفوف الحزب الشيوعي الإسرائيلي، وصار يعمل في الصحف والمجلات العربية التي كان يصدرها الحزب، فعمل في جريدة "الاتحاد"، وفي مجلة "الجديد"، التي أصبح فيما بعد مشرفاً على تحريرها، كما اشترك في تحرير مجلّة "الفجر"، وهي مجلة أدبية عربية أصدرها حزب "المابام".

تعرّض منذ مطلع ستينيات القرن الماضي لمضايقات السلطات الأمنية الإسرائيلية، فجرى اعتقاله مرات عديدة منذ سنة 1961 بتهم تتعلق بأقواله وكتاباته ونشاطاته السياسية. وكانت آخر مرة دخل فيها السجن سنة 1969، أي قبل سنة من تركه وطنه. كما فُرضت عليه، أكثر من مرة، الإقامة الجبرية في منزله.

سافر إلى موسكو في أوائل سنة 1970 للدراسة في معهد العلوم الاجتماعية، وبعد عام قضاه هناك، قطع دراسته وانتقل إلى القاهرة في أوائل شباط/ فبراير 1971، بعد أن اتخذ قراره بعدم الرجوع إلى إسرائيل.

عمل في القاهرة في صحيفة "الأهرام"، التي كان يرأس تحريرها محمد حسنين هيكل. وخلال عمله فيها، تعرّف إلى كبار الكُتّاب المصرين، مثل نجيب محفوظ، ويوسف إدريس، وتوفيق الحكيم. كما صادق عدداً من الشعراء، مثل صلاح عبد الصبور، وأحمد حجازي، وأمل دنقل وعبد الرحمن الأبنودي. وكان درويش يعتبر أن "المحطّة القاهرية" كانت محطّة هامّة جداً في حياته، إذ فيها برزت ملامح تحوّل في تجربته الشعرية.

انتقل سنة 1973 إلى بيروت، حيث صار يعمل في مركز الأبحاث التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية، وأصبح، بعد سنوات، مديراً لهذا المركز ورئيساً لتحرير مجلته الشهرية "شؤون فلسطينية". ثم أسس في بيروت سنة 1981 مجلة "الكرمل" الثقافية. 

شهد في العاصمة اللبنانية أحداث الحرب الأهلية، التي اندلعت في نيسان/ أبريل 1975، ثم الاجتياح الإسرائيلي للبنان في صيف 1982.

بقي في بيروت، بعد خروج قوات منظمة التحرير الفلسطينية منها في نهاية آب/ أغسطس 1982، ولم يقرر مغادرتها سوى بعد قيام القوات الإسرائيلية بالدخول إليها في الشهر التالي، حيث رتّب له بعض أعضاء السلك الديبلوماسي العربي في العاصمة اللبنانية أمر انتقاله خفية إلى دمشق عن طريق طرابلس في شمال لبنان.

انتقل من دمشق إلى تونس، حيث كان مقر منظمة التحرير ورئيسها بعد خروجها من بيروت، وواصل إصدار مجلة "الكرمل" من نيقوسيا في قبرص، وصار يحررها من باريس، التي عاش فيها نحو عشر سنوات، لكن في صورة متقطّعة. وهو يعتبر أن باريس شهدت ولادته الشعرية الحقيقية.

شغل منصب رئيس الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين، وانتخب في اجتماع المجلس الوطني الفلسطيني، الذي انعقد في تشرين الثاني/ نوفمبر 1988 في الجزائر، عضواً في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، بعد أن كان قد صاغ نص "إعلان الاستقلال" الذي تبنّاه ذلك الاجتماع. بيد أنه استقال من اللجنة التنفيذية للمنظمة في سنة 1993 بعد التوقيع على "اتفاق أوسلو".

تزوج محمود درويش مرتين وانفصل في كليهما. 

عاد إلى فلسطين سنة 1995 للإقامة في مدينة رام الله، وتابع منها إصدار مجلة "الكرمل". وصار يمضي نصف وقته في رام الله والنصف الآخر في مدينة عمّان، وفي بعض الأسفار. وجرّاء التصاريح التي منحته إيّاها السلطات الإسرائيلية، تمكّن من زيارة والدته في موطنه الأصلي.

كان محمود درويش، الذي أتقن العبرية والإنكليزية والفرنسية، واحداً من أهم الشعراء العرب ذوي الشهرة العالمية، ومن الشعراء القلائل الذين لا يمكن الفصل بين حياتهم، وشعرهم، وقضيتهم؛ هذه القضية التي ساهم في نقلها من قضية وطنية إلى قضية إنسانية عالمية.

وقد تميزت شخصيته بالخجل، وخفّة الظل، واللباقة في التعاطي مع الآخرين، وحب العزلة، التي لم تكن تعني انقطاعاً عن الحياة، والواقع، والناس. ومن الأمور المحببة إليه سماع الموسيقى، وبخاصة الكلاسيكية منها، ولعب النرد (طاولة الزهر)، والتفنن في تحضير القهوة لأصدقائه بنفسه.

أصدر محمود درويش، بعد ديوانه الأول الذي صدر في سنة 1960 بعنوان: "عصافير بلا أجنحة"، خمسة وعشرين ديواناً شعرياً، كما أصدر أحد عشر عملاً نثرياً. وقد تُرجمت أعماله إلى أكثر من 22 لغة، وحظي بتقدير عالمي كبير ونال عشرات الجوائز والأوسمة، ومنها "جائزة لينين"، من الاتحاد السوفييتي (1983)، و"وسام الاستحقاق الوطني الفرنسي" من وزارة الثقافة الفرنسية برتبة فارس (1997)، و"جائزة الأمير كلاوس" الهولندية (2004)، و"جائزة القاهرة للإبداع الشعري العربي" (2007)، و"وسام القدس للثقافة والفنون والآداب" بمرسوم من الرئيس محمود عباس (2008).

توفي محمود درويش في الولايات المتحدة الأميركية يوم السبت في 9 آب/ أغسطس 2008 بعد إجراء عملية قلب في مركز تكساس الطبي في هيوستن. ونقل جثمانه إلى مدينة رام الله، حيث شيعه عشرات الآلاف من الفلسطينيين، ووري جثمانه، في 13 آب/أغسطس، في قطعة أرض مقابل قصر رام الله الثقافي خصصت لدفنه. وقد تمّ إعلان الحداد على رحيله ثلاثة أيام في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وسط حزن الفلسطينيين على "عاشق فلسطين" وأحد أبرز رموز المشروع الثقافي الحديث. واليوم، يضم المكان الذي يحوي ضريح درويش "متحف محمود درويش" و"حديقة البروة" تيمّناً بالبلدة التي هُجِّر منها.

من آثاره الشعرية:

"مديح الظل العالي". بيروت: دار العودة، 1983.

"مأساة النرجس ملهاة الفضة". بيروت: دار العودة، 1987 .

"أحد عشر كوكباً". بيروت: دار العودة، 1992.

"لماذا تركت الحصان وحيداً". بيروت: رياض الريس للكتب والنشر، 1995.

"سرير الغريبة". بيروت: رياض الريس للكتب والنشر، 1999 .

"جدارية". بيروت: رياض الريس للكتب والنشر، 2000 .

"حالة حصار". بيروت: رياض الريس للكتب والنشر، 2002 .

"لا تعتذر عمّا فعلت". بيروت: رياض الريس للكتب والنشر، 2004.

"كزهر اللوز أو أبعد". بيروت: رياض الريس للكتب والنشر، 2005 .

ومن آثاره النثرية:

"ذاكرة للنسيان". بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1987.

"في حضرة الغياب". بيروت: رياض الريس للكتب والنشر، 2006 .

"حيرة العائد". بيروت: رياض الريس للكتب والنشر، 2007 .

" أثر الفراشة". بيروت: رياض الريس للكتب والنشر، 2008 .

ومن أعماله المترجمة:

Au dernier soir sur cette terre. traduit par Elias Sanbar. Paris: Actes Sud, 1994.

Pourquoi as-tu laissé le cheval à sa solitude, traduit par Elias Sanbar. Paris: Actes Sud, 1996.

Unfortunately, It Was Paradise: Selected Poems. translated and edited by Munir Akash et al. Berkeley: University of California Press, 2003.

Journal of an Ordinary Grief, translated by Ibrahim Muhawi. Brooklyn, NY: Archipelago Books, 2010.

 

المصادر:

النقاش، رجاء. "محمود درويش شاعر الأرض المحتلة". ط 3. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1972.

وزان، عبده. "محمود درويش في حوار شامل حول الشعر والحداثة". "الحياة" (لندن)، 14/12/2005.

موقع مؤسسة محمود درويش: darwishfoundation.org

 

سيرة  محمود درويش مأخوذة من مجموعة "أعلام" التي أعدّها وليد الخالدي وماهر الشريف، والمنشورة ضمن "المسرد الزمني التفاعلي للقضية الفلسطينية"، الذي يرأس تحريره كميل منصور. المسرد جزء من "رحلات فلسطينية"، وهو مشروع مشترك بين مؤسسة الدراسات الفلسطينية والمتحف الفلسطيني.

www.paljourneys.org/ar/timeline

 

وفيما يلي أبرز ما نشر في مجلة الدراسات الفلسطينية عن محمود درويش:

 

سلمان، ريما. شعرية الوصل لدى محمود درويش. مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 115 (صيف 2018)، ص 117-126.

 

خوري، الياس. الشاعر والأوغاد. مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 108 (خريف 2016)، ص 7-13

 

درويش، محمود. قصيدتان. مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 108 (خريف 2016)، ص 14

 

سعد الدين، عمرو. شعر محمود درويش في وجدان الثورات العربية. مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 92 (خريف 2012)، ص 52-68.

 

 خوري، الياس. محمود درويش: الهوية وسؤال الضحية. مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 83 (صيف 2010)، ص 52-60.

 

حديدي، صبحي. محمود درويش ومثلّث السيرة: الشاعر والمكان والتاريخ. مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 76 ( خريف 2008)، ص 82-98.

 

درويش، محمود. شكراً لكم لأنكم تقاومون الدعوة للرقص على قبورنا. مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 76 (خريف 2008)، ص 99-100.

 

كاريل، داليا. جمالية اليأس (مقابلة مع محمود درويش). مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 76 (خريف 2008)، ص101-108.

 

أنطون، سنان. النقد الرمزي لاتفاق أوسلو عند محمود درويش. مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 51 (صيف 2002) ص 114-122.

 

خوري، جيزال. حوار مع محمود درويش عن السياسة والشعر وتجربة الموت. مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 48 (خريف 2001)، ص 7-23.

 

محمود درويش: ثلاث قصائد. مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 36 ( خريف 1998)، ص 95-102.

 

حديدي، صبحي. "أحد عشر كوكبا على آخر المشهد الأندلسي" ـ الحِداد يليق بغرناطة. مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 13 (شتاء 1993)، ص 170-179.